الخميس يناير 29, 2026

نقل عبارة ابن تيمية المقتضية لإثبات الحيّز لله تعالى
قد ذكرنا فيما مضى في إثبات تنزيه الحق عن أن يكون استواؤه على عرشه بالمحاذاة نسبة القول بمحاذاة البارئ سبحانه وتعالى للعرش لابن تيمية، وهو ثابت عنه وإن نفاه بعض أتباعه لما استبشعوا ذلك. والآن نورد عبارته الصريحة في ذلك وقوله بأزلية العالم بنوعه حتى يراها الناظر بعينه، وليس الخبر كالعيان، لتُحذر بلايا مؤلفاته.
قال في «منهاج السنة النبوية» [(160)] ما نصه: «مسئلة ثم إن جمهور أهل السنة يقولون إنه ينزل ولا يخلو منه العرش كما نقل ذلك عن إسحق بن راهويه وحماد بن زيد وغيرهما ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته» اهـ وهذه فرية على أهل السنّة وهذا محض تقوّل على الأئمة كما تقوَّل في مسئلة زيارة قبور الأنبياء والأولياء للدعاء عندها رجاء الإجابة، وتعامى عما أطبق عليه السلف والخلف من قصد قبور الأنبياء رجاء الإجابة من الله كما ذكر ذلك الحافظ ابن الجزري في كتابه «الحصن الحصين» [(161)] ولن يستطيع أن يثبت ذلك عن أحد من أئمة الحديث إلا أن يكون من المجسمة المنتسبة إلى الحديث كأمثال الذي قال ألزموني ما شئتم غير اللحية والعورة.

وقال في كتابه «شرح حديث النزول» [(162)] ما نصه: «والقول الثالث وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه» اهـ.
وقال فيه أيضًا ما نصه [(163)]: «والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة، وهو قول الأشعري وغيره من الكُلاَّبية، فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته، وكذلك يثبتون استواءه على العرش بذاته ونحو ذلك، ويقولون الاستواء فعل فعله في العرش فصار مستويًا على العرش، وهذا أيضًا قول ابن عقيل وابن الزاغوني وطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم» اهـ.
وقال فيه أيضًا وفي فتاويه ما نصه [(164)]: «وقال أهل السنة في قوله ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *﴾ [سورة طه] الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز» اهـ.
وقال أيضًا فيهما ما نصه [(165)]: «وإذا كان قعود الميت في قبره ليس هو مثل قعود البدن، فما جاءت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم من لفظ القعود والجلوس في حق الله تعالى كحديث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيرهما أولى أن لا يماثل صفات أجسام العباد» اهـ.
ويقول ابن تيمية في كتابه بيان تلبيس الجهمية ما نصه [(166)]: «الوجه الخامس أن العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه، وكالسقف إلى ما تحته. فإذا كان القرءان قد جعل لله عرشًا وليس هو بالنسبة إليه كالسقف عُلم أنه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، وذلك يقتضي أنه فوق العرش» اهـ.

وقال في تفسير سورة العلق ما نصه [(167)]: «ومن ذلك حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختارته. وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهما، لكن أكثر أهل السنة قبلوه، وفيه قال «إن عرشه أو كرسيه وسع السموات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربعة أصابعأو ما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابعوإنه ليئط به أطيط الرَّحْل الجديد براكبه» اهـ.
ثم قال ما نصه [(168)]: «وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي، وأنه ذكر عظمة العرش، وأنه مع هذه العظمة فالرب مستو عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع، وهذه غاية ما يقدَّر به في المساحة من أعضاء الإنسان» اهـ.
قلت: فليُنظر إلى قوله: «يدل على أن الصواب في روايته النفي» أي على زعمه أن رواية النفي وهي: «لا يفضل من العرش شىء» أصح من رواية «أنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع» [(169)] اهـ، فقوله هذا فيه إثبات المساحة والمقدار والمقياس لله تعالى الله عن ذلك. ثم قال ما نصه [(170)]: «ومن قال «ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع» فما فهموا هذا المعنى، فظنوا أنه استثنى فاستثنوا فغلطوا، وإنما هو توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام، وإلا فأي حكمة في كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية، وتلك الأصابع أصابع من الناس، والمفهوم من هذا أصابع الإنسان، فما بال هذا القدر اليسير لم يستو الرب عليه» اهـ.

