معنى الوقوف بين يدي الله
ورد في الأثر الوقوفُ بين يدي الله ونحنُ نعلم أنَّ اللهَ ليس جسمًا ليس حجمًا وليس بينَهُ وبينَ شىءٍ منْ خلقِهِ مناسبة وليس بينَه وبينَ شىءٍ منْ خلقِهِ مقابلة، لأنّ المقابلة بين المخلوقين .
فما معنى هذه الكلمة التي تترددُ كثيرًا على ألسنةِ الناس وخطباء؟
الوقوفُ بين يدي الله معناه الوقوفُ للحساب، أي للسؤال. لأنّ مواقف يوم القيامة فيها موقف للسؤال.
ما معنى موقف للسؤال؟
يُزالُ الحجابُ المعنويُّ المانِعُ للخَلقِ عنْ سَماعِ كلامِ الله الذي هو شىءٌ موجودٌ أزلًا وأبدًا فيَسْمعونَ كلامَ الله.
حينَ يحصُلُ لهم ذلك هم حادثونَ وسَمْعُهُمْ حادثٌ أمّا مسْموعُهُمْ فليسَ بِحادثٍ وهو كلامُ الله. لأّنَّ صفاتِ اللهِ أزلية أبديّة ليست كصِفاتِ الخَلقِ، فلمّا يحصُلُ لهم ذلك يفهَمونَ السؤالَ عنْ أقوالِهمْ وأعمالِهِمْ ونيّاتِهِمْ.
لِمَ فعلتَ كذا ألَمْ أُرْوِكَ منَ الماءِ البارد ألَمْ أُصِحَّ بدَنَك؟ يفهمونَ نحوَ هذا، ليس معناه أنَّ اللهَ يتكلّم كما نحنُ نتكلّم.
قلنا بما أنَّ كلامَ اللهِ ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغة لا يُقال عنِ اللهِ ناطق، يقالُ عنِ اللهِ متكلِّمٌ.
الناطق هو الإنسان الملَك ناطق لأنهُ يتكلم بحرف وصوت ولغة الجنُّ ناطقونَ يتكلمونَ بحرفٍ وصوتٍ ولغة.
وهذا معنى قولِ العلماء ” كلامُ اللهِ واحد” أي ليس شيئًا مرَكَّبًا ليس شيئًا مُتَجَزِّئًا.
أما كلامُنا مرَكَّب من حروف وأصوات. نحنُ إذا قلنا بسم اللهِ الرحمن الرحيم مُركَّب باء سين ميم، فيه تعاقب ننْطِقُ بالباءِ تنقضي ثم السين تنقضي ثم الميم تنقضي، كلامُ اللهِ ليس ككلامِ الخَلقِ.
فإذا واحد قال لكم لا أستطيع تصوّر هذا الموضوع يُقالُ له صفاتُ اللهِ لا نتصوَّرُها نحنُ لا نُحيطُ علمًا بذاتِ الله ولا بصفاتِ الله.
صفةُ الله الكلام لا تُتَصوَّرُ في النفس كما أنَّ ذاتَ اللهِ لا يُتصَوَّرُ في النفسِ لأَّنَّ المُتَصوَّرَ مخلوقٌ حادثٌ نحنُ نتصوَّرُ المخلوق، فكما أنّنا لا نتصوَّرُ ذاتَ الله كذلك لا نتصوَّرُ كلامَ الله.
قلْ لهُ أيضًا أنا لا أطلبُ منك أنْ تتصوَّر أنا أُعلِّمُكَ حتى تعتقدَ الصواب ليس حتى تتصوّر. المخلوقُ مُتَصَوَّر أمّا اللهُ ليس شيئًا مُتصَوَّرًا ليس شيئًا مُتَمَثَّلًا في القلبِ.
نحنُ لما نقولُ كلامُ اللهِ صفةُ ذاتِهِ ليس بحرفٍ ولا صوتٍ لأنَّ الحروفَ مخلوقة وليس بصوتٍ لأنَّ الأصوات حادثة وتكون من انسِلالِ الهواءِ واصتِكاكِ الأجرامِ، وليس بلغة لأنَّ اللغات ليست أزلية وكلامُ اللهِ الذي هو صفةُ ذاتِه أزليّ.
