الجمعة يناير 23, 2026

   قال المؤلف رحمه الله: ومعنى أشهد أن لا إله إلا الله أعلم وأعتقد بقلبي وأعترف بلساني أن لا معبود بحق إلا الله [هذا على أحد التفسيرين وعلى التفسير الآخر «لا خالق لشىء من الأشياء إلا الله» وهو أحسن].

   الشرح أن المعرفة إذا كانت بلا اعتقاد لا تنفع، الله تعالى أنزل وصف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذكر رسالته في التوراة وفي الإنجيل المنزلين على موسى وعيسى، اليهود كانوا يعرفون أن نبينا محمدا نبي رسول بما عرفوا من التوراة من وصف محمد بالرسالة وكذلك في الإنجيل قال تعالى ﴿يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم﴾ [سورة البقرة/146] ومع ذلك يكذبونه ويكفرون به .

   ومعنى أشهد يتضمن الاعتقاد لذلك الشرع اختار الشهادة أي اختار أشهد بدل أعلم أو أعرف.

   والإله من له الإلهية وهي القدرة على الاختراع أي إبراز الأشياء من العدم إلى الوجود.

   ومعنى قول الفقهاء «لا معبود بحق إلا الله» أي لا يستحق أحد أن يعبد أي أن يتذلل له نهاية التذلل إلا الله كما قال بذلك الإمام الحافظ الفقيه اللغوي تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي [في فتاويه] وغيره كأبي منصور في كتاب «تهذيب اللغة» وابن منظور صاحب كتاب «لسان العرب» والفراء [نقله عنه الجوهري في الصحاح]، ولفظ السبكي: «العبادة أقصى غاية الخشوع والخضوع»، ذكر ذلك الإمام اللغوي الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في شرح القاموس، وممن فسر العبادة بذلك أيضا الراغب الأصبهاني وهو لغوي مشهور يكثر النقل عنه صاحب شرح القاموس محمد مرتضى الزبيدي، قال في تأليفه مفردات القرءان: «العبادة غاية التذلل».

وقد قال الحافظ السيوطي عن السبكي: إنه حافظ فقيه أصولي لغوي نحوي متكلم، وقال الذهبي فيه [في طبقات الشافعية الكبرى]: [الوافر]

       ليهن المنبر الأموي لما                            علاه الحاكم البحر التقي

شيوخ العصر أحفظهم جميعا                   وأخطبهم وأقضاهم علي

   ولو كان معنى العبادة مطلق الطاعة لمخلوق في أي شىء طاعة أو معصية لكان عمال الحكام الجائرين كفارا، فهل يقول هؤلاء الذين يكفرون أيضا المتوسلين بالأنبياء والأولياء في هؤلاء العمال إنهم مشركون، أليس هؤلاء أنفسهم يطيعون الحكام في بعض المعاصي فعلى مقتضى قولهم يكونون حكموا على أنفسهم بالكفر، وهؤلاء هم الوهابية أتباع محمد بن عبد الوهاب كفروا أنفسهم وإن لم يشعروا. فهؤلاء الذين يكفرون المستغيثين بالأولياء والأنبياء ليتعلموا معنى العبادة في لغة العرب قبل إطلاق ألسنتهم بالتكفير؛ وهذا معنى العبادة المرادة بقوله تعالى ﴿لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [سورة الأنبياء/25] وبقوله تعالى ﴿إياك نعبد﴾ [سورة الفاتحة/5]، وهذه هي العبادة المختصة لله تعالى التي من صرفها لغيره صار مشركا، وليس معناها مجرد النداء أو الاستعانة أو الاستغاثة أو الخوف أو الرجاء كما زعم بعض الناس أن مجرد نداء شخص ميت أو غائب شرك وكذلك استعانته به إلا بالحي الحاضر حتى لو قال قائل «يا محمد» صار عندهم كافرا، وكذا لو قال قائل «يا رسول الله المدد» صار كافرا عندهم، وهؤلاء جاهلون بمعنى العبادة في لغة العرب، قال الليث وهو إمام من أئمة اللغة متقدم «ويقال للمشركين هم عبدة الطاغوت – أي الشيطان – ويقال للمسلمين عباد الله يعبدون الله، وقال الله عز وجل ﴿اعبدوا ربكم﴾ [سورة البقرة/21] أي أطيعوا ربكم، وقوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [سورة الفاتحة/5] أي نطيع الطاعة التي يخضع معها» اهـ [ذكره الزبيدي في تاج العروس]، وقال ابن الأثير [نقله الزبيدي في تاج العروس]: «والعبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع»، وفي المصباح للفيومي أحد مشاهير اللغويين: «عبدت الله أعبده عبادة وهي الانقياد والخضوع»، وفي تاج العروس شرح القاموس للحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي: «والعبادة بالكسر الطاعة».

   فإن قال هؤلاء وأمثالهم أليس ورد في تفسير ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم﴾ [سورة التوبة/31] أن عبادتهم لهم طاعتهم فيما حرموا وحللوا من تلقاء أنفسهم فالجواب: أن ذلك داخل تحت هذا التعريف «الانقياد والتذلل» فإنهم انقادوا وتذللوا لهم في ذلك لأنهم كانوا يعتقدون أنهم يستحقون أن يطاعوا في ذلك حقيقة، وليس الذي حصل منهم مجرد أنهم أطاعوهم فإن المسلم قد يطيع من له عليه رئاسة في المعصية لكنه لا يطيعه على الوجه الذي أطاعته النصارى أحبارهم ورهبانهم فلا يكونون عابدين لرؤسائهم كأولئك، وكذلك مجرد الطاعة لمخلوق في المعصية ليس عبادة له وإشراكا بالله؛ وإنما الطاعة التي يكفر فاعلها هي الطاعة التي مع غاية التذلل والتعظيم، وهذا مراد من قال من اللغويين العبادة الطاعة فكأنهم قالوا الطاعة المخصوصة. ومعنى الآية أنهم كما عبدوا المسيح بقولهم هو الله أو هو ابنه وهو بريء من ذلك كذلك القرءان أخبرنا بأنهم اتخذوا أحبارهم أي علماءهم ورهبانهم أي الذين اتخذوا صوامع بعيدة عن الناس أربابا من دون الله أي عبدوهم من دون الله لأنهم اعتقدوا أنه لهم حق التحليل والتحريم، ولأن الذي يقول لشخص اعترف عندي بذنوبك أنا أغفرها لك فقد ادعى الألوهية لنفسه لأن ذلك لا يكون إلا لله، والله يقول ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [سورة ءال عمران/135] معناه لا أحد يستطيع  أن يغفر الذنوب لمن عصى إلا الله، لأن دعوى الربوبية لها وجوه من جملتها أن يعتقد الإنسان أن للعبد حق التحليل والتحريم أو مغفرة الذنوب أو الإيجاب لبعض الأشياء.

