السبت فبراير 14, 2026

من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم (الجزء الثالث)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من أنبيائه، الصلاة والسلام عليك سيدي يا رسول الله يا علم الهدى أنت طب القلوب ودواؤها وعافية الأبدان وشفاؤها ونور الأبصار وضياؤها صلوات الله وسلامه عليك وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم. واعلموا أن الله تعالى يقول في القرءان الكريم بعد ذكر عدد من الأنبياء ﴿وكلا فضلنا على العالمين﴾.

إخوة الإيمان لقد بعث الله تبارك وتعالى الأنبياء وجعلهم أفضل خلقه وأيدهم بالمعجزات الباهرات لتكون دليلا على صدقهم فيما جاءوا به.

وكنا حدثناكم عن بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم وعن معجزة الإسراء والمعراج، والمسلم المحمدي يزداد تعلقا بمحمد كلما سمع بمعجزة حصلت لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فهو القائل عليه الصلاة والسلام «لا يشبع مؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة».

روى الإمام أحمد والبيهقي بإسناد صحيح من حديث يعلى بن مرة الثقفي قال بينما نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر بنا بعير يسنى عليه فلما رءاه البعير جرجر فوضع جرانه فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال «أين صاحب هذا البعير؟» فجاءه فقال بعنيه، فقال بل نهبه لك يا رسول الله وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال النبي، «أما ما ذكرت من أمره فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه».

وروى مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال «قال أبو طلحة لأم سليم لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شىء فقالت نعم فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخذت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي – أي يد أنس – وردتني ببعضه – أي جعلت بعضه كالرداء له – ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلك أبو طلحة قال – أي أنس – فقلت نعم قال للطعام فقلت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه قوموا قال – أنس – فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم فقالت بلسان اليقين الله ورسوله أعلم قال فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه حتى دخلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلمي يا أم سليم ما عندك فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت وعصرت عليه أم سليم عكة لها فآدمته ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول – أي دعا فيها بالبركة – ثم قال ائذن لعشرة بالدخول فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة حتى أكل القوم كلهم وشبعوا والقوم سبعون رجلا أو ثمانون رجلا».

إخوة الإيمان إن أعظم معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم معجزة القرءان الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد وصفه ربنا تبارك وتعالى بقوله ﴿وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ فالقرءان الكريم أنزل على وصف مباين لأوصاف كلام البشر نظمه ليس نظم الرسائل ولا نظم الخطب ولا نظم الأشعار ولا هو كأسجاع الكهان مع ما فيه من التئام الكلمات والإيجاز في مقام الإيجاز والفصاحة والبلاغة وحسن النظم وغرابة الأسلوب ما حير عقول العرب الفصحاء حتى أقروا بأنه ليس بقول البشر فقد روى البيهقي في دلائل النبوة أن الوليد بن المغيرة وهو من رءوس الكفر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له اقرأ علي، فقرأ عليه ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ قال أعد فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما يقول هذا بشر فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال له يا عم كأنك تتقرب من محمد تريد منه المال فإن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه قال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له أو أنك كاره له قال وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيدته مني ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلوا وما يعلى وأنه ليحطم ما تحته «ثم قال إنه ساحر».

وقد أعلم الله نبيه أن أحدا لا يستطيع أن يأتي بمثله وأمره أن يتحدى به قومه على الإتيان بمثله بل بمثل أقصر سورة منه قال عز من قائل ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ وقال تعالى ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ فلم يقدر أحد منهم على أن يعارضه بالمثل أو حتى بمثل أقصر سورة من سور القرءان مع تميزهم الكبير بالفصاحة والبلاغة ومع حرص المشركين على معارضة الرسول وتكذيبه. وعجزهم عن ذلك ثابت متواتر ولذلك عدلوا إلى القتال والمخاطرة بأموالهم وأولادهم وأنفسهم ولو كان ذلك في استطاعتهم لما لجأوا إلى القتال لما في ذلك من السلامة لأنفسهم وأموالهم وهذا التحدي باق إلى اليوم.

زد على كل ما تقدم ما حواه القرءان الكريم من أخبار الأولين والأنباء عن الغيب مما لا يتصور علمه به إلا من طريق الوحي فقد أخبر عن أمور كثيرة تحقق حصولها بعد كقوله تعالى في سورة الفتح ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا﴾ فحصل ذلك ودخل المسلمون المسجد الحرام عن قريب ءامنين محلقين رؤوسهم ومقصرين وكقوله تعالى ﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ فغلب الروم الفرس في بضع سنين بعد أن كانوا مغلوبين. وغير ذلك من الأخبار مما علم واشتهر.

وقد تحدى القرءان اليهود أن يتمنوا الموت فلم يقع منهم ذلك ولا أقدم أحد منهم على فعله مع شدة عداوتهم وحرصهم على الصد عن الدين فكان في ذلك أوضح معجزة قال تعالى في سورة الجمعة عن اليهود ﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين﴾ فصلى الله على النبي الأمي الذي نزل عليه القرءان المعجزة الباقية على ممر السنين والذي جعله ربه أفضل النبيين وجعلنا بسبب ذلك أفضل الأمم ورزقنا الاهتداء بهديه والاقتداء به إنه سميع مجيب.

هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه النبيين والمرسلين. ورضي الله عن أمهات المؤمنين وءال البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم فاتقوه.

واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم فقال ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد، يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ اللهم إنا دعوناك فاستجب لنا دعاءنا فاغفر اللهم لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين اللهم استر عوراتنا وءامن روعاتنا واكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف. عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يثبكم واشكروه يزدكم، واستغفروه يغفر لكم واتقوه يجعل لكم من أمركم مخرجا، وأقم الصلاة.