اللغات لم تكنْ في الأزلِ. في الأزلِ لمْ يكنْ إلا الله.
ودائمًأ نُكرِّرُ حديثَ البخاري والحاكم وابنِ الجارودِ الذي في أوَّلِهِ قال الرسول كان اللهُ ولمْ يكنْ شىءٌ غيرُهُ . احفطوه حتى إذا واحد قالَ لكم أنا ما كنتُ أسمع كلمةَ اللهُ موجودٌ بلا مكان أنتم تقولون الله موجود بلا مكان من أينَ جاءَ هذا؟
تقولونَ له قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كان الله ولم يكنْ شىءٌ غيرُه. معناه كان اللهُ في الأزلِ بلا جهة ولا مكان. في الأزلِ ما كان يوجَد مكان، المكان غيرُ الله، الجهات غيرُ الله.
والرسولُ يقول كانَ اللهُ ولمْ يكن شىءٌ غيرُهُ.
يعني لمْ يكنْ إلا هو لا ظلام ولا نور ولا جهات ولا أماكن فهو موجودٌ بلا مكان، هذا الذي يُقال.
هذه العبارة أُخِذَتْ منْ الحديثِ الصحيحِ وأُخِذَتْ منَ الآية {ليس كمِثلِهِ شىء}.
لو كان لهُ مكان لو كان له جهة لكان لهُ أمثالٌ لا تُحصَى، واللهُ يقولُ {ليس كمثلِهِ شىء}.
ولو كان لهُ مكان، جهة، لكان حجمًا والحجمُ يحتاجُ لِمَنْ جعلَهُ على ما هو عليه بدَلَ سواه ممّا يجوزُ في حقِّهِ عقلًا ممّا هو أكبرُ أو أصغر ممّا هو عليه، هذا الحجم كيف صارَ على ما هو عليه؟ بمشيئةِ اللهِ بتخْصيصِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى.
فاللهُ لا يجوزُ أنْ يكونَ حجمًا، اللهُ ليس حجمًا كبيرًا وليس حجمًا صغيرًا وليس حجمًا وسَطًا بين الكبيرِ والصغير.
مَنْ وفّقَهُ اللهُ لِلفَهْمِ الصحيح وفهِمَ هذا يفهَمُ أنَّ اللهَ موجودٌ بلا جهة ولا مكان. مَنْ لمْ يفْهَمْ هذا لم يعلمْ هذا لمْ يعتقدْ هذا لا يقْبَل عادةً أنْ تقولَ اللهُ موجودٌ بلا جهةٍ ولا مكان لأنهُ إذا اعتقدَ أنَّ اللهَ حجم وأنَّ اللهَ يُقاس على المخلوقات سيقول لا أنا هنا والملائكةُ في السماءِ وأينَ هو؟ – عن الله سبحانَهُ وتعالى –
فيُقالُ له أنتَ قِسْتَ الخالق على المخلوق وقِياسُ الخالقِ على المخلوقِ كفر، قياسٌ شيطانيٌّ والعياذُ بالله، هذا الذي يُوقِعُهمْ في هذا.
يقولُ أنا هنا والجنُّ هنا يسكنونَ بين الأرضِ والسماءِ والملائكة أكثرُهمْ في الجهةِ الفَوْقانيّةِ فيقول والعياذُ باللهِ أينَ الله؟
يريدُ أنْ يَقيسَ اللهَ على المخلوقاتِ ومَنْ قاسَ اللهَ على الخلقِ كفر.
مثل واحد ملحد يقول إذا أنا عندي ثلاثة أولاد لا أقدر قطعَ رأس اثنان منهم فيقول كيف رب العالمين شاءَ لبعضِ الناس أنْ يكونوا عصاة وكافرين ثمّ يُعَذِّبُهُمْ على كفرِهمِ وعلى معاصيهِمْ؟
يقيسُ اللهَ على نفسِه، أنت نهاكَ اللهُ عنْ قتلِ أولادِك، نهاكَ اللهُ عنْ قتلِ المسلمِ بلا حقٍّ وعنْ قتلِ أولادِك، أنتَ مأمورٌ مَنْهِيٌّ أما اللهُ لا أحدَ يأمرُهُ ولا أحدَ يَنْهاه لا يتَوَجّهُ عليه أمرٌ منْ أحد، ليس عليه مَحْكوميةٌ لأحد. لا تقِسْ ربَّكَ على نفسِكَ.