   فائدة: قال الله تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ [سورة الكهف/104] قال سيدنا علي رضي الله عنه في هذه الآية [جامع البيان عن تأويل ءاي القرءان] إنها تعني أصحاب الصوامع النصارى الذين يظنون أنهم يحسنون العمل وهم ليس لهم في الآخرة إلا النار لكونهم عبدوا غير الله أي تذللوا لغير الله غاية التذلل.

   قال المؤلف رحمه الله: الواحد الأحد الأول القديم الحي القيوم الدائم.  

   الشرح أن معنى الواحد الذي لا ثاني له أي لا شريك له في الألوهية، فالله واحد لا من طريق العدد [قال أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر: «والله واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له» اهـ].

   وأما الأحد فقال بعض العلماء هو بمعنى الواحد، وقال بعضهم الأحد هو الذي لا يقبل الانقسام والتجزؤ أي ليس جسما لأن الجسم يقبل الانقسام عقلا والله ليس جسما. والجسم ما له طول وعرض وعمق وسمك وتركيب، ويقال: الجسم ما تركب من جوهرين فأكثر. قال أهل التنزيه: الله موجود لا كيفية له ولا كمية.  

   ومعنى الأول الذي لا ابتداء لوجوده فهو وحده الأول بهذا المعنى، وكل ما سوى الله كان معدوما ثم صار موجودا، وبمعناه القديم إذا أطلق على الله لأن قدم الله ذاتي وليس زمنيا، وقد ورد في تعداد أسماء الله الحسنى القديم وإن لم يثبت إسناده، لكن أجمعت الأمة  على جواز إطلاق القديم على الله، ذكره الحافظ الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين. ويدل على ذلك أيضا ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أراد دخول المسجد: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» رواه أبو داود والحديث إسناده حسن. فإذا ثبت جواز إطلاق القديم على سلطان الله تعالى جاز إطلاقه على الذات.

   ومعنى الحي إذا وصف الله به أنه موصوف بحياة أزلية أبدية ليست بروح ولحم ودم وعصب ومخ، بل حياته صفة قديـمة قائمة بذاته [أي ثابتة له] تقتضي صحة الاتصاف بالعلم والقدرة والإرادة.

   ومعنى القيوم الدائم الذي لا يزول فقد سمى الله نفسه بهذا الاسم.

   وأما الدائم فمعناه الذي لا يلحقه ولا يجوز عليه الفناء، وبمعناه الباقي لأنه يستحيل عليه الفناء عقلا، ولا دائم بهذا المعنى إلا الله، فلا شريك لله تعالى في الديمومية [أي البقاء إلى ما لا نهاية] لأن ديموميته استحقها لذاته لا شىء غيره أوجب له ذلك، وأما ديمومية غيره كالجنة والنار فهي ليست ذاتية بل هما شاء الله لهما البقاء، أما من حيث ذاتهما فيجوز عليهما عقلا الفناء، لكن ورد في الشرع بقاؤهما بنص القرءان والسنة النبوية وإجماع الأمة [نقله الأستاذ البغدادي في الفرق بين الفرق]، ولذلك فإن القول بفنائهما أو فناء النار دون الجنة وبالعكس كفر. وقد قال ابن تيمية بفناء النار [ذكر ذلك في كتابه المسمى «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» (ص/52، 67، 71-72)، ونقله عنه تلميذه ابن قيم الجوزية أيضا في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح] بعد أن ذكر في كتابه منهاج السنة النبوية أن المسلمين اتفقوا على بقاء الجنة والنار وأن جهم بن صفوان خالف في ذلك فقال بفنائهما فكفره المسلمون، فحكمه حكم جهم فكلاهما كافر [قال ابن تيمية في كتاب «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» (1/42): وقد تنازع الناس في ذلك على ثلاثة أقوال قيل ببقائهما وقيل بفنائهما وقيل ببقاء الجنة دون النار أما القول بفنائها فما رأينا أحدا حكاه عن أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وإنما حكوه عن الجهم بن صفوان وأتباعه الجهمية وهذا مما أنكر عليه أئمة الإسلام بل ذلك مما أكفروهم به»].  

   قال المؤلف رحمه الله: الخالق الرازق العالم القدير الفعال لما يريد، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

   الشرح أن معنى الخالق أنه الذي أبدع وكون وأبرز جميع الكائنات من العدم إلى الوجود، فلا خلق بهذا المعنى إلا لله، فما سوى الله تعالى حدث بخلقه تعالى وتكوينه وإبداعه، فالخلق هو الإبراز من العدم إلى الوجود ولا خلق بهذا المعنى إلا لله قال الله تعالى ﴿قل الله خالق كل شىء﴾ [سورة الرعد/16] وقال ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [سورة الصافات/96] فالآيتان صريحتان في أن الله هو خالق الأجسام والأعمال لأن لفظ الشىء يشمل الجسم والأعمال، وأما قوله تعالى ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [سورة المؤمنون/14] فمعناه أن الله أحسن المقدرين لأن تقديره لا يخطئ ولا يتغير وتقدير غيره يجوز عليه الخطأ والتغير، فيجوز بهذا المعنى أي التقدير إطلاق الخلق على غير الله كما قال زهير الشاعر في وصف ممدوحه هرم بن سنان: [الكامل]

   ولأنت تفري ما خلقت           وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

   معناه أنت تقدر وتنفذ وبعض الناس يقدرون ولا ينفذون، أي أنت لك مزية بذلك. ويقال في اللغة خلقت الأديم حذاء أي الجلد قدرته حذاء فقطعته وصنعته أي أنفذت ما قدرت.

   كما أنه يأتي بمعنى التصوير كما قال تعالى في حق عيسى عليه السلام ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾ [سورة المائدة/110] فعيسى عليه السلام كان يصور من الطين صورة خفاش ثم يخلق الله فيها الروح ثم تطير حتى تغيب عن أنظار الناس ثم تقع ميتة، هذه من جملة معجزات المسيح عليه السلام.

   ويطلق أيضا على افتراء الكذب قال تعالى ﴿وتخلقون إفكا﴾ [سورة العنكبوت/17] أي تفترون الكذب. وهذا لا يضاف إلا إلى العبد يقال خلق فلان الإفك أي افتراه وبهذا المعنى جاء في القرءان أيضا ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ [سورة ص/7] أي افتراء يقال خلق فلان الكذب واختلقة أي افتراه.

   ويقال في اللغة أيضا خلقت هذا الخشب كرسيا أي سويته أملس بحيث يصلح للجلوس عليه فمعنى خلق هنا سوى وملس.

   ومعنى الرازق الذي يوصل الأرزاق إلى عباده.

