الخميس يناير 29, 2026

من استعمالات الأئمة «الكيف» بمعنى الجسمية والتشخص

استعمل كبار علماء الأصول كلمة «الكيف» بالمعنى اللغوي الموضوع له أصلا، وعرفوه بالجسمية والتشخص، ومما يدل على ذلك ما رواه البيهقي([1]) وغيره: «عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي([2]) قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر([3]): يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ: «ينزل ربنا كل ليلة» كيف ينزل؟ قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف إنما ينزل بلا كيف» اهـ. وأراد بذلك تنزيه الله عن الكيف الذي هو النزول الحسي الذي يتصور في الأجسام والمتحيزات، أما النزول الوارد في هذا الحديث فمعناه أن الله يحدث كل ليلة ما شاء وهو ما جاء مفسرا في بعض الروايات بنزول الـملك.

ومن ذلك ما قاله البغوي([4]): «والـمنكر معطل والـمكيف مشبه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى)» اهـ.

ومن ذلك ما قاله القاضي عياض([5]): «ويا ليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كلهم على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا، وسكتوا لحيرة العقل، واتفقوا على تحريم التكييف والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم وإمساكهم غير شاك في الوجود والموجود، وغير قادح في التوحيد، بل هو حقيقته» اهـ. فترك التفكر في ذات الله من جملة التوحيد، إذ نحن مأمورون بالتفكر في مخلوقات الله لا في ذات الله، ذلك أن التفكر في ذاته سبحانه يوصل إلى التشبيه والتجسيم لله عز وجل.

ومن ذلك ما قاله الحافظ ابن عساكر([6]): «وكذلك قالت الحشوية والمشبهة: إن الله سبحانه وتعالى يرى مكيفا محدودا كسائر المرئيات، وقالت المعتزلة والجهمية والنجارية: إنه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال، فسلك ـ أي الأشعري ـ رضي الله عنه طريقة بينهما فقال: يرى من غير حلول ولا حدود ولا تكييف، كما يرانا هو سبحانه وتعالى وهو غير محدود([7]) ولا مكيف، فكذلك نراه وهو غير محدود ولا مكيف» اهـ.

ومن ذلك أيضا قول الإمام الخطابي([8]) في باب الرد على الجهمية والمعتزلة عن حديث الأطيط، وهو من الأحاديث المتشابهة التي لا تؤخذ على ظاهرها بل تؤول فقد قال: «قال أبو داود: حدثنا عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرباطي قالوا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس وضاع العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك! قال رسول الله ﷺ: «ويحك، أتدري ما تقول؟» وسبح رسول الله ﷺ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: «ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك، أتدري ما الله؟ إن عرشه على سمواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب». قال الشيخ: هذا الكلام إذا جرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وصفاته منفية، فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلاله سبحانه، وإنما قصد به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه إذ كان أعرابيا جلفا([9]) لا علم له بمعاني ما دق من الكلام وبما لطف منه عن درك الأفهام، وفي الكلام حذف وإضمار فمعنى قوله: «أتدري ما الله؟» معناه أتدري ما عظمة الله وجلاله؟ وقوله: «إنه ليئط به» معناه أنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلوما أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه ولعجزه عن احتماله، فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه، ليعلم أن الموصوف بعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعا إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله عن أن يكون مشبها بشىء أو مكيفا بصورة خلق أو مدركا بحد، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى). وذكر البخاري هذا الحديث في التاريخ من رواية جبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، ولم يدخله في الجامع الصحيح» اهـ.

وقال الخطابي أيضا: «وليس قولنا: إن الله على العرش أي مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته، بل هو خبر جاء به التوقيف، فقلنا به ونفينا عنه التكييف ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى) وبالله التوفيق» اهـ. نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني([10]).

ومن ذلك ما قاله الحافظ ابن حجر([11]) في شرحه لحديث النزول: «ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال، منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين([12]) والحمادين([13]) والأوزاعي([14]) والليث([15])وغيرهم» اهـ.

ومن ذلك ما رواه الدارقطني([16]): «عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: أمضها بلا كيف» اهـ.

