هو العالم الجليل قدوة المحققين وعمدة المدققين صدر العلماء العاملين الإمام المحدث التقي الزاهد والفاضل العابد صاحب المواهب الجليلة الشيخ أبو عبد الرحمـٰن عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن جامع الشيبي([1]) العبدري([2]) القرشي نسبا الهرري([3]) موطنا المعروف بالحبشي.
ولد في مدينة هرر حوالي سنة 1330هـ – 1912ر، ونشأ في بيتٍ متواضع محبا للعلم ولأهله فحفظ القرءان الكريم استظهارا وترتيلا وإتقانا وهو قريب العاشرة من عمره في أحد كتاتيب باب السلام في هرر، وأقرأه والده كتاب «المقدمة الحضرمية في فقه السادة الشافعية»، وكتاب «المختصر الصغير فيما لا بد لكل مسلم من معرفته» وهو كتاب مشهور في بلاده وكلاهما للشيخ عبد الله بافضل الحضرمي الشافعي، ثم حبب إليه العلم فأخذ عن بعض علماء بلده وما جاورها، وعكف على الاغتراف من بحور العلم فحفظ عددا من المتون في مختلف العلوم الشرعية.
لم يكتف رضي الله عنه بعلماء بلدته وما جاورها؛ بل جال في أنحاء الحبشة ودخل أطراف الصومال مثل هرﮔـيسا لطلب العلم وسماعه من أهله وله في ذلك رحلات عديدة لاقى فيها المشاق والمصاعب، غير أنه كان لا يأبه لها؛ بل كلما سمع بعالم شد رحاله إليه ليستفيد منه، وهذه عادة السلف الصالح، وساعده ذكاؤه وحافظته العجيبة على التعمق في الفقه الشافعي وأصوله ومعرفة وجوه الخلاف فيه، وكذا الشأن في الفقه المالكي والحنفي والحنبلي، ثم أولى علم الحديث اهتمامه رواية ودراية فحفظ الكتب الستة وغيرها بأسانيدها وأجيز بالفتوى ورواية الحديث وهو دون الثامنة عشرة حتى صار يشار إليه بالأيدي والبنان ويقصد وتشد الرحال إليه من أقطار الحبشة والصومال حتى صار على الحقيقة مفتيا لبلده هرر وما جاورها.
ثم خرج من بلده إلى مكة بعد أن كثر تقتيل العلماء مرات عديدة ءاخرها سنة 1371هـ – 1951 فتعرف إلى عدد من علمائها كالشيخ العالم السيد علوي المالكي والشيخ السيد أمين الكتبي والشيخ محمد ياسين الفاداني والشيخ حسن مشاط وغيرهم وربطته بهم صداقة وطيدة، وحضر على الشيخ محمد العربي التبان، واتصل بالشيخ عبد الغفور العباسي المدني النقشبندي فأخذ منه الطريقة النقشبندية كما سيأتي.
ورحل بعدها إلى المدينة المنورة واتصل بعدد من علمائها منهم: الشيخ المحدث محمد بن علي الصديقي البكري الهندي الأصل ثم المدني الحنفي وأجازه، واجتمع بالشيخ المحدث إبراهيم الختني تلميذ المحدث عبد القادر شلبي الطرابلسي ثم المدني والشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي الهندي ثم المدني والشيخ المحدث محمد يوسف البنوري، وحصلت بينهم صداقة ومودة، ثم لازم مكتبة عارف حكمت والمكتبة المحمودية مطالعا منقبا بين الأسفار الخطية مغترفا من مناهلها فبقي في المدينة مجاورا مدة من الزمن.
ثم رحل إلى بيت المقدس في أواخر سنة 1371هـ – 1952ر مشيا على الأقدام ومنه إلى الخليل ثم توجه إلى دمشق، فاستقبله أهلها بالترحاب، لا سيما بعد وفاة محدثها الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله، ثم سكن في جامع القطاط في محلة القيمرية وأخذ صيته في الانتشار فتردد عليه مشايخ الشام وطلبتها وتعرف على علمائها واستفادوا منه وشهدوا له بالفضل وأقروا بعلمه واشتهر في الديار الشامية بـ«خليفة الشيخ بدر الدين الحسني» وبـ«محدث الديار الشامية»، ثم تنقل في بلاد الشام بين دمشق وبيروت وحمص وحماة وحلب وغيرها من المدن السورية واللبنانية إلى أن استقر ءاخرا في بيروت.