   ومعنى العالم المتصف بالعلم، فالله موصوف بعلم أزلي أبدي لا يتغير ولا يزداد ولا ينقص، فالله يعلم بعلمه الأزلي ما كان في الماضي وما سيحصل في المستقبل وما يحصل الآن، فهو سبحانه وتعالى محيط علما بالكائنات التي تحدث إلى ما لا نهاية له، حتى ما يحدث في الدار الآخرة التي لا انقطاع لها يعلم ذلك جملة وتفصيلا. فهو تبارك وتعالى لا يخفى عليه شىء فهو عالم لا كالعلماء لأن علم غيره حادث .

   ومعنى القدير المتصف بالقدرة التامة وهي صفة أزلية أبدية يؤثر بها في الممكنات أي في كل ما يجوز في العقل وجوده وعدمه، بها يوجد ويعدم، وبمعناه القادر إلا أن القدير أبلغ لأن معنى القادر المتصف بالقدرة، وأما القدير فمعناه المتصف بالقدرة التامة.

   ومعنى الفعال لما يريد أنه قادر على تكوين ما سبقت به إرادته، لا يعجزه عن ذلك شىء، يفعل ما يشاء بلا مشقة ولا يمانعه أحد ولا يحتاج إلى استعمال ءالة وحركة ولا إلى استعانة بغيره، ولا تخلف لمراده.

   وتأتي الإرادة بمعنى المحبة كما في قوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [سورة البقرة/185].    ومعنى ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أن كل ما شاء الله في الأزل أن يكون كان وما لم يشأ الله في الأزل أن يكون لا يكون، ولا تتغير مشيئته لأن تغير المشيئة دليل الحدوث، والحدوث مستحيل على الله، فهو على حسب مشيئته الأزلية يغير المخلوقات من غير أن تتغير مشيئته. وهذا اللفظ أجمع عليه المسلمون سلفهم وخلفهم وهو مأخوذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو داود [في سننه] أنه صلى الله عليه وسلم علم بعض بناته «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن» ولم يخالف فيه إلا المعتزلة ومن اتبعهم.

   فكل ما شاء الله في الأزل وجوده دخل في الوجود وما لم يشأ الله في الأزل وجوده لا يدخل في الوجود ولو دعا داع أن يحصل أو تصدق متصدق بنية ذلك.

   قال المؤلف رحمه الله: الذي لا حول ولا قوة إلا به الموصوف بكل كمال يليق به المنزه عن كل نقص في حقه ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ [سورة الشورى/11].

   الشرح أما لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رغب فيه وورد عنه هذا اللفظ بكماله [أخرجه ابن ماجه في سننه]، وثبت عنه بدون زيادة «العلي العظيم» [أخرجه البخاري في صحيحه]، فمن شاء ذكر لا حول ولا قوة إلا بالله، ومن شاء ذكر لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد ورد أيضا بزيادة العزيز الحكيم [أخرجه مسلم في صحيحه]. وورد في حديث رواه الحاكم [في المستدرك] أن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم تنفع لتسعين داء أقلها الهم.

   ومعنى لا حول ولا قوة إلا بالله أي لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله كما ورد ذلك في الحديث الصحيح [أخرجه البزار في مسنده]، فالله تعالى هو الذي يحفظ من الشر من شاء من عباده، فالذي يعمل الشر فبمشيئة الله، والذي يعمل الخير فبمشيئة الله، لكن من عمل خيرا فإن الله تعالى يحب عمله وأما من يعمل شرا فلا يحب الله عمله.

   والله تعالى موصوف بكل كمال يليق به، وإنما قيدت هذه العبارة بلفظ يليق به لأن الكمال إما أن يكون كمالا في حق الله وفي حق غيره [أي لأن الألفاظ التي تدل على الكمال يكون إطلاق بعضها على الله دالا على الكمال كما يكون إطلاقها على المخلوق دالا على الكمال كالعلم، ويكون إطلاق بعضها على الله دالا على الكمال وإطلاقها على العبد دالا على الذم كالجبار وبالعكس كالعاقل] كالعلم أو لا كالوصف بالجبار مدح في حق الله وذم في حق الإنسان، وكالوصف برجاحة العقل مدح في حق الإنسان ولا يجوز أن يوصف الله بذلك، فكما أنه تعالى متصف بكل كمال في حقه فهو منزه عن كل نقص أي ما لا يليق به تعالى كالجهل والعجز والمكان والحيز واللون والحد والتحيز في المكان والجهة. قال أبو جعفر الطحاوي أحمد بن سلامة المتوفى في أول القرن الرابع الهجري في عقيدته التي ذكر أنها بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني وهم من أئمة السلف وذلك لأنه سبك عبارته في هذا الكتاب على أسلوب هؤلاء الأئمة الثلاثة لا لأن ما يذكره في هذا الكتاب مما انفرد به هؤلاء الأئمة الثلاثة: «لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات» معناه لا يجوز على الله أن يكون محدودا. والمحدود عند العلماء ما له حجم كبيرا كان أو صغيرا، كثيفا كالإنسان والشجر أو لطيفا كالنور والظلام، فإذا هو منزه عن أن يكون جالسا لأن المتصف بالجلوس لا بد أن يكون محدودا، والمحدود يحتاج إلى من حده بذلك الحد ولا يجوز أن يحد نفسه بحد يكون عليه لأن معنى ذلك أنه خلق نفسه وذلك محال لأن الشىء لا يخلق نفسه.

   أما الآية ﴿ليس كمثله شىء﴾ [سورة الشورى/11] فهي أصرح ءاية في القرءان في تنزيه الله تعالى التنزيه الكلي، والكاف في ﴿كمثله﴾ لتأكيد النفي، ففي الآية نفي ما لا يليق بالله عن الله. وأما قوله تعالى ﴿وهو السميع البصير﴾ ففيه إثبات ما يليق بالله، السمع صفة لائقة والبصر كذلك، وإنما قدم الله تعالى في هذه الآية التنزيه حتى لا يتوهم أن سمعه وبصره كسمع وبصر غيره.

   فالله تعالى موصوف بأنه ليس كمثله شىء من اللطائف كالنور والروح والهواء ومن الكثائف كالشجر والإنسان، والجسم اللطيف ما لا يضبط باليد والجسم الكثيف ما يضبط باليد أي ما يجس باليد. وهو تعالى لا يشبه العلويات ولا السفليات [العلويات ما كان في السموات والسفليات ما كان في الأرض].