وقال في كتابه المسمى «منهاج السنة النبوية» ما نصه [(171)]: «وأما قوله إنه يفضل عنه من العرش من كل جانب أربع أصابع فهذا لا أعرف له قائلًا ولا ناقلًا ولكن روي في حديث عبد الله بن خليفة أنه ما يفضل من العرش أربع أصابع يروى بالنفي ويروى بالإثبات، والحديث قد طعن فيه غير واحد من المحدثين كالإسماعيلي وابن الجوزي ومن الناس من ذكر له شواهد وقواه ولفظ النفي لا يَرِدُ عليه شىء فإن مثل هذا اللفظ يَرِدُ لعموم النفي كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما في السماء موضع أربع أصابع إلا وفيه ملَك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد» أي ما فيها موضع، ومنه قول العرب ما في السماء قدر كف سحابًا وذلك لأن الكف يقدر به الممسوحات كما يقدر بالذّراع وأصغر الممسوحات التي يقدّر بها الإنسان من أعضائه كف فصار هذا مثلًا لأقل شىء، فإذا قيل إنه ما يفضل من العرش أربع أصابع كان المعنى ما يفضل منه شىء والمقصود بيان أنه أعظم وأكبر من العرش ومن المعلوم أن الحديث إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فليس علينا شىء وإن كان قاله فلم يجمع بين النفي والإثبات فإن كان قاله بالنفي لم يكن قاله بالإثبات والذين قالوه بالإثبات ذكروا فيه ما يناسب أصولهم كما بُسط في غير هذا الموضع فهذا وأمثاله سواء كان حقًّا أو باطلاً لا يقدح في مذهب أهل السنة ولا يضرهم» اهـ.

انظر إلى قوله: «ولفظ النفي لا يَرِدُ عليه شىء» كيف يجيز نسبة هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو كلامٌ صريحٌ في التجسيم، وانظر أيضًا إلى تجويزه أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قال «يفضل عنه أربع أصابع» الذي هو أقبح من لفظ النفي وإن كان كلا اللفظين يقتضي إثبات المساحة والمقدار لذات الله، وقد قام الدليل العقلي القطعي على استحالة ذلك على الله لأنه يلزم عليه أن يجوز على الله ما يجوز على سائر الأجرام كالشمس من الفناء والتغير وأن يكون مستدير الشكل أو مربعه أو مثلثه إلى غير ذلك، وهل عرفنا عقلًا أنَّ الشمس محدثةٌ إلا بالشكل ونحوه، فلو كان الله كذلك كما هو مقتضى كلامه هذا لجازت الألوهية للشمس عقلًا، ومحال أن تثبت الألوهية لغير الله تعالى، فما أدى إلى المحال العقلي وهو الكون ذا مقدار وشكلٍ محال، فثبت المطلوب وهو تنزه الله تعالى عن المقدار والمساحة والشكل.
ويقول في الفتوى الحموية بعد كلام ما نصه [(172)]: «وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة» اهـ.
وقال في فتاويه ما نصه [(173)]: «فقد حدَّث العلماء المرضيّون وأولياؤه المقربون أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجلسه ربه على العرش معه» اهـ. وقد نقل عنه هذه العقيدة أبو حيّان الأندلسيُّ النحويُّ المفسّر المقرئ في تفسيره المسمى بالنهر قال: «وقرأت في كتاب لأحمد ابن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سماه كتاب العرش: إن الله يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكانًا يُقعد معه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحيَّلَ عليه التاج محمد بن علي بن عبد الحق البارنباري، وكان أظهر أنه داعية له حتى أخذه منه وقرأنا ذلك فيه» [(174)] اهـ.