أخذ عن والده محمد بن يوسف كما تقدم، وعن كبير([4]) علي شريف علم التوحيد، وقرأ عليه القرءان الكريم تجويدا وترتيلا وحفظه وهو دون العاشرة، وعن العالم النحرير الشيخ الولي محمد ابن عبد السلام الهرري الفقه الشافعي والنحو، وقرأ على الشيخ محمد بن عمر جاع الهرري علم التوحيد والفقه والشافعي والنحو، وقرأ على الشيخ إبراهيم بن أبي الغيث الهرري كتاب «عمدة السالك وعدة الناسك» لأحمد بن النقيب الشافعي، وعلى الشيخ الصالح أحمد الضرير الملقب بالبصير في قريته كرو كتاب «الفواكه الجنية على متممة الآجرومية» للفاكهي وشرح التصريف العزي للتفتازاني وألفية ابن مالك و«الجوهر المكنون في الثلاثة متون» في البلاغة للأخضري، وكتاب «تلخيص المفتاح» في البلاغة للقزويني.
ارتحل إلى غرب الحبشة فقرأ في جمة على الشيخ بشرى ﮔـوراﮔـي علم العروض والقوافي، والشيخ عبد الرحمـٰن بن عبد الله الحبشي المعروف بالمصري جميع صحيح مسلم وسنن النسائي و«تدريب الراوي شرح تقريب النووي» للحافظ السيوطي وبعضا من صحيح ابن حبان والسنن الكبرى للبيهقي ومسند الإمام أحمد وسمع منه المسلسل بالأولية وغيره ثم أجازه بسائر مروياته.
وقرأ في ناحية جمة على الشيخ يونس ﮔـوراﮔـي «فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب» للشيخ زكريا الأنصاري.
وأخذ عن الشيخ العلامة النحوي اللغوي محمد شريف الجمي الشهير بشيخ شيرو في ناحية جمة في قرية شيرو شرح ملحة الإعراب وشرح ألفية ابن مالك لابن عقيل وشرح شافية ابن الحاجب في الصرف للأستراباذي وكتاب «فتح الجواد في شرح الإرشاد لابن المقري» لابن حجر الهيتمي وحضر عليه أيضا في التفسير.
وقرأ على الشيخ أحمد دﮔـو في ﭼـزين ناحية جمة «جمع الجوامع في أصول الفقه» للسبكي بشرح المحلي، وأدرك الشيخ إبراهيم القتباري في ءاخر عمره لما سكن جمه وقرأ عليه «تحفة الطلاب بشرح متن تحرير تنقيح اللباب» للشيخ زكريا الأنصاري.
واجتمع بالشيخ الفقيه الأديب الصوفي الزاهد عمر بن علي البلبليتي، الغلمسي فقرأ عليه في علم الميقات والفلك.
واجتمع بالشيخ الفقيه الأديب الصوفي الزاهد عمر بن علي البلبليتي، الغلمسي فقرأ عليه في علم الميقات والفلك.
ثم ارتحل إلى شمالي الحبشة مشيا على الأقدام فدخل رايه وهي تبعد عن هرر نحو ألف كيلومتر فقرأ على مفتي الحبشة الشيخ محمد سراج الجبرتي سنن أبي داود وابن ماجه وشرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر للحافظ ابن حجر العسقلاني وسمع منه المسلسل بالأولية وغيره ثم أجازه بسائر مروياته، ودخل قرية كدو مرتين فقرأ على الشيخ الصالح المقرئ المحدث أبي هدية الحاج كبير أحمد بن عبد الرحمـٰن إدريس الداوي الكدي الحسني شيخ القراء في المسجد الحرام بمكة – وكان يسميه أحمد عبد المطلب – صحيح البخاري وسنن الترمذي وأجازه وقرأ عليه نصف القرءان من طريق الشاطبية، ثم دخل أديس أبابا فقرا على الشيخ داود الجبرتي الهاشمي المقرئ شرح الجزرية لزكريا الأنصاري وقرأ عليه القرءان بقراءتي نافع المدني وأبي عمرو البصري وبرواية حفص عن عاصم، وقرأ عليه كتاب «الدرة المضية في القراءات الثلاث المتممة للعشر» لابن الجزري.
اجتمع في المدينة بالشيخ محمد علي أعظم حسين الصديقي البكري الهندي الأصل ثم المدني الحنفي فسمع منه المسلسل بالأولية وغيره من المسلسلات وقرأ عليه «الأربعون العجلونية» وأجازه، وحضر على الشيخ محمد العربي التبان المكي المالكي بعض الدروس في التفسير والحديث في المسجد الحرام عند باب الزيارة. وأجازه المسند الأصولي علم الدين أبو الفيض محمد ياسين الفاداني المكي بسائر مروياته.