   وقد يأتي بعض أهل الوحدة المطلقة كالشاذلية اليشرطية المنحرفة عن الشيخ علي نور الدين اليشرطي بلفظ متناقض فيقول أحدهم «ليس كمثله شىء وهو عين كل شىء»، ومنهم من يقول «بأنه عين الأشياء» يعنون بذلك أن الله جملة العالم وأفراد العالم أجزاء منه، وقد قال بعضهم «أنا جزء من الله»، ويقول بعضهم أحيانا لشخص «أنت الله وهذا الجدار الله» فهؤلاء لا تأويل لكلامهم ولا يجوز الشك في كفرهم، ومثلهم بعض المتصوفة الذين يقولون: [المتقارب]

وما في الوجود سوى واحد                              ولكن تكثر لما صفا

   معناه العالم هو الله، وهذا البيت من جملة قصيدة منسوبة للشيخ عبد الغني النابلسي في الديوان المنسوب إليه ولا يجوز اعتقاد هذا، ولا نعتقد صحته عن الشيخ عبد الغني لأنه ذكر في بعض كتبه [الفتح الرباني والفيض الرحماني] أن من قال إن الله انحل من شىء أو انحل منه شىء كفر، وهذا ضد هذا البيت. وقال بعض التجانية «اللهم صل على سيدنا محمد عين ذاتك الغيبية» ويرد على هؤلاء بقول الله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [سورة الفاتحة/2] فإن الله أثبت بذلك وجود ذاته ووجود العالم مع بيان أنه خالقه وفي ذلك نفي الحلول والوحدة، وهؤلاء ليسوا صوفية بل الصوفي من قال بقول سيد الصوفية الجنيد البغدادي [الرسالة القشيرية]: «التوحيد إفراد القديم من المحدث»، قال أهل الحق إن الله هو الأزلي الذي لا ابتداء لوجوده وما سواه فهو حادث .

   قال المؤلف رحمه الله: فهو القديم وما سواه حادث وهو الخالق وما سواه مخلوق.

   الشرح أن الله هو وحده الأزلي وما سواه حادث فالعالم حادث الجنس والأفراد وخالفت الفلاسفة في ذلك فقال قسم منهم «العالم العلوي أزلي بمادته وأفراده» ومن هؤلاء إرسطو وتبعه ابن سينا والفارابي، وقال بعضهم «العالم قديم الجنس والنوع حادث الأفراد» وهؤلاء متأخرو الفلاسفة وتبعهم أبو العباس أحمد بن تيمية من غير أن ينسب نفسه إلى اتباعهم بل نسب ذلك زورا وبهتانا إلى أئمة الحديث، قال الإمام بدر الدين الزركشي في الفريقين في «تشنيف المسامع»: «وضللهم المسلمون وكفروهم» معناه أن الفريقين كفار بالإجماع.

   وذكر تلك العقيدة الفاسدة أي أن العالم أزلي بنوعه حادث بأفراده ابن تيمية في سبعة من كتبه: منهاج السنة النبوية، وموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وكتاب شرح حديث النزول، وكتاب شرح حديث عمران بن حصين، وكتاب نقد مراتب الإجماع [كتاب مراتب الإجماع لابن حزم، وابن حزم ضال عقله ناقص فإنه يقول الله قادر على أن يتخذ ولدا وقادر على الظلم. ويقول إن الشخص إذا بال في الماء الراكد فلم يتغير الماء القليل يتنجس الماء أما إذا بال في إناء وسكب البول في الماء لا يتنجس الماء، مثل هذا لا يكون إماما ولا يؤخذ بنقله الذي ينفرد به]، وكتاب الفتاوى، وفي تفسير سورة الأعلى [انظر مجموعة تفسير]، وقد رأيت ذلك بعيني فيها. وقال جلال الدين الدواني في شرح العضدية: «وقد رأيت في بعض تصانيف أحمد بن تيمية القول بالقدم  الجنسي في العرش»، والدواني من علماء القرن التاسع ترجمه السخاوي وقال: «سمعت الثناء عليه من جماعة ممن أخذ عني».  

   والقول بأزلية العالم كالقول بنفي وجود الله تعالى وهما من أكفر الكفر فإن الأول وهو القول بأزلية العالم نفي لخالقية الله، والقول بنفي وجود ذات الله أشد وهو تعطيل للشرائع كلها لأن الشرائع كلها جاءت بإثبات ذات الله فهما من أشد الكفر. والعجب ممن يقول في ابن تيمية بعد أن يعلم بأنه قال بأزلية العالم: لا يكفر. وممن نقل عن ابن تيمية أنه قال بأزلية نوع العالم الحافظ أبو سعيد العلائي [انظر ذخائر القصر لابن طولون] والحافظ شمس الدين محمد بن طولون والحافظ تقي الدين السبكي [الدرة المضية في الرد على ابن تيمية] .

   قال المؤلف رحمه الله: فكل حادث دخل في الوجود من الأعيان والأعمال من الذرة إلى العرش، ومن كل حركة للعباد وسكون والنوايا والخواطر فهو بخلق الله لم يخلقه أحد سوى الله.

   الشرح الأعيان هي الأشياء التي لها حجم إن كانت صغيرة كالذرة أو أصغر منها كالجزء الذي لا يتجزأ لكونه في منتهى القلة أو كبيرة كالعرش الذي هو أكبر المخلوقات حجما وأوسعها مساحة. أما الذرة [وهو هذا الهباء الذي يظهر في الكوة بواسطة الشمس إذا أردت أن  تلمسه لا تحس به]  فهي أصغر الأجرام التي تراها العين، ويوجد ما هو أصغر من الهباء مما لا تراه العيون وله حجم كأصغر حجم خلقه الله تعالى وهو الذي يسميه علماء التوحيد «الجوهر الفرد»، هذا وما زاد عليه الله تعالى هو الذي أوجده، وكذلك أعمال العباد حركاتهم وسكناتهم وأفكارهم ونواياهم وعلومهم وخواطرهم التي تطرأ عليهم بدون إرادتهم ونظرهم بقصد إلى شىء وطرف أعينهم بقصد وبغير قصد الله تعالى هو خلقها فيهم، أما العباد فلا يخلقون شيئا.

   قال المؤلف رحمه الله: لا طبيعة ولا علة.

   الشرح الطبيعة هي الصفة التي جعل الله عليها الأجرام وعرفها بعضهم بأنها العادة، فهذه لا يصح أن تكون خالقة لشىء من الأشياء لأنه لا إرادة لها ولا مشيئة ولا اختيار، وأما الطبائع الأربعة فهي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. 

   وأما العلة فهي كالسبب وهي عندهم مثل حركة الإصبع الذي فيه خاتم، فحركة الإصبع عندهم علة لحركة الخاتم لأن حركة الخاتم تتبع حركة الإصبع. الفلاسفة قالوا إن البارئ تعالى موجود غير أنه علة لسائر الموجودات وسبب لها. والسبب شىء حادث يتوصل به إلى حادث وقد يتخلف عنه مسببه، الجوع حادث والأكل حادث، الأكل سبب لزوال الجوع فلا يقال سبب إلا للمخلوق، أما الله فلا يسمى سببا، قال النسفي في تفسيره: «ومن الإلحاد تسمية الله بالجسم والجوهر والعقل والعلة» اهـ. وقال العلامة ركن الإسلام علي السغدي وهو من أكابر الحنفية [المسامرة شرح المسايرة]: «من سمى الله تعالى علة أو سببا فقد كفر» اهـ.

