الأحد يناير 25, 2026

مظاهر محبة السَّلَفِ الصَّالح والأئمةِ الأعلام للنبي الأعظم ﷺ

 

لِطَيْبَةَ عَرِّجْ إنَّ بيْنَ قِبابِها

 

 

حَبيباً لأدواءِ القُلوبِ طبيبُ

 

إذا لم تَطِبْ في طيبةٍ عندَ طيِّبٍ

 

 

بِهِ طابَتْ الدُّنيا فَأيْنَ تطيبُ

 

يا عُشّاق الحبيب مُحمّد… ويا أحباب النبيّ الأعظم مُحمّد

كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان والأئمة الأعلام قلوبهم عامرة بحب الله تعالى وحب رسوله المصطفى ﷺ، وقد كثرت الأخبار عنهم التي تدل على عظيم محبتهم لنبيهم ﷺ وشدة هُيامهم وشوقهم له، وقد قال الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام: “مِنْ أشدّ أمتي لي حُبّاً ناسٌ يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله” رواه أحمد في مسنده.

ويقول ﷺ: “وَدِدْتُ لو رأيتُ إخواني” قيل: أولسنا إخوانك يا رسول الله، قال: “أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتوني من بعدي يودٌّ أحدهم أن لو رآني بأهله وماله” رواه مسلم، ورواه القشيري في الرسالة بلفظ أحبابي.

فتعالوا يا أحباب وعشاق محمّد ونحن نتحدث عن “الحبّ الأسمى” أن نتحدث عن الحب والغرام والهُيام الذي كان لدى الصحابة وغيرهم من السلف الصالح في حبهم لنبيهم ﷺ وشدة شوقهم إليه في حياته وبعد مماته.

فقد سئل يوماً الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ؟ فقال: كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآباءنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ.

وعن عَبْدة بنت خالد بن مَعْدان رضي الله عنه تُخبر عن أبيها فتقول: ما كان خالد يأوي إلى فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله ﷺ وإلى من المهاجرين والأنصار يُسميهم ويقول: هم أصلي وفصلي وإليهم يحن قلبي، طال شوقي إليهم فعجل رب قبضي إليك، حتى يغلبه النوم.

وورد أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها وابنها يوم أُحُد مع رسول الله ﷺ فقالت بعد أن استقبلت بأخيها وزوجها وابنها وهم أموات قتلى قالت: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا لها: خيراً هو بحمد الله كما تُحبين، قالت: أرُونيه حتى أنظر إليه فلما رأته ﷺ قالت: كل مصيبة بعدك جَلَل (أي هيّن لا أُبالي به، ولا أحزن عليه)، وفي رواية أنها أخذت بثوب النبي ﷺ وجعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أُبالي إذا سلمت من عطب.

ويُروى عن أنس بن مالك لما كان يوم أُحُد حاص أهل المدينة حيصة وقالوا قُتل محمد حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة فخرجت امرأة من الأنصار متحزمة فاستقبلت بابنها وأبيها وزوجها وأخيها لا أدري أيهم استقبلت به أولاً فلما مرت على آخرهم قالت من هذا قالوا أبوكِ أخوكِ زوجكِ ابنكِ. تقول ما فعل رسول الله ﷺ يقولون أمامك حتى دفعت إلى رسول الله ﷺ فأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمتَ من عَطب، رواه الطبراني في الأوسط.

وأيضاً عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال له: متى الساعة؟ قال (أي الرسول ﷺ): “وماذا أعددتَ لها؟” قال (أي الرجل): لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ، فقال (أي الرسول ﷺ): “أنت مع مَنْ أحببتَ”. قال أنس رضي الله عنه: فما فَرِحنا بشيء فَرَحنا بقول النبي ﷺ “أنت مع مَنْ أحببتَ”، ثم قال أنس: فأنا أحبُّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل عملهم([1]).