ومما ينبغي التنبيه عليه أنه قد ورد استعمال «الكيفية» بمعنى الحقيقة كما ذكرها بعض الأئمة، لأنها وردت في اللغة بمعنى الحقيقة، قال الشاعر: [البسيط]

فكيف كيفية الجبار في القدم

 

كيفية المرء ليس المرء يدركها

فالكيفية هنا تعني الحقيقة بلا أدنى شك لأن المرء لا يعرف كيفية نفسه، فالمراد هنا حقيقته كما هو واضح. فحيث وردت عبارة: «والكيف مجهول» في بعض المؤلفات المنسوبة إلى بعض المشاهير فإنما تحمل -إن سلمنا ثبوتها- على الحقيقة لا التجسيم، وإن كان لا يصح استعمال هذه العبارة لأن ظاهرها موهم، وهو وهم مدفوع بالدليل الشرعي الصحيح من الكتاب والسنة وإجماع أهل الحق على نفي الشكل والحد والجسم عن الله الذي ليس كمثله شىء.

فلا وجه معتبر لمن حمل هذه اللفظة على التشبيه أي وصف استواء الله بكيفية ثم جعلها بمعنى التحيز أو الجلوس لمخالفته الكتاب والسنة، ولا عبرة بما يتمسك به من مجرد نقل رواية لا تثبت عن أئمة العلم.

وقد قال رسول الله ﷺ: «لا فكرة في الرب» رواه السيوطي في تفسيره([17]). فمعرفة الله تعالى لا تطلب بالوهم، لأن الإنسان وهمه يدور حول ما ألفه من الشىء المحسوس الذي له حد وشكل وهيئة، ومن ثم لم يكن محور الاعتقاد على الوهم بل على ما يقتضيه العقل الصحيح السليم الذي هو شاهد الشرع، فيفهم من هذا أن الله لا يجوز تصوره بكيفية أو شكل أو مقدار أو مساحة أو لون أو كل ما هو من صفات الخلق، لأن الله تبارك وتعالى لا يجوز أن يقاس بالمخلوقات، لأنه  -كما أخبر سبحانه عن نفسه- لا تدركه الأبصار {103} (الأنعام) أي لا تحيط به الأوهام والأفكار، وعن أبي العالية، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: وأن إلى ربك المنتهى {42}  (النجم) قال([18]): «لا فكرة في الرب»، قال أبي رضي الله عنه([19]): «إليه ينتهي فكر من تفكر فلا تصل إليه أفكار العباد»، كذا قال التابعي المشهور ابن أبي نعم([20]) في تفسير هذه الآية: «إليه ينتهي فكر من تفكر» اهـ.

ويروى أن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال([21]): [البسيط]

العجز عن درك الإدراك إدراك

 

والبحث عن ذاته كفر وإشراك

المعنى أن الإنسان إذا اعتقد أن الله تعالى موجود بلا مكان ولا كيفية،  وأنه موجود لا يشبه الموجودات، ولم يتصور في حقه مكانا ولا هيئة ولا كيفية، ولم يبحث عن ذات الله، فهذا يقال فيه: إنه عرف الله.

أما الذي لا يكتفي بذلك ويريد أن يتصور الله فهذا يكفر بالله تبارك وتعالى؛ لأن وهمه يذهب إلى أنه تعالى مثل الإنسان أو أنه كتلة نورانية أو يتصوره جسما قاعدا فوق العرش والعياذ بالله، وهذا الذي قال عنه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: «والبحث عن ذاته كفر وإشراك» اهـ.

[1] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص 452.

[2] ) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي، أبو يعقوب بن راهويه ت238هـ، عالم خراسان في عصره. من سكان مرو (قاعدة خراسان) وهو أحد كبار الحفاظ. طاف البلاد لجمع الحديث وأخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم. وكان إسحاق ثقة في الحديث، قال فيه الخطيب البغدادي: «اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد» اهـ. ورحل إلى العراق والحجاز والشام واليمن. وله تصانيف منها: «المسند». استوطن نيسابور وتوفي بها. الأعلام، الزركلي، 1/292.

[3] ) عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي بالولاء، أبو العباس ت230هـ، أمير خراسان، ومن أشهر الولاة في العصر العباسي. أصله من باذغيس بخراسان، وكان جده الأعلى زريق من موالي طلحة بن عبد الله المعروف بطلحة الطلحات، وولي عبد الله بن طاهر إمرة الشام مدة، ونقل إلى مصر سنة 211 هـ، فأقام سنة ونقل إلى الدينور. ثم ولاه المأمون خراسان، وظهرت كفاءته فكانت له طبرستان وكرمان وخراسان والري والسواد وما يتصل بتلك الأطراف. واستمر إلى أن توفي بنيسابور. الأعلام، الزركلي،4/93.