   قال المؤلف رحمه الله: بل دخوله في الوجود بمشيئة الله وقدرته، بتقديره وعلمه الأزلي لقول الله تعالى ﴿وخلق كل شىء﴾ [سورة الفرقان/2] أي أحدثه من العدم إلى الوجود فلا خلق بهذا المعنى لغير الله، قال الله تعالى ﴿هل من خالق غير الله﴾ [سورة فاطر/3].

   الشرح أن كل ما دخل في الوجود أي وجد بعد أن كان معدوما من الأعيان أي الأجسام والجواهر مما يقوم بذاته والأعمال ما كان منها خيرا وما كان منها شرا والنوايا والخواطر التي لا نملك منعها من أن ترد هو بخلق الله تعالى فيدخل في ذلك أعمال العباد الاختيارية وغير الاختيارية، وهذا موافق ومنسجم مع قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن قلوب بني ءادم بين إصبعين من أصابع الرحمٰن يقلبها كيف يشاء» [أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي في سننه]. وليس معنى الحديث وصف الله بالجارحة كما زعمت المشبهة إنما هو بمعنى التقريب أي أن الله يتصرف بقلوب عباده كما يشاء من غير أن يلحقه تعب ومشقة بل بمحض إرادته الأزلية وقدرته الأزلية يحدثها من العدم إلى الوجود، وقد كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» رواه مسلم [في صحيحه] والبيهقي [في الاعتقاد] والحاكم [في المستدرك].

   وخالفت في ذلك المعتزلة أي في أفعال العبد الاختيارية فقالت إن العبد هو خالقها فكفرهم العلماء المحققون كأبي منصور البغدادي [في أصول الدين] والإمام البلقيني [في حواشي الروضة] – وهو من أكابر أصحاب الوجوه من الشافعية – والإمام أبي الحسن شيث بن إبراهيم المالكي [في حز الغلاصم في إفحام المخاصم] وغيرهم؛ وكذبت في ذلك المعتزلة قول الله تعالى ﴿وخلق كل شىء﴾ وقوله ﴿هل من خالق غير الله﴾ وغيرهما. ومعنى الخلق هنا الإبراز من العدم إلى الوجود؛ ولفظة شىء في هذا الموضع شاملة لكل ما دخل في الوجود .

    قال المؤلف رحمه الله: قال النسفي: فإذا ضرب إنسان زجاجا بحجر فكسره فالضرب والكسر والانكسار بخلق الله تعالى، فليس للعبد إلا الكسب، وأما الخلق فليس لغير الله قال الله تعالى ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [سورة البقرة /286].

   الشرح الضرب هو فعل العبد وقد يحصل منه انكسار وقد لا يحصل، والكسر هو فعل العبد الذي فعله في الزجاج بواسطة الرمي بالحجر، وأما الانكسار فما يحصل من الأثر في الزجاج، فليس للعبد من عمله إلا الكسب وهو توجيه العبد قصده وإرادته نحو العمل فيخلقه الله عند ذلك [فالكسب هو قيام الفعل الاختياري بالعبد بتخليق الله] قال تعالى ﴿لها ما كسبت﴾ أي من الخير ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ أي من الشر.

   ومعنى قوله تعالى ﴿لها ما كسبت﴾ أي للنفس جزاء ما عملته من عمل الخير أي تنتفع بذلك، ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ أي عليها وبال ما اكتسبته من عمل الشر أي يضرها ذلك، فأثبت الله تعالى الخلق لنفسه وتمدح بذلك لأنه شىء يختص به وأثبت للعبد الكسب وهذا هو المذهب الحق.

   ومن أوضح الأدلة على مذهب أهل الحق أي على أن العباد لا يخلقون شيئا من أفعالهم قوله تعالى ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [سورة الأنفال/17] فإن القتل للكفار حصل منهم ونسبه الله إليهم معنى من حيث الظاهر أي الكسب ونفاه عنهم من حيث التكوين كذلك رمي الرسول بالحصى الذي ملأ أعينهم فانهزموا حصل من الرسول كسبا فنسبه الله إليه من حيث الكسب ونفى عنه من حيث التكوين أن يكون خالقا لرميه.

   قال المؤلف رحمه الله: وكلامه قديم كسائر صفاته لأنه سبحانه مباين لجميع المخلوقات في الذات والصفات والأفعال سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

   الشرح أن كلام الله وقدرته ومشيئته وسمعه وبصره وعلمه وبقاءه وحياته، هذه الصفات صفات ثابتة لذات الله الأزلي الأبدي فهي أزلية أبدية لأن الذات الأزلي لا يقوم به صفة حادثة فكلامه قديم أزلي لا ابتداء له. وما كان كذلك فلا يكون حرفا وصوتا ولغة ولا يبتدأ ولا يختتم، ولذلك لا يقال عن الله ناطق لأنه لا يتكلم بحرف وصوت بل يقال متكلم لأنه يتكلم بكلام ليس بحرف وصوت. فالقرءان والتوراة والإنجيل والزبور وسائر كتب الله إن قصد بها الكلام الذاتي فهي أزلية ليست بحرف ولا صوت، وإن قصد بها اللفظ المنزل الذي بعضه بلغة العرب وبعضه بالعبرانية وبعضه بالسريانية فهو حادث مخلوق لله لكنها ليست من تصنيف ملك ولا بشـر، فهي عبارات عن الكلام الذاتي الذي لا يوصف بأنه عربي ولا بأنه عبراني ولا بأنه سرياني، وكل يطلق عليه كلام الله، أي أن صفة الكلام القائمة بذات الله [أي الثابتة له] يقال لها كلام الله واللفظ المنزل الذي هو عبارة عنه يقال له كلام الله؛ فتبين أن القرءان له إطلاقان أي له معنيان:

   الأول إطلاقه على الكلام الذاتي الذي ليس هو بحرف ولا صوت ولا لغة عربية ولا غيرها .

   والثاني إطلاقه على اللفظ المنزل الذي يقرؤه المؤمنون [والدليل على أن القرءان يطلق ويراد به اللفظ المنزل قوله تعالى ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ [سورة الفتح/15] والكفار يريدون تبديل اللفظ المنزل وليس الصفة الذاتية. وكذلك قوله تعالى ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [سورة التوبة/6].

