الأحد يناير 25, 2026

معنى القدر والإيمان به

   (قال بعض العلماء القدر هو تدبير الأشياء) أى إيجاد الله الأشياء (على وجه مطابق لعلم الله الأزلى) أى على حسب ما سبق فى علمه الأزلى (و)وإبرازها فى الوجود على حسب (مشيئته الأزلية فيوجدها فى الوقت الذى علم أنها تكون فيه) ويقال بعبارة أخرى القدر هو جعل كل شىء على ما هو عليه. وليعلم أن القدر يطلق ويراد به صفة الله أى التدبير ويطلق ويراد به المقدور أى المخلوق وهذا هو المقصود بحديث جبريل »وبالقدر خيره وشره« لأن المقدور هو الذى يوصف بالخير والشر (فيدخل فى ذلك عمل العبد الخير والشر باختياره) فالإنسان إذا عمل حسنة يسمى عمله خيرا وإن عمل الإنسان معصية يسمى عمله شرا وكلاهما بخلقه تعالى أما الله تعالى فتقديره لا يسمى شرا تقديره حسن ليس فيه شر أما فعل العبد للقبيح فقبيح من العبد وأما تقدير الله للقبيح ليس قبيحا من الله وكذلك خلقه للقبيح ليس من الله قبيحا كما أن إرادته لوجود الشر ليست قبيحة منه (ويدل عليه قول رسول الله لجبريل حين سأله عن الإيمان »الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره «رواه مسلم ومعناه أن المخلوقات التى قدرها الله تعالى وفيها الخير والشر وجدت بتقدير الله الأزلى) أى بإيجاده إياها (وأما تقدير الله الذى هو صفة ذاته فهو لا يوصف بالشر بل تقدير الله للشر الكفر والمعصية وتقديره للإيمان والطاعة حسن منه ليس قبيحا فإرادة الله تعالى) أى مشيئته (نافذة فى جميع مراداته على حسب علمه بها) لا تتخلف ليست كمشيئة العباد، مشيئة العباد تتنفذ فى بعض الحالات ولا تتنفذ فى بعض الحالات وهذا معنى ما أجمع عليه المسلمون »ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن« (فما علم) الله فى الأزل (كونه) فقد (أراد كونه فى الوقت الذى يكون فيه) فأعمالنا التى سبق فى علم الله أنها تكون شاء أن تكون فلا بد أن تكون (وما علم أنه لا يكون لم يرد أن يكون فلا يحدث فى العالم شىء إلا بمشيئته) ومشيئة الله شاملة لأعمال العباد الخير منها والشر فكل ما دخل فى الوجود من أعمال الشر من كفر أو معصية فبمشيئة الله وقع وحصل وهذا كمال فى حق الله تعالى لأن شمول القدرة والمشيئة لائق بجلال الله فلو كان يقع فى ملكه ما لا يشاء لكان ذلك منافيا للألوهية (ولا يصيب العبد شىء من الخير أو الشر أو الصحة أو المرض أو الفقر أو الغنى أو غير ذلك إلا بمشيئة الله تعالى ولا يخطئ العبد شىء قدر الله وشاء أن يصيبه فقد ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم علم بعض بناته »ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن« رواه أبو داود فى السنن ثم تواتر واستفاض بين أفراد الأمة) وأجمع المسلمون عليه (وروى البيهقى رحمه الله تعالى) فى كتاب القضاء والقدر (عن سيدنا على رضى الله عنه أنه قال »إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه) أى أنه لا يتم الإيمان فى قلب أحدكم (حتى يستيقن يقينا غير شك) أى حتى يعتقد اعتقادا جازما لا يخالجه شك (أن ما أصابه لم يكن ليخطئه) إن كان من الرزق أو المصائب أو غير ذلك (وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله« أى لا يجوز أن يؤمن ببعض القدر ويكفر ببعض) بل يجب على كل مسلم أن يؤمن بأن كل ما يجرى فى الكون من خير أو شر ضلالة أو هدى عسر أو يسر حلو أو مر كل ذلك بخلق الله ومشيئته حدث وكان ولولا أن الله تعالى شاءه وكونه وخلقه ما حصل (وروى أيضا) فى كتاب القضاء والقدر (بالإسناد الصحيح أن عمر ابن الخطاب كان بالجابية وهى أرض من الشام فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال »من يهد الله فلا مضل له) ومعناه أن الذى شاء الله له فى الأزل أن يكون مهتديا لا أحد يجعله ضالا (ومن يضلل فلا هادى له«) أى ومن شاء الله أن يكون ضالا فلا هادى له أى لا أحد يهديه ولا أحد يجعله