السبت فبراير 28, 2026
      • مكانةُ حفَّاظ الحديث وفضلُ الإمام البُخاريّ

        ممّا يدلُّ على أمانةِ هؤلاءِ الحُفّاظ كالبُخاريّ والنَّسائيّ ومُسلم والتِّرمذيّ وأبو داوُد رضيَ اللهُ عنهموجزاهمُ اللهُ عنِ الإسلامِ خيرًا. الإمام النَّسائيّ كانَ لهُ شيخ منْ قضاة  بلادِهِ اسمُهُ الحارثُ بنُ مِسكين،راحَ لعندِه الإمام النَّسائي يريدُ أنْ يأخذَ منهُ الحديث، نظرَ إلى زيِّه ظنّهُ جاسوسًا مُرْسَل من السلطانليتجسّس عليه، قال لهُ لا تحضُر مجلِسي، إذا أنت موجود أنا لا أُحَدِّث، الإمامُ النّسائيّ لا يريدُ أنْ يَفوتَهُهذا العِلم، أظهرَ لهُ أنهُ خرجَ، تنَكّرَ بِزيّ آخر، جاءَ وجلسَ بمَكانٍ لا يراه، صارَ يسمعُ الحديث منْ هذاالشيخ. لمّا جاءَ ليَروي ما قالَ حدّثَنا الحارثُ بنُ مسكين لأنهُ يعرفُ أنَّ الحارثَ بنَ مسكين ما كانَ يقصُدُهُبالتحْديث، فكانَ يقولُ “قال الحارثُ بنُ مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع”، منْ شدّةِ أمانتهِ بالنّقلِ لأنهُ لا يريدُأنْ يقولَ “حدّثني” وهو يعرِفُ أنهُ ما قصَدَهُ بالتحديث. الذي يقولُ هذا الكلام يكونُ دقيقًا فيه، هذا لايكذِبُ على الرسولِ يا أحبابَنا، قد يقول بعضُهُم ما عرّفَني إنْ كانَ هذا يكذِبُ على الرسول!! هؤلاءيريدون الطعنَ بأئمّة الحديثِ الذين حفِظُ اللهُ بهمْ حديثَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. هذا يدلُّ على أنَّهؤلاءِ رجال عرَفوا عظَمَةَ هذا الدِّينِ ضَبَطُوهُ ونقَلوهُ كما عرَفوهُ. بلْ منَ العَجبِ العُجابِ والهمّةِ العظيمةِوالحافِظة القوية ما حصلَ لِسيِّدِنا البُخاريّ.

        الإمام البخاريّ هذا الثَّبْتُ الوليّ الإمام الحافظ الصالح هذا دخلَ بغداد، كانَ شُهِرَ عنهُ بالحديثِ، لمّادخلَ بغداد سمِعَ أصحابُ الحديثِ بدخولِهِ فاجْتَمَعوا وعَمَدوا إلى مائة حديث، أتَوا بمائة حديث قلبوامُتونَها وأسانيدَها، يعني جعلوا متن هذا لإسْنادِ هذا، وهذا إسنادُهُ غيّروا لهُ المتن، ودفَعوا إلى كلِّ واحدٍعشَرة أحاديث مَقلوبة المُتون والأسانيدِ لِيُلْقِيها على الإمامِ البخاريِّ في المجلس، وجمَعوا النّاس.

        فاجْتمعَ النّاس، وقامَ أحدُ الذين أخذوا هذه الأحاديث (يحفظ عشَرة)، فقالَ للبخاريِّ: أسألُكَ عنْ أولِحديث، ذكرَ لهُ المتن والإسناد، فقال له البخاريُّ: “لا أعرِفُهُ”. مَنْ عندَهُ فَهْمٌ بالحديثِ يقول البخاريّ حافِظ،البخاريّ يَفهم، البخاريّ إمام، أهلُ العلمِ يعرِفونَ ما يتكلّم به البخاريّ، أنْهى هذا الشخص العشرةأحاديث. الثاني أيضًا ويقول البخاري: “لا أعرِفهُ”، حتى أنْهوا المائة ولا يزيدُهُم البخاري عنْ قولِهِ “لاأعرِفهُ، لا أعرِفهُ، لا أعرِفه” بعدَما انْتَهَوا رجَعَ إلى الأولِ قالَ لهُ “أمّا حديثُكَ الأول فإسْنادُهُ كذا وكذا وكذاوكذا، الثاني كذا وكذا وكذا وكذا، فعلَ بالمائة كما فعلَ بالأولِ، ردَّ كلُّ متونِ الأحاديثِ إلى أسانيدِهاالصحيحة. ردَّ المائة، فلمّا رآهُ أهل العلمِ خضَعوا لهُ وقالوا هذا إمام.

        يقولُ الحافظُ ابنُ حجر عندَ روايتِهِ هذه القصة: “ليسَ العجب أنَّ البخاريّ لمّا كانوا يسألونَهُ عنِ الحديثِيقولُ لا أعرِفُهُ (لأنَّ الحديثَ بالطريقةِ التي ذكرُوها ليسَ صحيحًا) لأنَّ البخاري إمام وحافظ فيَسْهُلُ أنْيعرِفَ هذه الأمور، العجَب العُجاب أنَّه حفظ المائة حديث الخطأ مع الأسانيدِ المَقلوبةِ منْ أوّلِ مرّةوأرْجَعَها إلى أسانيدِها الصحيحة، هذا الذي تَعْجَب لهُ.

        لذلك كانَ إذا ذَكَرَهُ ابنُ صاعِدٍ ماذا يقول؟ البخاريّ “الكَبشُ النَّطَّاح”، يعني إمام مَرجِع رضيَ اللهُ عنهُفي الحديث، وهذا الذي عَناهُ أيضًا الحافظُ العراقيُّ بقولِهِ:

        ومنهُ قلبُ سنَدٍ لِمَتْنِ نحوُ امْتِحانِهِمْ إمامًا فنّي (يعني البخاري)

        في مائةٍ لمّا أتى بغدادَ فَرَدَّها وجوّدَ الإسنادَ.

        اللهُ حفِظَ هذا الدِّين بِحِفْظِ كلامِ نبيِّهِ بِحِفْظِ أمثالِ هؤلاء جزاهمُ اللهُ عنِ الإسلامِ والمسلمين خيرًا.