   وذلك الكلام الذي ليس حرفا ولا صوتا يقال له قرءان وتوراة وإنجيل وزبور، أما ألفاظ القرءان وألفاظ التوراة وألفاظ الإنجيل وألفاظ الزبور المنزلة فهذه مخلوقة الله خلقها، ولكنها ليست من تأليف الأنبياء ولا جبريل إنما هي مكتوبة في اللوح المحفوظ أمر الله جبريل أن يأخذها وينزلها على أولئك الأنبياء الأربعة. جبريل عرف أمر الله له لأن الله أسمعه كلامه الذي ليس حرفا ولا صوتا ففهم منه أن يأخذ ذلك الذي كتب على اللوح المحفوظ وينزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ففعل ذلك جبريل، ثم الرسول قرأه على الصحابة، جبريل قرأ القرءان على الرسول – أي أسمعه إياه – فتلقاه الرسول من جبريل بالحرف والصوت ثم الصحابة تلقوا من الرسول، أما يوم القيامة فيسمع كل واحد كلام الله الذي ليس حرفا ولا صوتا ويفهمون عن أي شىء يسألهم وماذا يقول لهم، المؤمنون يفرحون عند ذلك أما الكفار فينزعجون عند سماع كلامه.

   وتقريب ذلك أن لفظ الجلالة (الله) عبارة عن ذات أزلي قديم أبدي، فإذا قلنا «نعبد الله» فذلك الذات هو المقصود وإذا كتب هذا اللفظ فقيل ما هذا؟ يقال «الله» بمعنى أن هذه الحروف تدل على ذلك الذات الأزلي الأبدي لا بمعنى أن هذه الحروف هي الذات الذي نعبده، فصفة الكلام أزلية أبدية لا يجوز أن تكون حرفا أو صوتا لأن الحرف والصوت مخلوقان بالمشاهدة [أي بطريق الحس]، فكما أن صفاته من العلم والقدرة والإرادة وغير ذلك أزلية قديـمة كذلك كلامه الذاتي أزلي قديم ليس حرفا ولا صوتا، وذلك لأنه سبحانه مباين أي غير مشابه لجميع المخلوقات في الذات، أي ذاته لا يشبه ذوات المخلوقات أي حقيقته لا تشبه الحقائق، وفي الصفات أي صفاته لا تشبه صفات المخلوقات، وفي الفعل أي فعله لا يشبه فعل المخلوقات لأن فعل الله تعالى أزلي أبدي والمفعول حادث كما أن قدرة الله تعالى أزلية ومقدوره حادث [والمقدور هو المخلوق]، فنحن العوالم كلنا مقدورون لله تعالى أوجدنا بقدرة أزلية أبدية [ومن قال الأفعال حادثة وهم الكثيرون من الأشاعرة لا يعتبرون صفات الأفعال قائمة بذات الله بل هي عندهم ءاثار القدرة القديـمة فلا يبدعون ولا يضللون. لو قال فعل الله أثر القدرة القديـمة لا يكفر ولا يقال إنه أهل بدعة أي لا يقال إن ذلك بدعة اعتقادية]. قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه [في الفقه الأكبر] والبخاري [في صحيحه] رحمهما الله تعالى «فعله تعالى صفته في الأزل والمفعول حادث» هذا عند أبي حنيفة وأتباعه والبخاري أيضا معهم في هذه المسئلة يقولون الله تعالى يفعل فعلا بقدرته الأزلية وبتكوينه الأزلي بلا مباشرة ولا مماسة لشىء، أما الأشاعرة يقولون فعل الله ليس صفة ذاتية قائمة بذات الله إنما فعل الله عبارة عن أثر القدرة، القدرة قديـمة ومتعلقاتها مخلوقة حادثة، أما فعل الله عند الماتريدية والبخاري أزلي. البخاري قبل الماتريدية لكن الماتريدية وافق قولهم قول البخاري وغيره من السلف، فعل الله عندهم قديم أزلي إنما مفعوله حادث. ذوات العالم مفعول الله أما فعل الله إياها أي خلقه إياها قديم أزلي. وكل من المذهبين يجوز اعتقاده وكلا المذهبين يقولان الله يوجد ما شاء وجوده بلا تعب ولا مشقة ولا تأخر عن الوقت الذي شاء في الأزل أن يوجد المخلوق فيه وأنه يوجد المخلوقات بلا مباشرة ولا مماسة، إنما الهلاك والضلال المبين قول المعتزلة وقول المشبهة. المعتزلة يقولون الله ليس له كلام قائم بذاته إنما كلامه ما يخلقه في غيره وهذا كفر. والمشبهة القدماء والمحدثون وهم الوهابية يقولون الله متكلم بحرف وصوت وهؤلاء أيضا كفروا لأنه لو كان يتكلم بالحرف والصوت لكان مثلنا ولو كان مثلنا لكان حادثا ولم يكن خالقا. فالحق ما قاله أهل السنة إن كلام الله معنى قائم بذاته لا يتبعض قديم أزلي. كذلك عندهم علمه وقدرته وسمعه وبصره ومشيئته وحياته كل أزلي فلا يتصف الله بصفة حادثة تقوم بذاته، هذه الصفات يقال لها صفات المعاني [سميت كذلك لأن كلا منها معنى متحقق يصح أن يراه العبد إذا أقدره الله تعالى على ذلك] وهي هذه السبعة، بعض أهل السنة زاد البقاء بقاء الله أيضا عندهم صفة ذاتية قديـمة أزلية من صفات المعاني. اليوم أكثر أهل السنة أشاعرة على مذهب أبي الحسن الأشعري وما عليه الماتريدية أيضا حق لا يقال لمن يقول به بدعي، والبدعي هو من عقيدته خلاف عقيدة أهل السنة منهم المعتزلة ومنهم المشبهة ومنهم المرجئة ومنهم الجبرية، وهم أي البدعيون في الاعتقاد اثنتان وسبعون فرقة، والمشبهة أيضا فرق متعددة. هؤلاء الوهابية مشبهة يشبهون الله بخلقه لأن الله عندهم جسد له أعضاء وله حيز يستقر فيه وهو العرش، وعند بعض مستقره الفراغ الذي فوق العرش، وكان من المشبهة من يقول الله بصورة شاب أمرد أي لم تنبت له لحية، وكان منهم من يقول الله بصورة شيخ أشمط أي الذي اختلط سواد شعره ببياضه أولئك أشنع لكن كلهم كفار، كل جعلوه جسما والجسم لا يكون إلا حادثا فهم كفار لأنهم جعلوا الله حادثا. لو كان الله جسما لم يستطع أن يخلق الجسم، الشمس جسم لا تستحق أن تكون إلها، ومعبود المشبهة هو جسم، فلو كان الله تعالى كما يقولون لما استطاع أن يخلق شيئا، لو قيل للوهابي على لسان عابد الشمس أنت تعبد جسما تخيلته تقول إنه ساكن على العرش لم تره ولا نحن رأيناه وأما هذه الشمس أنت تراها ونحن نراها ونحن نرى منافعها وأنت ترى فكيف لا يجوز أن تكون هذه الشمس إلها ويجوز عندك أن يكون ذلك الجسم الذي تخيلته إلها، الوهابي ليس له جواب، غاية ما عنده أن يقول قال الله تعالى ﴿الله خالق كل شىء﴾ [سورة الرعد/16]، فيقول عابد الشمس أنا لا أؤمن بكتابك أعطني دليلا عقليا فينقطع الوهابي ليس عنده جواب يقطعه به. أما نحن نقول الشمس جسم له هيئة وشكل مخصوص وحد مخصوص تحتاج إلى من أوجدها على هذا الحد وعلى هذا الشكل فلا تصلح أن تخلق شيئا، أما الله فهو موجود ليس جسما ليس له شكل ولا حد أي كمية لا هو حجم صغير ولا هو حجم كبير وهو الذي يصح أن يكون خالقا للعالم الذي هو حجم له صفات فينقطع عابد الشمس، والحمد لله على مذهب أهل السنة.