مهتديا (وكان عنده كافر من كفار العجم من أهل الذمة فقال بلغته إن الله لا يضل أحدا فقال عمر للترجمان ماذا يقول قال إنه يقول إن الله لا يضل أحدا فقال عمر »كذبت يا عدو الله ولولا أنك من أهل الذمة لضربت عنقك هو أضلك وهو يدخلك النار إن شاء«) أى إن شاء أن تموت على كفرك هذا لا بد من دخولك النار. معنى كلام عمر رضى الله عنه أن هذا الاعتقاد كفر وضلال وهو اعتقاد أن الله لا يضل أحدا أى أن الإنسان يضل بمشيئته لا بمشيئة الله وأن العبد هو يخلق هذه الضلالة ليس الله خالقها (وروى الحافظ أبو نعيم) فى حلية الأولياء (عن ابن أخى الزهرى عن عمه الزهرى أن عمر بن الخطاب كان يحب قصيدة لبيد بن ربيعة) ويعجب بها لما فيها من الفوائد الجليلة (التى منها هذه الأبيات وهى [الرمل])

(إن تقوى ربنا خير نفل           وبإذن الله ريثى وعجل

أحمد الله فلا ند له                         بيديه الخير ما شاء فعل

من هداه سبل الخير اهتدى                ناعم البال ومن شاء أضل)

   (ومعنى قوله »إن تقوى ربنا خير نفل« أى خير ما يعطاه الإنسان) والتقوى كلمة خفيفة على اللسان لكنها ثقيلة فى العمل لأنها أداء ما افترض الله على العباد واجتناب ما حرم عليهم وهذا أمر ثقيل (ومعنى قوله »وبإذن الله ريثى وعجل« أى أنه لا يبطئ مبطئ ولا يسرع مسرع) أى نشيط فى العمل (إلا بمشيئة الله وبإذنه) أى أن الله تبارك وتعالى هو الذى يخلق فى العبد القوة والنشاط للخير وهو الذى يخلق فيه الكسل والتوانى عن الخير أى أن الخير والشر اللذين يحصلان من الخلق كل بخلق الله تعالى ومشيئته (وقوله »أحمد الله فلا ند له« أى لا مثل له. وقوله »بيديه الخير« أى والشر) فالله تعالى مالك الخير ومالك الشر لا خالق للخير والشر من أعمال العباد إلا الله ليس العباد يخلقونه (وإنما اقتصر) لبيد بن ربيعة رضى الله عنه (على ذكر الخير) دون الشر (من باب الاكتفاء) أى اكتفاء بذكر الخير عن ذكر الشر لأنه معلوم عند أهل الحق أن الله خالق الخير والشر وهذا عند علماء البيان يسمى الاكتفاء أى ترك ذكر الشىء للعلم به بذكر ما يقابله (كقوله تعالى ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ أى والبرد لأن السرابيل تقى من الأمرين ليس من الحر فقط) وهذا فى لغة العرب يقال له أسلوب من أساليب البلاغة باللغة العربية عند الفصحاء البلغاء وهو أن يذكر أحد الشيئين الداخلين تحت حكم واحد اكتفاء بأحدهما عن ذكر الآخر (وقوله »ما شاء فعل« أى ما أراد الله حصوله لا بد أن يحصل وما أراد أن لا يحصل فلا يحصل وقوله »من هداه سبل الخير اهتدى« أى من شاء الله له) فى الأزل (أن يكون) مهتديا (على الصراط الصحيح المستقيم اهتدى) أى لا بد أن يكون مهتديا أى على دين الله تبارك وتعالى وعلى تقواه (وقوله »ناعم البال« أى مطمئن البال) للإيمان بالله تعالى وبما جاء عن رسوله (و)معنى (قوله »ومن شاء أضل« أى) أن الله تبارك وتعالى (من شاء له) فى الأزل (أن يكون ضالا أضله) أى خلق فيه الضلال وهذا الكلام من أصول العقائد التى كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإحسان. فمن شاء الله له الهداية لا بد أن يهتدى، الله يلهمه الإيمان والتقى فيهتدى بإختياره لا مجبورا وأما من شاء الله تعالى فى الأزل أن يكون على خلاف ذلك أى أن يكون ضالا كافرا أضله الله تبارك وتعالى أى جعله كافرا فيختار هذا العبد الكفر (وروى البيهقى عن الشافعى أنه قال حين سئل عن القدر

ما شئت كان وإن لم أشأ          وما شئت إن لم تشأ لم يكن

    خلقت العباد على ما علمت          ففى العلم يجرى الفتى والمسن

          على ذا مننت وهذا خذلت                               وهذا أعنت وذا لم تعن

                 فمنهم شقى ومنهم سعيد                    وهذا قبيح وهذا حسن)