ومما ورد في شدة محبة الصحابة لنبيهم ﷺ  وشدة تعلق قلوبهم برؤيته وشوقهم إليه وعدم تحمل مفارقته أن رجلاً أتى النبي المصطفى ﷺ  فقال: يا رسول الله أنت أحب إلي من أهلي ومالي وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجيء إليك فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإن دخلتها لا أراك، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً(69)} [سورة النساء].

فدعا الرسول الأعظم ﷺ هذا الرجل وقرأ عليه هذه الآية رواه أبو نعيم.

وورد أيضاً في حديث آخر أن رجلاً كان عند النبي ﷺ ينظر إليه ﷺ لا يطرف- أي لا يصرف بصره عنه- فقال له عليه الصلاة والسلام: “ما بالك؟” قال: بأبي أنت وأمي أتمتع من النظر إليك فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية.

ويقول الرسول الأعظم وهو الحبيب المحبوب ﷺ: “من أحبني كان معي في الجنة”. رواه الأصبهاني في الترغيب.

ويقول عليه الصلاة والسلام: “المرءُ من أحبَّ” متفق عليه.

ومعناه الله تبارك وتعالى يجمعهم بهم يوم القيامة وينتفع بهم إن كانوا صُلحاه.

يا عُشّاق وأحبابَ مُحمّد النبيّ الأعظم ﷺ

إنّ من النماذج الرائعة في حب الصحابة لنبيّهم ﷺ وشدة تعلق قلوبهم بملازمته وصحبته حتى بعد مماته ما رواه الإمام مسلم من أن ربيعة بن كعب الأسلمي الذي خدم رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ من باب حب المكافأة؟: “سلني” فطلب هذا الصحابي من رسول الله ﷺ أن يكون رفيقه في الجنة، فقال له: أسألك مرافقتك في الجنة. فلم ينكر عليه رسول الله ﷺ سؤاله: بل قال له من باب التواضع: “أو غير ذلك” فقال هذا الصحابي: “هو ذاك”. فقال له ﷺ: “فأعني على نفسك بكثرةِ السجود” رواه مسلم.

وثبت أيضاً أن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خَدِرت رجله، فقيل له: اذكر أحبّ الناس إليك يزل عنك، فقال: يا محمد. فكأنما نشط من عقال- أي تعافى فوراً- والخدر غير التنميل الذي نعرفه، بل هو مرض من نوع الشلل يتعطل منه العضو عن الحس والشعور([2]).

ولما احتضر الصحابي الجليل بلال الحبشي رضي الله عنه وكان مؤذن الرسول ﷺ، نادت امرأته: واحُزناه. فقال رضي الله عنه وهو على فراش الموت: واطرَبَاهُ غداً ألقى الأحبة محمّداً وصحبه.

ومما ورشد في شدة حب الصحابة رضوان الله عليهم لنبيّهم ﷺ وتفاديهم في إبعاد الأذى والضر عنه أنه لما أخرج أهل مكة الصحابي الجليل زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان بن حرب: “أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك؟” فقال زيد رضي الله بلسان العشق والهُيام لنبيه المصطفى ﷺ: “والله ما أُحبُّ أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني جالس في أهلي”، فقال أبو سفيان: “ما رأيتُ من الناس أحداً يحب أحداً كحبّ أصحاب محمد محمداً ﷺ ” رواه أبو نعيم الأصبهاني.

فائدة: عن مُعاذ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده يوماً ثم قال: “يا مُعاذ واللهِ إني لأحبّك” فقال له مُعاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وأنا أحبك، قال: “أوصيك يا مُعاذ أن لا تدعنَّ في دُبُرِ كل صلاة أن تقول: “اللهُمَّ أعني على ذكرك وشكرِك وحسن عبادتك” رواه أبو داود.

([1] ) رواه البخاري في كتاب صحيح البخاري باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوى.

([2] ) رواه البخاري في الأدب المفرد.