السبت فبراير 28, 2026

معنى الآية: {يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} – أي عهدُ اللهِ ثبتَ عليهم

قولُ اللهِ عزّ وجلّ: {يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، هذه الآية ليس معناها يدُ الله العضو الجارحة، لا، ليس معناها الجسم، لا، اليَد إذا أُضيفَتْ إلى الله في القرآن أو في السنّةِ الثابتة فهذا له معنًى يليقُ بالله، ليس على معنى الجارحة، ليس على معنى العضو هذه اليد المُشتَمِلة على الشَّعر والجلد والعَظُم والعروق والعصب والدم والأظافر، هذا في حقِّ المخلوق، هذا في حقِّ الأجسام.

لاحظوا كمْ ذكرنا من صفات المَخلوق، شعر جلد عظم عروق عصب دم لحم، هذا صفةُ مَن؟ المخلوق، صفةُ الأجسام، صفةُ البشر، صفةُ البهائم. أمّا الله سبحانه وتعالى إذا أُضيفَتْ إليه اليَد في القرآن الكريم أو في السّنة الثابتة فليس بمعنى العضو، ليس بمعنى الجارحة، ليس بمعنى الشكل ليس بمعنى الكيفية، ليس بمعنى الهيئة ليس بمعنى الأعضاء، ليس بمعنى الأدوات.

ما معنى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}؟ إذا بيَّنا سبب النُّزول يتَّضِح المعنى بسرعة.

انتبهوا معي جيدًا. الرسولُ صلى الله عليه وسلم كان ذهب من المدينة إلى مكةَ المكرمة، في مكان قبل أن يدخل إلى الحَرَم، قبل أنْ يدخلَ إلى الكعبة في مكانٍ يُقالُ له الحُدَيْبية، هناك وصلَه خبر أنَّ المشركينَ لا يريدونَه أنْ يدخلَ إلى مكةَ إلى الحَرمِ إلى الكعبة، صدُّوهُ عن عمل العمرة.

ماذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الرسول يَتصرّف بالوَحي، الرسول ينتظرُ الأمر. وكان معه عددٌ من الصحابة في تلك الأرضِ في الحُدَيْبيَة. جمعهَم وأخذَ عليهم العهد بأمرٍ من الله تعالى. فهؤلاء الصحابة الكرام أعطَوْا العهدَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن يثبتوا معه وأن لا يَفِرُّوا عنه وأنْ لا يُسْلِمُوه إلى العدو، بل يثْبُتوا في الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم.

ومبايعةُ الصحابةِ للرسول على هذا الأمر وإعطائِهم العهدَ هو في المعنى عهدٌ منهم لله، يعني كأنهم قالوا “نُعاهِدُ اللهَ على أنْ لا نَفِرَّ عنك يا رسول الله، على أنْ نبقى معك، على حمايتك، على أنْ نُقدِّمَك في الحمايةِ على أرواحِنا وأجسادِنا”، أنْ لا يُسْلِموه إلى العدوّ أنْ لا ينكشِفوا عنه. في المعنى عاهَدوا اللهَ على ذلك.

فلمّا أخذَ منهم العهدَ وأعْطَوا المَواثيق نزَلت الآية: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} عهدُ اللهِ ثبَتَ عليهم، عهدُ اللهِ وجَب عليهم.

ما هو الذي وجَب؟ أنْ يَثْبتوا، أنْ يُنَفِّذوا، أنْ لا يهرُبوا.

عهدُ اللهِ وجبَ عليهم، عهدُ اللهِ ثبَتَ عليهم. هذا معنى الآية: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} عهدُ اللهِ الذي عاهَدوكَ بأمرٍ منَ اللهِ صارَ واجبًا عليهم أنْ يثبُتوا.

وليس معنى اليد الجارحة، وليس معنى اليد هنا العضو وليس معنى اليد هنا الجسم. {يدُ اللهِ} أي العهد الذي أعطَوْكَ ثبَتَ عليهم ووجبَ عليهم.

وأما الذي يقول <<إنّ اليد بمعنى الجسم>>، الذي يقول <<لا تأويل وعلى الحقيقة>>، هكذا تقول المشبهة المجسمة يقولون <<على الظاهر>>، يقولون <<التأويل تعطيل>>.

يقال لهم: بزعمكم إنْ حمَلتم الآية {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} على الظاهر فقد جعلتم جِنسَ اليدِ التي أضَفتُمُوها إلى الله بزعمِكم كجنسِ أيدي هؤلاء الصحابة لأنكم قلتُم على الظاهر بِلا تأويل، وإذا كان كذلك فقد شبّهتُمُ اللهَ بالصحابةِ وبالتالي بكلّ البشر، فقد شبّهتمُ اللهَ بمخلوقاتِه، تنزّه الله.

إذًا عهدُ اللهِ وجبَ عليهم، عهد الله ثبتَ عليهم. {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} هذا معنى الآية. عهدُ اللهِ وجبَ عليهم وليس الجارحة فوق جوارحِ الصحابة. تنزّه اللهُ عنْ ذلك.