ثم دخل دمشق فقرأ على الشيخ المقرئ محمود فايز الديرعطاني نزيل دمشق وجامع القراءات العشر أقل من ختمة برواية حفص على وجه قصر المنفصل في المدرسة الكاملية بدمشق، وأجازه الشيخ محمد الباقر بن محمد بن عبد الكبير الكتاني نزيل دمشق وقتها بسائر مروياته، وقرأ على الشيخ محمد العربي العزوزي الفاسي نزيل بيروت الموطأ وسمع من لفظه الأربعين العجلونية وبعضا من مسند أحمد والمسلسل بالأولية وأجازه، وتردد على الشيخ محمد توفيق الهبري البيروتي وسمع من لفظه بعضا من الأربعين العجلونية وأجازه بها.
شرع رضي الله عنه يلقي الدروس مبكرا على الطلاب الذين ربما كانوا أكبر منه سنا فجمع بين التعلم والتعليم في ءان واحد، وانفرد في أرجاء الحبشة والصومال بتفوقه على أقرانه في معرفة تراجم رجال الحديث وطبقاتهم وحفظ المتون والتبحر في علوم السنة واللغة والتفسير والفرائض وغير ذلك، حتى إنه لم يترك علما من العلوم الإسلامية المعروفة إلا درسه وله فيه باع، وربما تكلم في علم فيظن سامعه أنه اقتصر عليه في الإحكام وكذا سائر العلوم على أنه إذا حدث بما يعرف أنصت إنصات المستفيد، فهو كما قال الشاعر: [الكامل]:
وتراه يصغي للحديث بسمعه | وبقلبه ولعله أدرى به |
أثنى عليه العديد من علماء وفقهاء الشام منهم: الشيخ علاء الدين وأخوه عز الدين الخزنوي الشافعيان النقشبنديان من الجزيرة شمالي سوريا، والشيخ عبد الرزاق الحلبي إمام ومدير المسجد الأموي بدمشق، والشيخ أبو سليمان سهيل الزبيبي، والشيخ ملا رمضان البوطي، والشيخ أبو اليسر عابدين مفتي سوريا، والشيخ عبد الكريم الرفاعي، والشيخ سعيد طناطرة الدمشقي، والشيخ أحمد الحصري شيخ معرة النعمان ومدير معهدها الشرعي، والشيخ عبد الله سراج الحلبي، والشيخ محمد مراد الحلبي، والشيخ عبد العزيز عيون السود شيخ قراء حمص، والشيخ عبد السلام أبو السعود الحمصي، والشيخ فايز الديرعطاني نزيل دمشق وجامع القراءات السبع فيها، والشيخ عبد الوهاب دبس وزيت الدمشقي والدكتور أحمد الحلواني شيخ القراء في سوريا، والشيخ أحمد الحارون الدمشقي الولي الصالح، والشيخ طاهر الكيالي الحمصي، والشيخ صلاح كيوان الدمشقي، والشيخ عباس، والشيخ حمدي الجويجاتي الدمشقيان ومفتي محافظة إدلب الشيخ محمد ثابت الكيالي ومفتي الرقة الشيخ محمد السيد أحمد، والشيخ هاشم المجذوب الدمشقي، والشيخ الفرضي أبو عمر القصيباني العاتكي الدمشقي الشافعي والشيخ نوح القضاة من الأردن وغيرهم خلق كثير.
وكذلك أثنى عليه الشيخ عثمان سراج الدين سليل الشيخ علاء الدين شيخ النقشبندية في وقته وقد حصلت بينهما مراسلات علمية وأخوية، والشيخ عبد الكريم محمد البياري المدرس في جامع الكيلانية ببغداد والشيخ محمد زاهد الإسلامبولي، والشيخ محمود أفندي الحنفي من مشاهير مشايخ الأتراك العاملين الآن بتلك الديار والشيخان عبد الله وعبد العزيز الغماري محدثا الديار المغربية والشيخ محمد ياسين الفاداني المكي شيخ الحديث والإسناد بدار العلوم الدينية بمكة المكرمة، والشيخ محمود طاش مفتي إزمير، والشيخ المحدث حبيب الرحمـٰن الأعظمي، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي الهنديان والمحدث إبراهيم الختني وغيرهم خلق كثير.