   فسر الشافعى القدر فى هذه الأبيات بالمشيئة وهو تفسير من الإمام الشافعى للقدر على وجه البسط والتوسع وحاصله أن الله تبارك وتعالى متصف بمشيئة أزلية أبدية لا تتغير كسائر صفاته لا يطرأ عليها الزيادة والنقصان وجعل للعباد مشيئة حادثة تقبل التغير. يقول الشافعى رضى الله عنه مخاطبا لله تبارك وتعالى »ما شئت« أى يا ربنا »كان« أى ما سبقت به مشيئتك فى الأزل لا بد أن يوجد »وإن لم أشأ« أى وإن لم أشأ أنا أى أنا العبد حصوله لأن مشيئة الله نافذة لا تتغير والمعنى أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله فهى مخلوقة حادثة. قال رضى الله عنه »وما شئت إن لم تشأ لم يكن« معناه إن أنا شئت حصول شىء بمشيئتى الحادثة إن أنت يا ربى لم تشأ حصوله بمشيئتك الأزلية لا يحصل. ومعنى قوله رضى الله عنه »خلقت العباد على ما علمت« أن الله تبارك وتعالى يبرز عباده من العدم إلى الوجود على حسب ما سبق فى علمه الأزلى. وقوله رضى الله عنه »ففى العلم يجرى الفتى والمسن« معناه أن سعى الفتى أى الشاب والمسن أى العجوز كل سعيه فى علم الله تبارك وتعالى أى لا يخرج عن علم الله، هذا الفتى الذى هو ذو قوة ونشاط وهذا المسن الذى هو ذو عجز وضعف كل منهما لا يحصل شىء منه من الحركات والسكنات والنوايا والقصود والإدراكات إلا على حسب علم الله الأزلى. قال رضى الله عنه »على ذا مننت وهذا خذلت« أى هذا مننت عليه أى وفقته للإيمان والهدى والصلاح وعلو القدر فى الإيمان، ومعنى توفيق الله لعبده أى يجعله يصرف قدرته واختياره إلى الخير، ومعنى »وهذا خذلت« أى وهذا ما وفقته فلم يهتد للحق ولم يقبل الحق، ومعنى خذلان الله لعبده أى يجعله يصرف قدرته واختياره للشر. قال رضى الله عنه »وهذا أعنت وذا لم تعن« أى هذا أعنته على الأعمال التى ترضيك والآخر ما أعنته على ما يرضيك. وليس معنى قول الشافعى »وهذا أعنت وذا لم تعن« أن الله لا يعين على الشر وإنما يعين على الخير فقط فأهل السنة متفقون على أن الله هو المعين على الخير وهو المعين على الشر والإعانة التمكين أى أن الله هو الذى يمكن العبد لفعل الخير وهو الذى يمكنه لفعل الشر صرح بذلك إمام الحرمين فى الإرشاد. قال الشافعى رضى الله عنه »فمنهم شقى ومنهم سعيد وهذا قبيح وهذا حسن« المعنى أن من شاء الله له أن يكون شقيا أى من أهل العذاب الأليم كان كذلك ومن شاء الله له أن يكون سعيدا من أهل النعيم المقيم كان كذلك (فتبين بهذا أن الضمير فى قوله تعالى ﴿يضل من يشاء ويهدى من يشاء﴾ يعود إلى الله لا إلى العبد كما زعمت القدرية بدليل قوله تعالى إخبارا عن سيدنا موسى ﴿إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء﴾) وموسى عليه السلام لما ذهب لميقات ربه أى لمناجاة الله أى لسماع كلام الله الأزلى خلف على قومه أخاه هارون وكان نبيا ثم قضى أربعين ليلة ثم عاد إليهم فوجدهم قد عبدوا العجل إلا بعضا منهم فاختار موسى وجرد من قومه سبعين شخصا ليأخذهم للتضرع إلى الله تعالى فأخذتهم الرجفة أى اهتزت بهم الأرض فقال موسى متضرعا إلى الله ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء﴾ معناه هذا الأمر الذى حدث بقومى من عبادتهم العجل فتنتك أى امتحان وابتلاء منك تضل من تشاء وتهدى من تشاء (وكذلك قالت طائفة ينتسبون إلى أمين شيخو الذين زعيمهم اليوم عبد الهادى البانى الذى هو بدمشق فقد جعلوا مشيئة الله تابعة لمشيئة العبد حيث إن معنى الآية عندهم إن شاء العبد الاهتداء شاء الله له الهدى وإن شاء العبد أن يضل أضله الله فكذبوا بالآية ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾) وهؤلاء تبعوا المعتزلة فى هذه المسألة فقاسوا الخالق على المخلوق فضلوا وحرفوا معنى الآية التى يحتجون بها وهى قوله تعالى ﴿فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء﴾ ظنا منهم أننا إذا قلنا إن الله هو الذى يضل من شاء له الضلالة من عباده فقد نسبنا الظلم إلى الله قالوا كيف يشاء الله الضلالة