   فائدة سمع الله وبصره ليس كسمعنا وبصرنا نحن نسمع الشىء بسمع يحدث لنا عند ظهور الصوت، ونرى الأشياء برؤية تحدث لنا عندما نرى الأشياء، أما الله يسمع الأصوات بسمع أزلي أبدي ليس بسمع حادث عند حدوث الأصوات، ويرى برؤية ليست حادثة عند وجود المبصرات الحادثة. كل صفاته كحياته، حياته ليس لها انقطاع أي لا يتخللها انقطاع كذلك كلامه وسمعه وبصره وقدرته ومشيئته وعلمه وبقاؤه هذه الصفات أيضا كحياته لا انقطاع لها .
   ومعنى «سبحانه» تنزيه أي تنزيها لله تعالى، ومعنى تعالى تنزه، وهو تبارك وتعالى متعال أي متنزه عما يقول الظالمون أي الكافرون. ولما كان الكفر هو أعلى الظلم وأكبره وأشده أطلق الله في القرءان الظالمين وأراد به الكافرين لأن كل الظلم الذي هو دون الكفر بالنسبة إلى الكفر كلا ظلم قال تعالى ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ [سورة البقرة/254]

   الكفار هم أكبر ظلما أي أن كفرهم أكبر من كل ذنب، وكل الظلم دونه.

   ومعنى «علوا كبيرا» تنزها مؤكدا.

   قال المؤلف رحمه الله: فيتلخص من معنى ما مضى إثبات ثلاث عشرة صفة لله تعالى تكرر ذكرها في القرءان إما لفظا وإما معنى كثيرا وهي الوجود والوحدانية والقدم أي الأزلية والبقاء وقيامه بنفسه والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والحياة والكلام والمخالفة للحوادث.

   الشرح اشتهر التعبير بهذه العبارة مخالفة الله للحوادث أي أن الله لا يشبه شيئا فالعبارتان معناهما واحد. وسبع من هذه الصفات المذكورة في المتن يقال لها صفات المعاني والوجود يقال له صفة نفسية [قال بعضهم: سميت كذلك لأن الذات لا يتعقل بدون هذه الصفة] وأما الوحدانية والقدم ومخالفته للحوادث وقيامه بنفسه أي أنه لا يحتاج إلى غيره فتسمى صفات سلبية. أما البقاء فالإمام أبو الحسن الأشعري عده من صفات من صفات المعاني وبعض أتباعه عده من الصفات السلبية، والسلبية معناها التي تنفي عن الله ما لا يليق به، الوحدانية تنفي عن الله التعدد والمثل، والقدم ينفي عن الله الحدوث، والبقاء ينفي عن الله طروء العدم عليه، والمخالفة للحوادث تنفي عن الله الشبيه والمثل، والقيام بالنفس ينفي عن الله الحاجة إلى الغير، لهذا سموا هؤلاء صفات سلبية أي تنفي عن الله ما لا يليق به أما الوجود فيسمونه صفة نفسية لأن الذات لا يتعقل بدون هذه الصفة، والجملة ثلاث عشرة صفة من نفى صفة منها فهو كافر، وأما من لم يخطر في باله أن لله ثلاث عشرة صفة لجهله ولم ينف ولم يشك في واحدة منها لكن ما مرت على باله بالمرة واعتقد معنى الشهادتين فهو مسلم [لكنه أثم بترك التعلم].

   وهذه الصفات الثلاث عشرة الواجبة لله تجب معرفتها على كل مكلف ولا يجب عليه حفظ ألفاظها. فيتلخص من معنى ما مضى إثبات ثلاث عشرة صفة لله تعالى تكرر ذكرها إما باللفظ الظاهر وإما بالمعنى الوارد في النصوص في القرءان والحديث وهي:

   (1) الوجود أي أن الله تعالى موجود قال الله تعالى ﴿أفي الله شك﴾ [سورة إبراهيم/10]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «كان الله ولم يكن شىء غيره» [أخرجه البخاري في صحيحه].

   (2) والوحدانية أي أنه واحد لا شريك له قال الله تعالى ﴿لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا﴾ [سورة الأنبياء/22]، أي لو كان لهما ءالهة غير الله لفسدتا [أي لما انتظمتا]، أو «في» هنا بمعنى «على» أي لو كان عليهما أي مسيطر على الأرض والسماء ءالهة إلا الله أي غير الله لفسدتا أي السموات والأرض.  

   (3) والقدم أي أنه لا ابتداء لوجوده قال الله تعالى ﴿هو الأول والآخر﴾ [سورة الحديد/3].

   (4) والبقاء أي أنه لا نهاية لوجوده لا يموت ولا يهلك ولا يتغير قال الله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ [سورة الرحمٰن/27] أي ذاته [وقال الرازي في تفسير الآية «والمراد بوجهه ذاته» اهـ وقال البيضاوي في تفسيره «﴿ويبقى وجه ربك﴾ ذاته» اهـ].   

   (5) والقيام بالنفس أي أنه مستغن عن كل ما سواه وكل ما سواه محتاج إليه، فالعالم لا يستغني عن الله طرفة عين قال الله تعالى ﴿فإن الله غني عن العالمين﴾ [سورة ءال عمران/97].

   (6) والقدرة أي أن الله قادر على كل شىء أي كل ممكن عقلي يجوز عقلا وجوده وعدمه، فالله لا يعجزه شىء قال الله تعالى ﴿وهو على كل شىء قدير﴾ [سورة المائدة/120].

   والقدرة صفة أزلية أبدية يؤثر الله بها في الممكنات إيجادا وإعداما.

   (7) والإرادة أي المشيئة وهي تخصيص الممكن العقلي ببعض ما يجوز عليه من الصفات دون بعض وبوقت دون ءاخر قال الله تعالى ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [سورة التكوير/29].