ونقل أبي حيان هذا كان قد حُذف من النسخة المطبوعة القديمة ولكن النسخة الخطية تثبته. وسبب حذفه من النسخة المطبوعة ما قاله الزاهد الكوثري في تعليقه على السيف [(175)] قال: «وقد أخبرني مصحح طبعه بمطبعة السعادة أنه استفظعها جدًّا فحذفها عند الطبع لئلا يستغلها أعداء الدين، ورجاني أن أسجل ذلك هنا استدراكًا لما كان منه ونصيحة للمسلمين» اهـ.
فلينظر العقلاء إلى تخبُّط ابن تيمية حيث يقول مرة إنه جالس على العرش، ومرة إنه جالس على الكرسي، وقد ثبت في الحديث [(176)] أن الكرسي بالنسبة للعرش كحَلْقة في أرض فلاة فكيف ساغ ذلك في عقله.
والأعجب من ذلك نقله قول عثمان الدارمي [(177)] المجسم عن الله سبحانه وتعالى: «ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السموات والأرض» اهـ، نعوذ بالله من مسخ القلوب. ويبطل قوله هذا كلام الإمام علي بن الحسين زين العابدين: «سبحانك لا تُحَسُّ ولا تُمسُّ ولا تُجسّ» [(178)] اهـ.
ويبطله أيضًا قول الإمام الحجة أبي المظفر الأسفراييني في رده على شُبه الكرامية ونصه [(179)]: «ولما ورد عليهم هذا الإلزام تحيروا فقال قوم منهم: إنه أكبر من العرش، وقال قوم إنه مثل العرش، وارتكب ابن المهاجر منهم قوله: إن عرضه عرض العرش، وهذه الأقوال كلها متضمنة لإثبات النهاية، وذلك عَلَمُ الحدوث لا يجوز أن يوصف به صانع العالم» اهـ
ونَقْلُ ابن تيمية وأمثاله لا ينفع في العقائد لأنه لا يحتج في إثبات صفة لله إلا بنص الكتاب والسنة المتفق على صحتها السالم رواتها عن الضعيف، فلا يحتج في ذلك بالحديث إذا كان في رواته من هو مختلف فيه، فلا تثبت صفة بقول صحابي ولو صح الإسناد إليه، وما يروى عن التابعي أولى بعدم الاحتجاج به.

وقد ناقض ابن تيمية نفسه فيذكر في منهاجه عن حديث المهدي ما نصه: «الثاني: أن هذا من أخبار الآحاد، فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به» اهـ ثم إنه احتج بالمختلف في إسناده بل والموضوع، إضافة إلى احتجاجه بأقوال السجزي عثمان الدارمي لإثبات زعمه فيه التجسيم ونسبة الحدّ والحركة والجلوس في حق الله سبحانه وتعالى، أليس هذا تلونًا؟!! وقد ثبت أنه كان يعتمد كتبه كما ذكر تلميذه ابن القيم في كتابه المسمى «اجتماع الجيوش الإسلامية» ونصه [(180)]: «كتابا الدارمي أي النقض على بشر المريسي والرد على الجهمية – من أجلّ الكتب المصنفة في السنة وأنفعها»، ثم قال: «وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يوصي بهما أشد الوصية ويعظمهما جدًّا» اهـ، وكيف لا يعظمهما وهما مرجعه في التجسيم والتشبيه.
وأما ما هو مذكور في نسخ «الإبانة» الموجودة اليوم مع نسبتها إلى أبي الحسن الأشعري من هذه العبارة وهذه هي بحروفها: «ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى بالأمر النازل بهم يقولون يا ساكن العرش، ومن حلفهم جميعًا قولهم لا والذي احتجب بسبع سموات»، فهو كذب ظاهر تعمّد مفتريه على الأشعري نسبة ذلك إليه، لأن الواقع يكذب ذلك فإن هاتين العبارتين لم تنقلا عن إمام ولا عن عالم أنه قال ذلك في دعائه أو في حلفه بل ولا عن عوام المسلمين.
فما أوقح هذا الذي نسب إليه هذا الكلام فإنه لا يستحي من الله ولا من المسلمين، فهذا الكتاب لا يجوز الاعتماد عليه لأن كل نسخة فيها هذا الكلام وما أشبهه فهي مدسوسة على الإمام أبي الحسن، والإمام أبو الحسن من أشهر من عُلم بنفي التحيّز عن الله، وقد صرَّح بمنع قول إن الله بمكان كذا وإن الله بمكان واحد أو في جميع الأمكنة، وهذا الذي توارد عليه أصحابنا الذين تلقوا عنه عقيدة أهل السُّنّة والذين تلقّوا عنهم وهلم جرّا.

وقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه الوصية ما نصه [(181)]: «نقرُّ بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو الحافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجًا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق، ولو كان محتاجًا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا» اهـ، فرضي الله عنه فإنه قد أوضح عقيدة أهل السنة والجماعة وسلف الأمة بصريح العبارة.
وأما أن ابن تيمية يقول بأزلية العالم بنوعه لا بالأفراد المعينة فقد اعتمدنا في ذلك على ما ذكره في سبعة من كتبه أوردتها بنصوصها في كتابي «المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية» منها ما قاله في «منهاج السنة النبوية» [(182)] بعد كلامٍ طويل ما نصه: «وحينئذٍ فيمتنع كون شىءٍ من العالم أزليًّا وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائمًا لم يزل فإن الأزل ليس هو عبارةً عن شىء محدد بل ما من وقت يقدر إلا وقبله وقت ءاخر فلا يلزم من دوام النوع قِدَمُ شىء بعينه» اهـ، فإن قلتَ أين قال فيه بأزلية نوع الحادثات؟ قلنا مراده بدوام النوع أزليته لأنه ذكره في مقابل حدوث الأَفراد ومقابلُ الحدوث الأزلية كما لا يخفى وقال في الصحيفة التي قبلها ودوام النوع يقتضي حدوث أفراده.
وقال في كتابه المسمى «منهاج السنة النبوية» [(183)]: «ثم القائلون بقيام فعله به منهم من يقول فعله قديم والمفعول متأخر وإن إرادته قديمة والمراد متأخر كما يقول ذلك من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم، ومنهم من يقول بل هو حادث النوع كما يقول ذلك من يقوله من الشيعة والمرجئة والكرَّامية، ومنهم من يقول بمشيئته وقدرته شيئًا فشيئًا لكنه لم يزل متصفًا به فهو حادث الآحاد قديم النوع كما يقول ذلك من يقوله من أئمة أصحاب الحديث» اهـ.

وهذا الأخير معتقد ابن تيمية يدل على ذلك قوله في «موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول» [(184)] بعدما نقل عن الأبهري أنه قال بل قبل كل حركة حركة لا إلى أول، قال ابن تيمية: «قلت هذا من نمط الذي قبله فإن الأزلي اللازم هو نوع الحادث لا عين الحادث» اهـ، هذه عبارته بنصها، فهو يعتقد أن مفعولات الله أي مخلوقاته على اختلاف أنواعها أزلية النوع لا الأفراد وذلك عنده شامل لحركات العباد التي يتحركونها فهو يرى أن نوعها أزليّ أي ليس بمخلوق.
وقد أثبت هذه العقيدة عن ابن تيمية الحافظ تقي الدين السبكي في رسالته «الدرة المضية» [(185)]، والحافظ أبو سعيد العلائي [(186)].
وثبت عن السبكي ما نقله عنه تلميذه الصفدي [(187)] وهو تلميذ ابن تيمية أيضًا في قصيدته المشهورة حتى عند المنتصرين لابن تيمية وقد تضمنت الرَّدَّ على الحلّي ثم ابن تيمية لقوله بأزلية جنس العالم وأنه يرى حوادث لا ابتداء لوجودها كما أن الله لا ابتداء لوجوده قال – أي السبكي – ما نصه: [البسيط]
           ولابنِ تيميةٍ ردٌّ عليه وفى            بِمَقْصِدِ الردّ واستيفاءِ أضْرُبِهِ
          لكنه خَلطَ الحقَّ المبين بما            يشوبُهُ كَدَرٌ في صَفوِ مَشْرَبِهِ
       يُحاوِلُ الحَشْوَ أَنَّى كان فهو لَهُ         حثيثُ سيرٍ بشرقٍ أو بمغْرِبِهِ
       يرى حوادثَ لا مَبدَا لأَوَّلِها           في الله سبحانَهُ عما يَظُنُّ بِهِ

 

وقال العلامة البياضي الحنفي في كتابه «إشارات المرام» [(188)] بعد ذكر الأدلة على حدوث العالم ما نصّه: «فبطل ما ظنه ابن تيمية من قدم العرش كما في شرح العضدية» اهـ.

