الإثنين مارس 9, 2026

مقدمة في بدء أمر داود، ومكانته بين بني إسرائيل وبيان قوة جهاده في سبيل الله

بعد وفاة هارون وموسى عليهما السلام تولى أمر بني إسرائيل نبي من أنبيائهم يدعى يوشع بن نون عليه السلام، فدخل بهم بلاد فلسطين التي كانوا قد وعدوا بها على لسان موسى عليه السلام في التوراة، وقام بأمره عليه الصلاة والسلام إلى وفاته، ولما توفي تولى أمرهم قضاة منهم وبقوا على ذلك مدة طويلة من الزمن، وفي هذه الفترة دب إلى بني إسرائيل الوهن والضعف وفشت فيهم المعاصي والمنكرات، ودخلت الوثنية وعبادة الأوثان والاصنام في صفوفهم فسلط الله تعالى عليهم الأمم القريبة منهم، فغزاهم العمالقة والآراميون والفلسطينيون وغيرهم، وكانوا إلى الخذلان أقرب منهم إلى النصر في كثير من حروبهم مع أعدائهم، وكان بنو إسرائيل قد قتلوا كثيرا من الأنبياء فسلط الله عليهم ملوكا جبارين يسفكون دماءهم وسلط عليهم الاعداء من غيرهم، وكانوا إذا قاتلوا أحدا من الأعداء يكون معهم “تابوت الميثاق” وفيه ألواح موسى وعصاه وهو ما أشارت إليه الآية الكرمة: {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} [سورة البقرة/٢٤٨].

 

وقد كان بنو إسرائيل ينصرون ببركته ولوجود التوراة بينهم منذ قديم الزمان وكان ذلك موروثا لخلفهم عن سلفهم، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال والفساد حتى إذا كانوا في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان غلبهم هؤلاء الأعداء على أخذ التابوت فانتزعوه من بين أيديهم وأخذت التوراة من أيديهم ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل، وفي هذه الحروب مات ملكهم الذي كان يقودهم كمدا وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راع، حتى هيأ الله تبارك وتعالى لهم غلاما يقال له “شمويل” نشأ فيهم وتولاه الله بعنايته وأنبته نباتا حسنا، ثم جعله الله نبيا وأوحى إليه وبعثه إلى بني إسرائيل، وأمره بالدعوة إلى دينه الإسلام وتوحيده تعالى وترك عبادة الأصنام، فلما دعا قومه بني إسرائيل إلى دين الله طلبوا منه أن يقيم عليهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم لأن ملكهم كان قد هلك وباد فيهم، فكان من أمرهم ما قص الله تعالى علينا في القرءان يقول الله تبارك وتعالى: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا} [سورة البقرة/٢٤٦] أي وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد، قال الله تعالى: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين} [سورة البقرة/٢٤٦] أي ما وفوا بما وعدوا بل نكلوا عن الجهاد إلا القليل منهم والله عليم بهم.

 

وأوحى الله تعالى إلى نبيه يقال إنه شمويل – والله أعلم- أن يجعل عليهم “طالوت” ملكا وكان رجلا من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم، فملكه الله تعالى عليهم لقوته الجسمية والعلمية، ولكن بني إسرائيل تمردوا على توليه الملك وقالوا لنبيهم: {قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} [سورة البقرة/٢٤٧] أي مع هذا هو فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء، فأجابهم نبيهم قائلا: {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم} [سورة البقرة/٢٤٧] أي اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم وهو مع هذا قد وهبه الله وزاده بالعلم والجسم، فهو أشد قوة وصبرا في الحرب ومعرفة بها، أي هو أتم علما وقوة في الجسم وقامة منكم.

 

وأصبح “طالوت” ملكا على بني إسرائيل وأيده الله تعالى على الملك بعودة التابوت الذي فيه ألواح موسى وعصاه إليهم وكان قد نزع منهم على يد أعدائهم وكان هذا علامة على بركة ملك “طالوت” عليهم، يقول تعالى: {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملآئكة} [سورة البقرة/٢٤٨].

 

واختار ملكهم “طالوت” الجنود الأقوياء الاشداء وخرج بهم لقتال عدوهم، وفي الطريق اشتد بهم الظمأ في رحلة برية طويلة وشاقة وكانوا ثمانين ألفا، ومروا في طريقهم بنهر قيل بين الأردن وفلسطين، فأراد ملكهم أن يختبرهم فأمرهم ألا يشربوا منه إلا من أخذ جرعة من الماء ليبل بها ظمأه، وكان ذلك اختبارا وامتحانا من “طالوت” لجنوده في قوة بأسهم وإرادتهم، قال الله تعالى: {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا} [سورة البقرة/٢٤٩].

 

ولم يبق مع طالوت عليه السلام إلا عدد قدر بثلاثمائة وبضعة عشر رجلا على عدد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه في غزوة “بدر الكبرى”، وتابع بهم ملكهم “طالوت” لقتال أعدائهم الكافرين المشركين، وأما بقية الجنود الثمانين ألفا فقد رجعوا حيث إن إرادتهم كانت ضعيفة خوارة، فلذلك لم يصحبهم طالوت معه لقتال خصومه المشركين والذين كان على رأسهم الملك “جالوت” الذي كان جبارا طاغيا يهابه الناس من بني إسرائيل.

 

ولما جاوز طالوت عليه السلام والمؤمنون الذين بقوا معه النهر استقل أصحابه هؤلاء أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم ولجبروت ملكهم إلا قليلا منهم ممن ثبت الله تعالى قلوبهم وقوى عزيمتهم، وكان فيهم العلماء العاملون، لذلك أخذوا يثبتون إخوانهم المؤمنين ويقوون عزائمهم ويذكرونهم بنصر الله وأن النصر من عند الله ينصر من يشاء من عباده، يقول الله تعالى إخبارا عن هذين الفريقين الذين جاوز بهم طالوت النهر لقتال الكافرين: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [سورة البقرة/٢٤٩].

 

ولما تقدم طالوت ومن معه من المؤمنين من بني إسرائيل إلى جالوت ومن معه من المشركين وتصافوا للقتال، طلب ملكهم جالوت قبل بدء المعركة المبارزة فتقدم إليه فتى شجاع يسمى داود وهو من سبط يهوذا بن يعقوب وكان هو وأبوه “إيش” في جيش طالوت.

 

فلما أقبل داود على جالوت احتقره جالوت وازدراه وقال له: “ارجع فإني أكره قتلك” فما كان من داود إلا أن قال له بكل شجاعة وجرأة: ولكني أحب قتلك، ثم حصلت مبارزة بين “جالوت” الطاغية وبين داود عليه السلام، فقتل داود جالوت شر قتلة ثم التحم القتال، وانهزم جيش جالوت من المشركين شر هزيمة، يقول الله تبارك وتعالى إخبارا عن ذلك: {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين* فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء} [سورة البقرة/٢٥٠-٢٥١].

 

وكان طالوت عليه السلام قد وعد داود إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه في أمره، فوفى له وعده. ثم ءال الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله تعالى من النبوة العظيمة والعلم الوافر، ومنذ ذلك الحين لمع اسم داود بين شعب بني إسرائيل وتتابعت الانتصارات على يديه، وأعز الله تعالى بني إسرائيل بعد أن كانوا في ذل وهوان، وكان بنو إسرائيل قد اجتمعوا بعد وفاة ملكهم طالوت على مبايعة داود عليه السلام على الملك فأصبح ملكهم وكان عمره لا يزيد على ثلاثين سنة وقد حكم شعبه بالعدل، وطبق عليهم أحكام شريعة التوراة.