   (8) والعلم أي أن الله يعلم كل شىء بعلمه الأزلي ولا يتجدد له علم لأن علمه علم واحد شامل لكل المعلومات قال الله تعالى ﴿وأن الله قد أحاط بكل شىء علما﴾ [سورة الطلاق/12].

   (9) والسمع والبصر أي أن الله يسمع بسمعه الأزلي الذي ليس كسمع غيره ويرى برؤيته التي ليست كرؤية غيره قال الله تعالى ﴿وهو السميع البصير﴾ [سورة الشورى/11].

   (10) والحياة أي أن الله حي بحياة أزلية أبدية ليست بروح ولحم ودم قال الله تعالى ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [سورة البقرة/255].

   (11) والكلام أي أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام أزلي أبدي ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة قال الله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [سورة النساء/164].

   (12) والمخالفة للحوادث أي جميع المخلوقات أي أنه لا يشبه شيئا من خلقه قال الله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ [سورة الشورى/11].

   قال المؤلف رحمه الله: فلما كانت هذه الصفات ذكرها كثيرا في النصوص الشرعية قال العلماء تجب معرفتها وجوبا عينيا.

   الشرح أنه تجب معرفة هذه الصفات وجوبا عينيا على كل مكلف نص على ذلك العديد من العلماء المتأخرين منهم محمد بن يوسف السنوسي صاحب العقيدة السنوسية [انظر رسالته أم البراهين المعروفة بالصغرى] المتوفى سنة ثمانمائة وخمس وتسعين، ومحمد بن الفضالي الشافعي [في كفاية العوام] المتوفى سنة ألف ومائتين وست وثلاثين، وعبد المجيد الشرنوبي المالكي [في شرح تائية السلوك] المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وثمان وأربعين، وقبلهم بكثير ذكر مثل ذلك أبو حنيفة في كتاب «الفقه الأكبر»، وعلى مثل ذلك نص الحافظ النووي في كتاب «المقاصد»، وغيرهم كثير.  

   ثم إن المتأخرين من علماء أهل السنة اصطلحوا على تسمية سبع صفات صفات المعاني كما تقدم وهي القدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام والحياة مع الخلاف في عد البقاء معها، وتسمية سبع لازمة لهذه السبع بالصفات المعنوية [وسميت كذلك لأنها لازمة لصفات المعاني] وهي كونه تعالى قادرا وكونه مريدا وكونه عالما وكونه حيا وكونه سميعا وكونه بصيرا وكونه متكلما، وقال بعضهم تجب معرفتها كلها عينا، واقتصر بعضهم على الاكتفاء بمعرفة السبع الأولى عن معرفة الصفات السبعة المعنوية لأن معرفة صفات المعاني تستلزم معرفة ثبوت الصفات المعنوية لله فإنه يلزم من معرفة ثبوت العلم لله معرفة كونه عالما أما الصفات السلبية والصفة النفسية فلا بد من معرفتها.

   قال المؤلف رحمه الله: فلما ثبتت الأزلية لذات الله وجب أن تكون صفاته أزلية لأن حدوث الصفة يستلزم حدوث الذات.

   الشرح أنه لما كان ذات الله أزليا وجب أن تكون صفاته أزلية، ومعنى صفاته المعاني القائمة بذاته كالقدرة والإرادة، ولما كان ذات الله أزليا علمنا أن قدرته أزلية وكذلك سائر صفاته لأنه لو كان يحدث في ذات الله تعالى حوادث لوجب أن يكون ذاته حادثا لأن معنى ذلك أنه يتغير من حال إلى حال والمتغير لا يكون إلها، فلما ثبت في العقل قدم الله تعالى وأزليته ثبوتا قطعيا وجب أن تكون صفاته أزلية.

   ثم إن علماء أهل السنة قالوا تجب معرفة الدليل العقلي على وجود الله فمن لم يعرفه فهو مؤمن عاص، ويكفي أن يقول الشخص في قلبه لو لم يكن الله تعالى موجودا قائما بنفسه لا يحتاج لغيره لم يحدث هذا العالم؛ وكذلك بقية الصفات لو لم يكن متصفا بها لم يحدث شىء من هذا العالم، والعالم وجوده مشاهد فوجب أن يكون بإيجاد الله.

   ومن الأدلة العقلية أن يقول الشخص في نفسه أنا كنت بعد أن لم أكن وما كان بعد أن لم يكن فلا بد له من مكون، فأنا لا بد لي من مكون، وذلك المكون الذي كونني موجود لا يشبه شيئا وهو المسمى الله. ومن الدليل كذلك أن يقال العالم متغير وكل متغير حادث فالعالم حادث والحادث لا بد له من محدث وذلك المحدث موجود لا يشبه شيئا متصف بتلك الصفات المذكورة، يستطاع معرفة ذلك لو لم يأتنا خبر الأنبياء به لذلك قال أبو حنيفة [في الفقه الأكبر] لا يعذر أحد بالجهل بخالقه، فعنده من لم تبلغه دعوة الإسلام مكلف بمعرفة خالقه فإذا مات وهو جاهل بخالقه دخل نار جهنم خالدا فيها، وأما الجمهور من علماء المسلمين فقالوا لا يكون المرء مكلفا إلا ببلوغ دعوة رسول واستدل هؤلاء بقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [سورة الإسراء/15]. ومما قاله بعض الشعراء في الاستدلال على وجود الله ما قاله أبو العتاهية وهو من المتقدمين:[المتقارب]

ألا إننا كلنا بائد                      وأي بني ءادم خالد

فيا عجبا كيف يعصى الإلــــــه أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل تحريكة ءاية                  وفي كل تسكينة شاهد

وفي كل شىء له ءاية                  تدل على أنه واحد

   وقول أبي نواس [أي في شعراء العصر العباسي]: [الوافر]

تأمل في رياض الأرض وانظـر                  إلى ءاثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات           وأحداق لها ذهب سبيك

على قضب الزبرجد شاهدات                 بأن الله ليس له شريك

يعني النرجس.

   هذا وقال بعضهم كالحافظ السيوطي إن المؤمن لا يخلو عن الاستدلال الطبيعي، وقال بعض إنه لا يتصور أن يخلو منه إلا من نشأ في نحو شاهق جبل، ثم هذا إذا سمع جماعة يقولون إن للخلق ربا خلقهم فصدق بما سمع إجلالا لهم عن الخطإ من غير استدلال منه بالمرة فهذا هو المقلد الصرف، هذا إذا اعتقد ما سمعه وجزم به وصدق بما سمعه وأنه وجد شخص يسمى محمدا هو رسول الله، فالقول الصحيح فيه أنه مسلم خلافا للمعتزلة القائلين بأنه لا بد لصحة الإسلام من معرفة الدليل العقلي.