هذا وقد نقل المحدّث الأصولي بدر الدين الزركشي في تشنيف المسامع [(189)] اتفاق المسلمين على كفر من يقول بأزلية نوع العالم فقال بعد أن ذكر أن الفلاسفة قالوا: «إن العالم قديم بمادته وصورته» وبعضهم قال: «قديم المادة محدَث الصورة» ما نصه: «وضلَّلهم المسلمون في ذلك وكفَّروهم» اهـ. ومثل ذلك قال الحافظ ابن دقيق العيد والقاضي عياض المالكي والحافظ زين الدين العراقي والحافظ ابن حجر في شرح البخاري وغيرهم.
قال القاضي عياض في «الشفا» [(190)]: «وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» [(191)] ما نصه: «قال شيخنايعني زين الدين العراقيفي شرح الترمذي: الصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس، ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر، ومنه القول بحدوث العالم، وقد حكى القاضي عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم، وقال ابن دقيق العيد: وقع هنا من يدَّعي الحِذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر لأنه من قبيل مخالفة الإجماع وتمسك بقولنا: إن منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترًا عن صاحب الشرع، قال: وهو تمسك ساقط إما عن عمى في البصيرة أو تعام لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل» اهـ.

وقال الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء عند الكلام على تكفير الفلاسفة ما نصه [(192)]: «ومن ذلك قولهم بقدم العالم وأزليته، فلم يذهب أحد من المسلمين إلى شىء من ذلك» اهـ، وقال في موضع ءاخر منه ما نصه [(193)]: «وقال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: اعلم أن حكم الجواهر والأعراض كلها الحدوث فإذًا العالم كله حادث، وعلى هذا إجماع المسلمين بل وكل الملل، ومن خالف في ذلك فهو كافر لمخالفة الإجماع القطعي» اهـ. فقول ابن تيمية بأزلية نوع العالم مخالف للقرءان والحديث الصريح وإجماع الأمة وقضية العقل، أمّا القرءان فقوله تعالى ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ … *﴾ [سورة الحديد]، فليس معنى ﴿هُوَ الأَوَّلُ … *﴾ إلا أنه هو الأزلي الذي لا أزلي سواه أي أن الأولية المطلقة لله فقط لا تكون لغيره، فأشرك ابن تيمية مع الله غيره في الأولية التي أخبرنا الله بأنها خاصة له، وذلك لأن الأولية النسبية هي في المخلوق، فالماء له أولية نسبية أي أنه أول المخلوقات بالنسبة لغيره من المخلوقات، ثم تلاه العرش ثم حدث ما بعدهما وهو القلم الأعلى واللوح المحفوظ ثم الأرض ثم السموات، ثم ما ذكره الله تعالى بقوله ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *﴾ [سورة النازعات].
وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري [(194)] في كتاب بدء الخلق وغيرُه «كان الله ولمْ يَكُنْ شىءٌ غيرُهُ» الذي توافقه الرواية الأخرى رواية أبي معاوية: «كان الله قبلَ كُلّ شىءٍ» [(195)]، ورواية «كانَ الله ولمْ يَكُنْ معهُ شَىءٌ».

وأمّا رواية البخاري في أواخر الجامع [(196)]: «كان الله ولم يكن شىء قبله» فترد إلى روايته في كتاب بدء الخلق وذلك متعين، ولا يجوز ترجيح رواية «كان الله ولم يكن شىء قبله» على رواية «كان الله ولم يكن شىء غيره» كما أومأ إلى ذلك ابن تيمية، لأن ظاهر رواية «كان الله ولم يكن شىء قبله» يوافق ما يزعمه كما أشار لذلك الحافظ ابن حجر في شرح البخاري [(197)] عند ذكر حديث: «كان الله ولم يكن شىء قبله» فقال فيما حاول ابنُ تيمية من ترجيح هذه الرواية على تلك الرواية توصلًا إلى عقيدته من إثبات حوادث لا أول لها ما نصه: «وهذه من أشنع المسائل المنسوبة له» اهـ يعني ابن تيمية.
أقول: ولا أدري لماذا لم يجزم الحافظ ابن حجر بقول ابن تيمية بهذه المسألة مع أنه ذكر في كتابه لسان الميزان [(198)] قول الحافظ السبكي في ابن تيمية في تلك الأبيات التي منها:
            يرى حوادث لا مبدا لأولها     في الله سبحانه عما يظن به

وأنه يقول بتجدد حوادث في ذات الله من كلمات وإرادات بحسب المخلوقات وهو المراد بقول ابن تيمية نوع العالم أزلي وأفراده حادثة.
وكذلك رواية مسلم [(199)]: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شىء» ترد إلى رواية البخاري: «كان الله ولم يكن شىء غيره» فإن لم ترد ورجحت رواية مسلم كان ذلك رجوعًا إلى قول الفلاسفة وإلغاء لرواية البخاري.