له ثم يعاقبه على ذلك، من هنا ضلوا فقالوا فى قوله تعالى ﴿يضل الله من يشاء﴾ يشاء أى العبد يعيدون الضمير إلى ﴿من﴾ و﴿من﴾ عندهم واقع على العبد فعندهم معنى الآية العبد الذى يشاء الضلال يضله الله هكذا هم يحرفون لكن الصواب إعادة الضمير إلى الله ﴿يضل الله من يشاء﴾ أى العبد الذى شاء الله بمشيئته الأزلية الأبدية أن يضل يضله الله، هذا معنى الآية ﴿يضل الله من يشاء﴾ إلى لفظ الجلالة يعود الضمير. وأصرح ءاية فى إبطال عقيدة هذه الهادوية الشيخوية وهم المنتسبون إلى عبد الهادى الذى هو تلميذ أمين شيخو الآية وهى ﴿تضل بها من تشاء﴾ لأن قوله تعالى ﴿تشاء﴾ صريح فى نسبة المشيئة إلى الله فلو كان معنى الآية كما زعموا لكان لفظ الآية يضل بها من شاءوا أى الذين عبدوا العجل لكن موسى يخاطب الله بقوله ﴿من تشاء﴾ فلا معنى للآية إلا تضل بها من تشاء أنت يا الله فلتعلم هذه الفرقة أنها ضد القرءان وأنها خارجة عن الإسلام (فإن حاول بعضهم أن يستدل بآية من القرءان لضد هذا المعنى قيل له القرءان يتصادق ولا يتناقض فليس فى القرءان ءاية نقيض ءاية و)إن قيل هذه الآية نسخت بآية أخرى قلنا (ليس هذا من باب الناسخ والمنسوخ لأن النسخ لا يدخل العقائد وليس موجبا للتناقض) أى لا يؤدى إلى التناقض (فالنسخ لا يدخل فى الأخبار إنما هو فى الأمر والنهى. إنما النسخ بيان انتهاء حكم ءاية سابقة بحكم ءاية لاحقة على أن هذه الفئة لا تؤمن بالناسخ والمنسوخ) واعتقاد أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله وليس العكس من أصول الاعتقاد ومن خالف فى ذلك فقد كفر (ومن غباوتهم العجيبة أنهم يفسرون قوله تعالى ﴿وعلم ءادم الأسماء كلها﴾ بأسماء الله الحسنى فإن قيل لهم لو كانت الأسماء هى أسماء الله الحسنى لم يقل الله ﴿فلما أنبأهم بأسمآئهم﴾ بل لقال فلما أنبأهم بأسمائى انقطعوا لكنهم يصرون على جهلهم وتحريفهم للقرءان) ولحديث رسول الله المتفق على صحته الذى فيه أن الناس يقولون لآدم يوم القيامة »يا ءادم أنت أبو البشر أسجد لك الملائكة وعلمك أسماء كل شىء« أخرجه البخارى. (وروى الحاكم رحمه الله تعالى) وهو شيخ البيهقى رحمه الله (أن على الرضى بن موسى الكاظم كان يقعد فى الروضة وهو شاب ملتحف بمطرف خز فيسأله الناس ومشايخ العلماء فى المسجد فسئل عن القدر فقال قال الله عز من قائل ﴿إن المجرمين فى ضلال وسعر يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شىء خلقناه بقدر﴾ ثم قال الرضى »كان أبي يذكر عن ءابائه أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كان يقول »إن الله خلق كل شىء بقدر) أى بتقديره الأزلى أى أن كل ما دخل فى الوجود فقد وجد بتقدير الله وجوده ومشيئته لوجوده (حتى العجز) وهو الضعف فى الفهم والإدراك ويقال العجز هو ضعف الهمة وفتورها (والكيس) وهو الذكاء والفطانة (وإليه المشيئة) فمعناه أن الله تبارك وتعالى له المشيئة الشاملة العامة الأزلية الأبدية التى لا تتحول ولا تتغير فبمشيئته الأزلية شاء حصول كل الممكنات الحادثات من أجرام وأعمال العباد حركاتهم وسكناتهم وتطورات نفوسهم واعتقاداتهم ما كان خيرا وما كان شرا، ومشيئة الله سابقة على مشيئة العباد سبقت مشيئته المشيئات كلها لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، ثم قال سيدنا على (وبه الحول والقوة« اهـ) فالحول هو التحفظ عن الشر والقوة هى القوة على فعل الخير التى تحصل فى العباد معناه أن العبد لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شرا ولا يستطيع أن يحترز عن سوء وشر وفساد ومعصية إلا بالله أى إلا بعون الله أى إلا أن يحفظه الله فالملائكة والأنبياء والصالحون من المؤمنين ليسوا هم يحفظون أنفسهم من الضلال مستقلين عن الله تعالى بل الله هو يحفظهم فلله المنة عليهم، الفضل لله الذى حفظهم ولولا حفظ الله لهم ما سلموا من هذه المعاصى والرذائل. وقوله »والقوة« معناه أنه لا أحد يقوى على طاعة وحسنة وعمل شريف إلا بتقدير الله ومشيئته وعلمه وتوفيقه فالذين وفقهم الله لفعل الطاعات فعملوها وحققوها فليس ذلك إلا بعون الله فلولا معونة الله ما عملوا حسنة فلله الفضل والنعمة (فالعباد منساقون إلى فعل ما يصدر عنهم) أى إلى ما شاء الله تعالى فى الأزل وعلم أنهم يفعلون لا بد أن ينساقوا إليه (باختيارهم) فالمؤمنون الذين ءامنوا ينساقون إلى الإيمان باختيارهم والكفار الذين شاء الله تعالى أن يموتوا كافرين انساقوا إلى الكفر باختيارهم (لا بالإكراه والجبر) تنفذت مشيئة الله فى هؤلاء وهؤلاء وهم ليسوا (كالريشة المعلقة تميلها الرياح يمنة ويسرة كما تقول الجبرية ولو لم يشإ الله عصيان العصاة وكفر الكافرين وإيمان المؤمنين وطاعة الطائعين لما خلق الجنة والنار. ومن ينسب لله تعالى خلق الخير دون الشر فقد نسب إلى الله تعالى العجز ولو كان كذلك لكان للعالم مدبران مدبر خير ومدبر شر وهذا كفر وإشراك) فلا يجوز أن يكون للعبد إرادة تتنفذ بخلاف إرادة الله كما تقول المعتزلة. هؤلاء يقولون الله شاء لكل العباد حتى لفرعون أن يكون مؤمنا تقيا وكذلك لإبليس ولكن نقضا مشيئة الله واختارا الكفر فكفرا فلم تتنفذ فيهما مشيئة الله (وهذا الرأى السفيه من جهة أخرى يجعل الله تعالى فى ملكه مغلوبا لأنه على حسب اعتقاده الله تعالى أراد الخير فقط فيكون قد وقع الشر من عدوه إبليس وأعوانه الكفار رغم إرادته. ويكفر من يعتقد هذا الرأى لمخالفته قوله تعالى ﴿والله غالب على أمره﴾ أى لا أحد يمنع نفاذ مشيئته) معناه منفذ لمراده لا محالة فلو كان الله شاء لهؤلاء الكفار أن يهتدوا ما بقى منهم أحد إلا اهتدى لكنه لم يشأ لهؤلاء الكفار أن يهتدوا، هو أمرهم بالإيمان ولكن لم يشأ لهم الإيمان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (وحكم من ينسب إلى الله تعالى الخير وينسب إلى العبد الشر أدبا) كأن يقول قائل »الخير من الله والشر ليس إليه «(أنه لا حرج عليه) ولا بأس بذلك لأن هذا ليس معناه أن الله ما شاء وقوع الشر إنما معناه الشر لا يتقرب به إلى الله. نقول الخير منك أما الشر منك فهو إساءة أدب. أما قول القائل الخير والشر بمشيئة الله فلا ينافى الأدب مع الله وذلك كقول القائل الله خالق الإنسان والملائكة والبهائم والخنازير والقردة وكل المخلوقات فإن هذا لا ينافى الأدب وأما لو أفرد الخنازير والقردة فقال الله خالق الخنازير والقردة يكون إساءة أدب وهو حرام أو مكروه لا يخلو من أحد الأمرين (أما إذا اعتقد أن الله خلق الخير دون الشر) وأن الشر من خلق إبليس (فحكمه التكفير. واعلموا رحمكم الله أن الله تعالى إذا عذب العاصى فبعدله من غير ظلم وإذا أثاب المطيع فبفضله من غير وجوب عليه لأن الظلم إنما يتصور ممن له ءامر وناه ولا ءامر لله ولا ناهى له فهو يتصرف فى ملكه كما يشاء لأنه خالق الأشياء ومالكها وقد جاء فى الحديث الصحيح الذى رواه الإمام أحمد فى مسنده والإمام أبو داود فى سننه وابن حبان) فى صحيحه (عن ابن الديلمى قال »أتيت أبى بن كعب) وهو صاحب رسول الله ويكنى أبا المنذر (فقلت يا أبا المنذر إنه حدث فى نفسى شىء من هذا القدر) أى خطر على قلبى ولم أشك (فحدثنى لعل الله ينفعنى«) أى بكلامك (قال »إن الله لو عذب أهل أرضه وسمواته) أى لو عذب الملائكة والإنس والجن (لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم) من العذاب (كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم) وإحسانا منه وتفضلا وتكرما عليهم ولم تكن رحمته فرضا واجبا عليه وذلك لأنه هو الذى يخلق الطاعة فى عباده الملائكة والأنبياء وغيرهم هو خلق فيهم هذه الطاعة، ثم قال له أبى بن كعب (ولو أنفقت مثل) جبل (أحد ذهبا فى سبيل الله) أى فيما يحبه الله عبأت الجيوش للجهاد فى سبيل الله وأمددتهم بالمال (ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا دخلت النار«) أى لو مت على غير هذا الاعتقاد لكنت من أهل النار من الكفار (قال) أى ابن الديلمى (ثم أتيت عبد الله بن مسعود فحدثنى مثل ذلك ثم أتيت حذيفة ابن اليمان فحدثنى مثل ذلك ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثنى مثل ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم، وروى مسلم فى صحيحه والبيهقى فى كتاب) القضاء و(القدر عن أبى الأسود الدؤلى) وهو من ثقات التابعين أخذ الحديث عن سيدنا على وغيره (قال قال لى عمران بن الحصين) وهو أحد فقهاء الصحابة المجتهدين المشهورين بالعلم (أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه) أى يسعون إليه أى أعمالهم حركاتهم وسكناتهم (أشىء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق) معناه هل هو شىء قدره الله تعالى أنه سيحصل منهم أى باختيارهم ومشيئتهم الحادثة بعد مشيئة الله الأزلية وعلمه الأزلى الأبدى (أو فيما يستقبلون به) معناه أم هو شىء جديد لم يسبق به قدر ولم يسبق فى علم الله فى الأزل أنه يحصل منهم إنما هم من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون لله تصرف فيه يعملون أو هل هم ليس لهم اختيار بل هم مسلوبو الاختيار بالمرة (مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم) أى أريد منك نصا شرعيا (فقلت بل شىء قضى عليهم ومضى عليهم) أى أن حركات العباد وسكناتهم كلها شىء حصل من العباد بقضاء الله (قال فقال) أى عمران بن الحصين (أفلا يكون ظلما) أى أنه أراد أن يزيد فى امتحانه فقال أفلا يكون ظلما والمعنى إن كان الإنسان يعمل فيما قدر الله تعالى يعمل على حسب مشيئة الله وعلمه ثم حاسبه فى الآخرة على هذا العمل فعاقبه ألا يكون ظلما (قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت كل شىء خلقه وملك يده لا يسئل عما يفعل وهم يسألون) ألهم الله تعالى أبا الأسود الصواب فأجاب بما معناه أن الله لا يحكمه أحد هو فعال لما يريد جعل الأعمال أمارات أى علامات ووفق بعض الناس بأن يختاروا الهدى والصالحات من الأعمال وينساقوا إليها باختيارهم على حسب مشيئته وعلمه فيكونوا من أهل النعيم المقيم وأن ينساق قسم منهم باختيارهم إلى ما نهى الله عنه من غير أن يخرجوا عن تقدير الله وعلمه فإذا حاسب العصاة وعاقبهم لا يكون ظالما لأنه هو الحاكم ليس له حاكم هو الآمر ليس له ءامر تصرف فيما له فيما يملكه ملكا حقيقيا ولم يتصرف فيما ليس له لأن الظلم فى لغة العرب هو أن يتصرف بما ليس له والله تعالى كل شىء خلقه وملكه لا يسأل عما يفعل وهم أى العباد يسألون (قال) أبو الأسود (فقال لى) عمران (يرحمك الله) معناه أنه لما وفق للجواب الصحيح دعا له وصوب جوابه وقال له (إنى لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك) أى أردت أن أمتحن فهمك للدين (إن رجلين من مزينة) وهى قبيلة من قبائل العرب (أتيا رسول الله فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشىء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم) معناه نريد منك دليلا وحجة من الشرع (فقال) عليه الصلاة والسلام (»بل شىء قضى عليهم ومضى عليهم« ومصداق ذلك قول الله تبارك وتعالى ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾) والمعنى أن كل ما يعمل العباد من حركات وسكنات حتى النوايا والقصود تكون على حسب مشيئة الله الأزلية وعلمه وتقديره، والرسول صلى الله عليه وسلم استدل بالآية المذكورة وأيد جوابه لهما لأن الله أقسم بالنفس وما سواها على أن الله تبارك وتعالى هو الذى يلهم النفوس فجورها وتقواها أى أنه لا يكون شىء من أعمال العباد خيرها وشرها إلا بخلق الله تعالى فيهم ذلك. فإن قال قائل إذا كان الله شاء لنا أن نفعل كذا من الكفر والمعاصى فماذا نفعل فالجواب أن يقال المستقبل غيب عنا ما بعد هذه اللحظة غيب عنا فالذى علينا أن نسعى