أخذ الإجازة بالطريقة الرفاعية من الشيخ محمد علي الحريري الدمشقي، والخلافة من الشيخ عبد الرحمـٰن السبسبي الحموي والشيخ طاهر الكيالي الحمصي، والإجازة بالطريقة القادرية من الشيخ الطيب الدمشقي والشيخ الزاهد عمر بنعلي البلبليتي، والخلافة من الشيخ أحمد البدوي السوداني الـمكاشفي، والشيخ أحمد العربيني، والشيخ الـمعمر علي مرتضى الديروي الباكستاني، وأخذ الطريقة الشاذلية من الشيخ أحمد البصير، والنقشبندية من الشيخ عبد الغفور العباسي المدني النقشبندي والخلافة فيها من الشيخ الـمعمر علي مرتضى الديروي الباكستاني رحمهم الله تعالى، كما أخذ الخلافة بالطريقة الـﭽـشتية والسهروردية من الأخير.
دخل أول مرة بيروت حوالي سنة 1372 هـ – 1952ر، فاستضافه كبار مشايخها أمثال الشيخ القاضي محيي الدين العجوز، والشيخ المستشار محمد الشريف، واجتمع في بيته بمفتي عكار الشيخ بهاء الدين الكيلاني وسأل الشيخ في علم الحديث واستفاد منه، واجتمع أيضا بالشيخ عبد الوهاب البثوتاري إمام جامع البسطا الفوقا والشيخ أحمد إسكندراني إمام ومؤذن جامع برج أبي حيدر، وبالشيخ توفيق الهبري وعنده كان يجتمع بأعيان بيروت، وبالشيخ عبد الرحمـٰن المجذوب، واستفادوا منه، وبالشيخ مختار العلايلي رحمه الله أمين الفتوى السابق الذي أقر بفضله وسعة علمه وهيأ له الإقامة على كفالة دار الفتوى في بيروت ليتنقل بين مساجدها مقيما الحلقات العلمية وذلك بإذن خطي منه.
وفي سنة 1389هـ –1969ر وبطلب من مدير الأزهر في لبنان ءانذاك ألقى محاضرة في التوحيد في طلاب الأزهر.
شغله إصلاح عقائد الناس ومحاربة أهل الإلحاد وقمع فتن أهل البدع والأهواء عن التفرغ للتأليف والتصنيف، ورغم ذلك أعد ءاثارا ومؤلفات قيمة كثيرة نذكر منها:
وقد كان شرع في جمع رسالة في:
هذا ما كان من مؤلفاته، أما ما أملاه من الدروس والرسائل في العقائد والفقه والحديث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك فكثير جدا.
الشيخ عبد الله الهرري شديد الورع، متواضع، صاحب عبادة، كثير الذكر، يشتغل بالعلم والذكر معا، زاهد طيب السريرة، شفوق على الفقراء والمساكين، كثير البر والإحسان، لا تكاد تجد له لحظة إلا وهو يشغلها بقراءة أو ذكر أو تدريس أو وعظ وإرشاد، عارف بالله، متمسك بالكتاب والسنة، حاضر الذهن قوي الحجة ساطع الدليل، حكيم يضع الأمور في مواضعها، شديد النكير على من خالف الشرع، ذو همة عالية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم حتى هابه أهل البدع والضلال وحسدوه، ورموه بالأكاذيب والافتراءات بقصد تنفير الناس منه لكن الله يدافع عن الذين ءامنوا.
اشتد عليه المرض فألزمه البيت بضعة أشهر حتى توفاه الله تعالى فجر يوم الثلاثاء في الثاني من شهر رمضان سنة 1429هـ الموافق الثاني من شهر أيلول سنة 2008ر.
وهذا ما كان من خلاصة ترجمته الجليلة، ولو أردنا بسطها لكلت الأقلام عنها وضاقت الصحف ولكن فيما ذكرناه كفاية يستدل بها كما يستدل بالعنوان على ما هو في طي الكتاب.
[1])) بنو شيبة بطن من عبد الدار من قريش وهم حجبة الكعبة إلى الآن، انتهت إليهم من قبل جدهم عبد الدار حيث ابتاع أبوه قصي مفاتيح الكعبة من أبي غبشان الخزاعي، وقد جعلها النبي r في عقبهم. (انظر: سبائك الذهب ص68).
[2])) بنو عبد الدار بطن من قصي بن كلاب جد النبي r الرابع. انظر: (سبائك الذهب ص68)
[3])) تقع مدينة هرر في شرق إفريقيا ضمن جمهورية أثيوبيا.
[4])) معناها في بلاد الحبشة «الشيخ العالم».
[5])) تنبيه مهم: في ءاخر حياة شيخنا رضي الله عنه أرسل إلى هرر طالبا من بعض أحبابه ليحذف بيتين من هذه المنظومة أحدهما مدح تفسير ابن كثير وذكر أن السبب في ذلك أنه اطلع بعد ذلك بمدة على تجسيم في التفسير المذكور.