فقد خالف ابن تيمية القرءان والحديث وقضية العقل التي لم يخالف فيها إلا الدهرية وأمثالهم، وهذا ليس مشكوكًا في نسبته إلى ابن تيمية فإنه ذكر ذلك في سبعة من كتبه كما مرَّ، وعبَّر في بعضها بأزلية جنس العالم. ولو لم يكن نصُّ ابن تيمية في كتبه السبعة التي هي في متناول من يريد الاطلاع عليها لأنها طبعت لكفى شهادة الحافظيْن الإماميْن الجليليْن المتفق على إمامتهما تقي الدين السبكي وأبي سعيد العلائي، ومن أراد فليراجع ترجمة السبكي في كتاب «أعيان العصر» لتلميذه الصفدي بتوسع ووصفهُ له بالثناء البالغ، وأما الحافظ أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي فقد وصفه الحافظ ابن حجر [(200)] بأنه إمام في الفقه والنحو والأصول متفنن في علوم الحديث وفنونه علاَّمة فيه حتى صار بقية الحفاظ عارفًا بالرجال علَّامة في المتون والأسانيد ومصنفاته تنبىء عن إمامته في كل فن لِيُنزَلا بمنزلتهما صح من حديث رسول الله: «أنزلوا الناس منازلهم» رواه أبو داود من حديث عائشة [(201)].
ثم إن ابن تيمية لم يخالف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة فقط بل هو كما ذكر الحافظ ولي الدين العراقي [(202)] أنه خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل تبلغ ستين مسألة بعضها في الأصول وبعضها في الفروع خالف فيها بعد انعقاد الإجماع عليها ومن هذه المسائل أنه يرى نسبة الحركة إلى الله كما في كتاب «الموافقة» [(203)] الذي على هامش الجزء الثاني فإن فيه إقراره القول بأنَّ كل حي متحرك وأن ذلك من قول أهل السنة والحديث. وما ذلك إلا تمويه تراه ينسب الرأي الذي يعجبه إلى أئمة أهل الحديث كالقول بأزلية العالم بالنوع وإثبات الحركة لله فإنه ينسب القول بأزلية العالم بنوعه إلى أئمة الحديث في أكثر من خمسين موضعًا وهم بريئون من ذلك ولن يستطيع أن يثبت ذلك عن أحدٍ من أئمة الحديث إلا أن يكون من المجسمة المنتسبة إلى الحديث أمثال الذي قال [(204)] «ألزموني ما شئتم غير اللحية والعورة».

ويكفي في تبرئة أئمة الحديث ما نقله أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها عن أحمد قال [(205)]: «وأنكريعني أحمدعلى من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طولٍ وعرضٍ وسمكٍ وتركيب وصورةٍ وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل». نقله الحافظ البيهقي عنه في مناقب الإمام أحمد.
وهذا الذي صرح به أحمد من تنزيهه الله عن هذه الأشياء الستة هو ما قال به الأشاعرة والماتريدية وهم أهل السنة الموافقون لأحمد وغيره من السلف في أصول المعتقد فليعلم الفاهم أن نفي الجسم عن الله جاء به السلف فظهر أن ما ادعاه ابن تيمية أن السلف لم يتكلموا في نفي الجسم عن الله غير صحيح فينبغي استحضار ما قاله أحمد فإنه ينفع في نفي تمويه ابن تيمية وغيره ممن يدعون السلفية والحديث. وهذا البيهقي من رؤوس أهل الحديث يقول في كتاب «الأسماء والصفات» [(206)] في باب ما جاء في العرش والكرسي عقب إيراده حديث [(207)] «هل تدرون ما هذه التي فوقكم» ما نصه: «والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى وأن العبد أينما كان في القرب والبعد من الله تعالى سواء وأنَّه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان، واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء» [(208)]، وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان» انتهى كلام البيهقي.