[4] ) نقله عنه صاحب تحفة الأحوذي، المباركفوري أبو العلا، 7/233.

[5] ) نقله عنه النووي في شرح مسلم، 5/25.

    القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي أبو الفضل، ت 544هـ، عالم المغرب، كان أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم، ولي قضاء سبتة، من تصانيفه: «الغنية» و«ترتيب المدارك وتقريب المسالك في معرفة أعلام مذهب الإمام مالك». الأعلام، الزركلي، 5/99.

[6] ) تبيين كذب المفتري، ابن عساكر، ص150.

[7] ) أي لا حجم له، ولا يجوز اعتقاد أن الله له حد غير متناه نحن لا نعرفه لأن الله منزه عن الحد كله.

[8] ) معالم السنن، الخطابي، 4/328.

[9] ) «العربي الجلف: الجافي الذي لم يتزي بزي الحضر في رقتهم ولين أخلاقهم» اهـ. المصباح المنير، الفيومي اللغوي، مادة ج ل ف، ص41.

[10] ) فتح الباري، ابن حجر، 13/413.

[11] ) فتح الباري، ابن حجر، 3/30.

[12] ) المقصود بهما: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، أما الأول فهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أمير المؤمنين في الحديث. له من الكتب: «الجامع الكبير» و«الجامع الصغير» كلاهما في الحديث. ت 116هـ. الأعلام، الزركلي، 3/104. وأما الثاني فهو سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي، محدث الحرم المكي، كان حافظا ثقة واسع العلم كبير القدر، قال الشافعي: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز» اهـ. له: «الجامع في الحديث»، و«كتاب في التفسير»، ت 198هـ. الأعلام، الزركلي، 3/105.

[13] ) أما حماد الأول فهو حماد بن سلمة بن دينار، ت 167هـ، سمع من ابن أبي مليكة وهو أكبر شيخ له، وثابت البناني وغيرهما، وسمع منه ابن جريج وابن المبارك وأبو نعيم وخلق كثير، قال عنه أحمد بن حنبل: «حماد بن سلمة عندنا من الثقات، ما نزداد فيه كل يوم إلا بصيرة» اهـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 14/6. وأما حماد الثاني فهو حماد بن زيد، ت 179هـ، العلامة الحافظ الثبت محدث سمع من أنس بن سيرين وعمرو بن دينار ومحمد بن واسع وغيرهم، قال عنه أحمد بن حنبل: «حماد بن زيد من أئمة المسلمين، من أهل الدين» اهـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 14/6، 15.

[14] ) عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، ت 157هـ، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، ولد في بعلبك، ونشأ في البقاع، وسكن بيروت وتوفي بها، وعرض عليه القضاء فامتنع. الأعلام، الزركلي، 3/320.

[15] ) الليث بن سعد، ت 175هـ، الإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية، سمع عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة ونافعا العمري وغيرهم كثير، وروى عنه خلق كثيرون منهم ابن عجلان شيخه وابن لهيعة وابن المبارك وآدم بن أبي إياس وغيرهم. الأعلام، الزركلي، 5/248.

[16] ) الصفات، الدارقطني، ص75.

    الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الحافظ المجود المقرئ من أهل محلة دار القطن ببغداد، ولد سنة 306هـ. من مصنفاته: «السنن والعلل». توفي سنة 385هـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 10/ 608، 612.

[17] ) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي، 14/49.

[18] ) تفسير البغوي، البغوي، تفسير الآية: وأن إلى ربك المنتهى {42} (النجم) ،  7/417. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 17/115. الدر المنثور، السيوطي، 7/662. كنز العمال، المتقي الهندي، 3/369.

[19] ) شرح الإرشاد، أبو القاسم الأنصاري، ص58، 59.

[20] ) الإمام الحجة القدوة الرباني أبو الحكم البجلي الكوفي، حدث عن المغيرة بن شعبة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وليس بالمكثر، روى عنه ابنه الحكم وعمارة بن القعقاع وفضيل بن غزوان وسعيد بن مسروق ويزيد بن مردانبة وفضيل بن مرزوق وطائفة. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 5/64.

[21] ) التبصير في الدين، الأسفراييني، ص160. غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، أحمد بن محمد الحنفي الحموي، 3/454.