نذكرُ القصةَ التي ذكرْناها كثيرًا سابقا أنَّ إبراهيمَ عليه السلام أوْحى اللهُ إليه أنْ يذبَحَ ولَدَهُ إسماعيل. فلمّا توَجَّهُ لذلك – لذبْحِ ولدِهِ – كان طائعًا لربِّه. توجّهُ لذبحِ ولدِهِ إسماعيل بوَحيٍ منَ الله فكانَ بذلك طائعًا لله.
الآن أيُّ واحدٍ منّا إنْ توجَّهُ لذَبْحِ ولدِهِ ماذا يكونُ؟ عاصيًا لأنَّ اللهَ نهانا عن ذلك. اللهُ لهُ أنْ يُحِلَّ ما يشاء ولهُ أنْ يُحَرِّمَ ما يشاء لا يُعْترَضُ عليه.
بنو إسرائيل الذين كفروا بعدَ ذهابِ موسى لِميقاتِ ربِّهِ وعبدوا العجل، لمّا رجَعَ موسى عليه السلام أوْحى اللهُ إليه أنْ يأمُرَهُمْ بالرجوعِ إلى الإسلامِ بالنطقِ بالشهادتين أشهدُ لا إله إلا الله وأنَّ موسى رسولُ الله وبأنْ يقتلوا أنفُسَهُمْ لِتمامِ توْبتِهم.
لآن أيُّ معصية الواحد إذا عمِلَها وأرادَ أنْ يتوبَ منها هل فيها أنْ يقتلَ نفسَهُ؟ لا. كانَ فعلُهُمْ طاعةً أنْ يقتلوا أنفسَهمْ بعدَ التشهدِ للدخولِ في الإسلام.
الآن إذا واحد منّا قتلَ نفسَهُ يكونُ مُنْتَحِرًا عليه معصية كبيرة. وهذا شىءٌ موجود في القرآن قصة إبراهيم وإسماعيل وقصة هؤلاء القومِ مِنْ بني إسرائيل الذين خالفوا موسى عليه السلام.
اذا يقول الشخص؟ يقولُ أُسَلِّمُ لله هكذا المؤمن يقول سلَّمْتُ لله. أليسَ قلنا الإنسانُ يستطيعُ العيشَ بلا ضررٍ دونَ أنْ يأكلَ اللحم؟
أحلَّ اللهُ لبَني آدم أنْ يذبحوا البهائم كالبقرة والغنم والدجاج ونحو ذلك ليَسْتَمْتِعوا بأكلِهِ ويُؤْلِمونَها حينَ يذبَحونَها، أليسَ تتألّم؟ بلى.
ومع ذلك حلالٌ لِبَني آدمَ أنْ يفعلوا ذلك، ماذا نقول؟ اللهُ سبحانهُ وتعالى يُحِلُّ لنا ما شاء لا نَعْتَرضُ عليه فليس لقائلٍ أنْ يقولَ كيفَ نذبحُ البهيمةَ لنَأكُلَها ونسْتَمْتِعَ بأكلِها ونستطيعُ العيشَ سالمينَ بلا ضررٍ دونَ أنْ نأكلَ لحمَها؟
ليس له أنْ يقولَ ذلك، اللهُ يُحِلُّ ما يشاء ويُحَرِّمُ ما يشاء.
ينبغي شرحُ هذا للصغار حتى ينشأوا على هذه العقيدة الصحيحة، حنى إذا ما كبِروا لا يطلعُ منهم كلمة فيها اعتراض على الله كقولِ بعضِ الناسِ اليوم شو دخلو هذا اليهودي الذي وُلِدَ منْ أبويْنِ يهودييْنِ وطلَع يهودي أباه وأمّه علّماهُ اليهودية أو المَجوسية مثلا أو غير ذلك منَ الكفر.