لأن نكون قائمين بحقوق الله تعالى وحقوق عباده التى أمرنا بها وكما لا يجوز للإنسان أن يقعد ويقول ما قدر الله تعالى لا بد أن يصل إلى جوفى ولا يسعى بوجه من الوجوه فى طلب القوت بل يعرض نفسه للتلف بالجوع كذلك لا يجوز أن يقول الإنسان أنا إن كان الله كتب أنى سعيد لا بد أن أكون سعيدا وإن كان كتب لى غير ذلك لا أكون سعيدا ثم يقعد من غير أن يسعى لأن يكون من أهل النجاة (وصح حديث »فمن وجد خيرا) أى من عمل الحسنات والطاعات وتجنب المعاصى (فليحمد الله) الذى وفقه لذلك (ومن وجد غير ذلك) أى من كان عمله خلاف ذلك (فلا يلومن إلا نفسه«) أى أن الله ليس ظالما له ولكن هو ظلم نفسه (رواه مسلم من حديث أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل، أما الأول وهو من وجد خيرا فلأن الله تعالى متفضل عليه بالإيجاد والتوفيق من غير وجوب عليه فليحمد العبد ربه على تفضله عليه) أن وفقه لفعل الخيرات (أما الثانى وهو من وجد شرا فلأنه تعالى أبرز) أى أظهر (بقدرته) ما سبق فى علمه الأزلى (ما كان من ميل العبد السىء) فقبل أن يفعل هذا العبد كان مستعدا والله أظهر استعداده (فمن أضله الله فبعدله) ولا يلومن إلا نفسه (ومن هداه فبفضله) فليحمد الله (ولو أن الله خلق الخلق) ولم يبعث الرسل إلى عباده ليبينوا لهم ما هو الخير وما هو الشر ثم عاقبهم على عملهم السوء (وأدخل فريقا الجنة وفريقا النار لسابق علمه أنهم لا يؤمنون لكان شأن المعذب منهم ما وصف الله بقوله ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) أى لم لم ترسل إلينا رسولا (فنتبع ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾ فأرسل الله الرسل مبشرين) من أسلم بالجنة (ومنذرين) من كفر بالعذاب فى الآخرة فقطع عليهم العذر (ليظهر ما فى استعداد العبد من الطوع والإباء فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة) أى عن دليل وعن حجة (فأخبرنا أن قسما من خلقه مصيرهم النار بأعمالهم التى يعملون باختيارهم وكان تعالى عالما بعلمه الأزلى أنهم لا يؤمنون) فثبتت الحجة على عباده (قال تعالى ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) أى لو شاء الله فى الأزل أن يهتدى جميع الأنفس لاهتدى جميع الأنفس لأعطى لكل نفس هداها وجعلها مؤمنة مهتدية (﴿ولكن حق القول منى) أى ولكن قلت فى الأزل وقولى لا يتخلف (﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أخبر الله تعالى فى هذه الآية أنه قال فى الأزل ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾) أى أننى سأملأ جهنم من الجن والإنس معناه الله تعالى قال فى الأزل إنه يملأ جهنم من الجنة والناس فلا بد أن تملأ جهنم من كفار البشر والجن. قدم ذكر الجن لأن أكثر أهل النار من الجن (وقوله) تعالى (صدق لا يتخلف لأن التخلف أى التغير كذب والكذب محال على الله) فما أخبر الله أنه يفعله فلا بد أن يفعله وما أخبر أنه لا يفعله فلا يكون وأما قول كثير من الجهلة الله قادر أن يغير ما قال فى مثل هذا فهو كفر، يقال لهم الله قادر على كل شىء لكن لا يخلف فى قوله لأن الإخلاف فى قوله كذب والله منزه عن الكذب فليس هذا من وظيفة القدرة (قال تعالى ﴿قل فلله الحجة البالغة) أى التامة (﴿فلو شاء لهداكم أجمعينأى) لو شاء فى الأزل أن يهتدى الجميع لاهتدوا (ولكنه لم يشأ هداية جميعكم إذ لم يسبق العلم بذلك فالعباد منساقون إلى فعل ما يصدر عنهم) أى إلى ما شاء الله تعالى فى الأزل وعلم أنهم يفعلون لا بد أن ينساقوا إليه (باختيارهم لا بالإكراه والجبر) فالمؤمنون الذين ءامنوا ينساقون إلى الإيمان باختيارهم والكفار الذين شاء الله تعالى أن يموتوا كافرين انساقوا إلى الكفر باختيارهم فتنفذت مشيئة الله فى هؤلاء وهؤلاء. فالعباد لهم اختيار فى أفعالهم الاختيارية ولكنهم ليسوا خالقين لأفعالهم وكذلك ليسوا كالريشة المعلقة فى الهواء