وهذا الحافظ ابن حجر أشهر الحفاظ المتأخرين صرح باستحالة جهة العلو وجهة السفل على الله تعالى ففي شرح البخاري عند الكلام على حديث جابر: «كنا إذا صعدنا كبّرنا وإذا نزلنا سَبّحنا» من كتاب «الجهاد» ما نصه [(209)]: «قال المهلب: تكبيرُه صلى الله عليه وسلم عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله عزَّ وجلَّ وعند ما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شىء. وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجّاه الله من الظلمات فسبّح النبي صلى الله عليه وسلم في بطون الأودية لينجيه الله منها، وقيل مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيهَ الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيرَه عند الأماكن المرتفعة. ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالاً على الله أن لا يوصف بالعلو لأنَّ وصفه بالعلو من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعليّ والمتعالي» اهـ.

ـ[160] انظر شرح حديث النزول (ص/66).
ـ[161] شرح حديث النزول (ص/105).
ـ[162] شرح حديث النزول (ص/145)، مجموع فتاوى (5/ 519).
ـ[163] شرح حديث النزول (ص/151)، مجموع فتاوى (5/ 527).
ـ[164] انظر الكتاب (1/ 576).
ـ[165] مجموعة تفسير (ص/354 – 355)، مجموع فتاوى ابن تيمية (16/ 434 وما بعدها).
ـ[166] مجموعة تفسير (ص/358).
ـ[167] مجموعة تفسير (ص/356 – 357).
ـ[168] مجموعة تفسير (ص/359).
ـ[169] انظر الكتاب (1/ 261).
ـ[170] رسالة الفتوى الحموية الكبرى (ص/79).
ـ[171] انظر فتاويه (4/ 374).
ـ[172] انظر النهر الماد، تفسير ءاية الكرسي.
ـ[173] انظر السيف الصقيل (ص/85).
ـ[174] أخرجه ابن حبان في صحيحه انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/ 282).
ـ[175] بيان تلبيس الجهمية (1/ 568).
ـ[176] إتحاف السادة المتّقين (4/ 380).
ـ[177] التبصير في الدين (ص/112).
ـ[178] انظر الكتاب (ص/143).
ـ[179] ذكره ملاَّ عليّ القاري في شرح الفقه الأكبر (ص/70).

ـ[180] انظر المنهاج (1/ 109).
ـ[181] انظر المنهاج (1/ 223).
ـ[182] انظر الموافقة (ص/245).
ـ[183] مقدمة الدرة المضية.
ـ[184] ذخائر القصر (ص/69)، مخطوط.
ـ[185] أعيان العصر وأعوان النصر (3/ 434 – 435).
ـ[186] انظر الكتاب (ص/197).
ـ[187] تشنيف المسامع (4/ 70).
ـ[188] الشفا (2/ 606).
ـ[189] فتح الباري (12/ 202).
ـ[190] إتحاف السادة المتقين (1/ 184).
ـ[191] إتحاف السادة المتقين (2/ 94).
ـ[192] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق: باب ما جاء في قول الله تعالى، والبيهقي في سننه (9/ 2).
ـ[193] فتح الباري (13/ 410).
ـ[194] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب وكان عرشه على الماء.
ـ[195] فتح الباري (13/ 410).
ـ[196] لسان الميزان (6/ 391)، وهذه الأبيات سقطت من اللسان المطبوع.
ـ[197] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر والدعاء والتوبة: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع.
ـ[198] الدرر الكامنة (2/ 181).
ـ[199] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب في تنزيل الناس منازلهم.
ـ[200] الأجوبة المرضية (ص/93 – 95).
ـ[201] انظر الموافقة (2/ 26) المطبوع بهامش كتابه المنهاج.
ـ[202] هو داود الجواربي المجسم، انظر الفرق بين الفرق (ص/228)، التبصير في الدين (ص/120).
ـ[203] اعتقاد الإمام أحمد (ص/45).
ـ[204] انظر الأسماء والصفات (ص/400).
ـ[205] رواه الترمذي في سننه: كتاب تفسير القرءان: باب من سورة الحديد وقال عقبه: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحمد في مسنده (2/ 370).
ـ[206] رواه مسلم في صحيحه: كتاب الدعاء والذكر والاستغفار والتوبة: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع.
ـ[207] انظر فتح الباري (6/ 136).
ـ[208] إتحاف السادة المتقين (2/ 109).
ـ[209] المراد بالكون الحركة والسكون والاجتماع والافتراق.