تأخذها الرياح يمنة ويسرة بلا اختيار منها فتسوية هؤلاء بين العباد وبين تلك الريشة إلحاد وكفر (واعلم أن ما ذكرناه من أمر القدر ليس من الخوض الذى نهى النبى صلى الله عليه وسلم عنه بقوله »إذا ذكر القدر فأمسكوا« رواه الطبرانى) فى المعجم الكبير من حديث عبد الله بن مسعود ومعناه لا تتوغلوا في البحث والخوض فيه للوصول إلى سره هذا منعنا منه لأنه بحر ليس له سفينة أما تفسير القدر الذى مر يجب معرفته (لأن هذا تفسير للقدر الذى ورد به النص وأما المنهى عنه فهو الخوض فيه للوصول إلى سره فقد روى الشافعى والحافظ ابن عساكر) فى تاريخ دمشق (عن على رضى الله عنه أنه قال للسائل عن القدر »سر الله فلا تتكلف«) أى أن أصل القدر سر الله تعالى فى خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبى مرسل ومهما تكلف بعضهم الخوض فى ذلك للوصول إلى سر القدر فلن يستطيعوا لأن الله أخفى عنا ذلك ونهانا عن طلبه (فلما ألح عليه قال له »أما إذ أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض«) يريد به أن عقيدة أهل السنة والجماعة هى أن العبد له اختيار ممزوج بجبر وأن العبد مختار تحت مشيئة الله وأننا لا نقول بمقالة الجبرية القائلين بأن العبد لا فعل له بالمرة وإنما هو كالريشة المعلقة فى الهواء تأخذها الرياح يمنة ويسرة ولا نقول بمقالة المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله إنما نحن وسط بين الجبرية والقدرية أى المعتزلة (واعلم أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذم القدرية وهم فرق فمنهم من يقول العبد خالق لجميع فعله الاختيارى ومنهم من يقول هو خالق الشر دون الخير وكلا الفريقين كفار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »القدرية مجوس هذه الأمة«) رواه البيهقى فى السنن الكبرى (وفى رواية لهذا الحديث »لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر« رواه أبو داود) فى سننه (عن حذيفة عن النبى صلى الله عليه وسلم) وفى هذين الحديثين دليل على أن المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله الاختيارية أو أنه خالق الشر دون الخير كفار (وفى كتاب القدر للبيهقى وكتاب تهذيب الآثار للإمام ابن جرير الطبرى رحمهما الله تعالى عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال »صنفان من أمتى ليس لهما نصيب فى الإسلام القدرية والمرجئة«) وفى هذا الحديث دليل على أن كلا من هذين الفريقين كفار (فالمعتزلة هم القدرية لأنهم جعلوا الله والعبد سواسية بنفى القدرة عنه عز وجل على ما يقدر عليه عبده فكأنهم يثبتون خالقين فى الحقيقة كما أثبت المجوس خالقين خالقا للخير هو عندهم النور وخالقا للشر هو عندهم الظلام) والمعتزلة نحو عشرين فرقة منهم من وصل إلى حد الكفر كالذين ذكرناهم ومنهم من لم يصل إلى ذلك الحد كالقائلين إن الله لا يرى فى الآخرة كما لا يرى فى الدنيا وأما المرجئة فهم طائفة انتسبوا للإسلام كانوا يعتقدون أن العبد المؤمن مهما عمل من الكبائر ومات بلا توبة ليس عليه عذاب. قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة قاسوا هذه على هذه فضلوا وهلكوا لأن قولهم »لا ينفع مع الكفر طاعة« صحيح لأن الكافر مهما قام بصور أعمال الطاعة وهو على كفره لا ينتفع بذلك وأما قولهم »لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله« فهو كفر وضلال لأن المؤمن ينضر بالمعاصى التى يرتكبها، والإرجاء معناه التأخير وإنما سموا بالمرجئة لأنهم أخروا عنهم العذاب أى قالوا لا يصيبهم العذاب أي لمن عصوا وهم على الإيمان معناه الإيمان يؤخر عنهم العذاب أى لا يلحقهم العذاب. والسبب فى هلاكهم فى هذه المسئلة أنهم فهموا بعض الآيات على غير وجهها كقوله تعالى ﴿وهل نجازى إلا الكفور﴾ فظنوا أن غير الكافر لا يعذب إنما معنى الآية أن ذلك العذاب الذى ذكر لا يلقاه إلا الكفور.