الخميس يناير 29, 2026

مسألة مهمة في لفظ الكيف والتكييف

معنى الكيفية في اللغة:

قال الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي([1]): «الكيف: القطع، وقد كافه يكيفه، ومنه كيف الأديم (الجلد) تكييفا: إذا قطعه … والغالب فيه أن يكون استفهاما عن الأحوال إما حقيقيا ككيف زيد؟ أو غيره مثل: كيف تكفرون بالله {28} (البقرة)، فإنه أخرج مخرج التعجب والتوبيخ.

ويقع خبرا قبل ما لا يستغنى عنه ككيف أنت؟ وكيف كنت؟ ويكون حالا لا سؤال معه، كقولك: لأكرمنك كيف كنت أي: على أي حال كنت، وحالا قبل ما يستغنى عنه ككيف جاء زيد؟ ويقع مفعولا مطلقا مثل: ألم تر كيف فعل ربك {6} (الفجر)» اهـ.

وقال الرازي([2]): «كيف اسم مبهم غير متمكن، وإنما حرك آخره لالتقاء الساكنين وبني على الفتح دون الكسر لمكان الياء.

وهو للاستفهام عن الأحوال.

وقد يقع بمعنى التعجب كقوله تعالى: كيف تكفرون بالله {28}  (البقرة).

وإذا ضم إليه «ما» صح أن يجازى به، تقول: كيفما تفعل أفعل» اهـ.

فيتلخص من ذلك أن «كيف» في اللغة العربية تستعمل بمعنى:

الاستفهام عن الأحوال أو الحال دون استفهام، وهذا هو المعنى الذي نحن بصدده.

بيان الحال والهيئة مجردا عن الاستفهام.

القطع، وهذا أيضا له تعلق بما نحن فيه لأن ما له مقطع ونهاية فهو جسم.

التعجب.

الجزاء.

الكيفية مصدر «كيف»:

قال ابن منظور([3]): «وقال ـ أي الزجاج([4]) ـ في مصدر كيف:
الكيفية» اهـ.

وقال الزبيدي([5]): «وأما قول شيخنا ـ يعني الفاسي([6])ـ: وينبغي أن يزيد قولهم: الكيفية أيضا، فإنها لا تكاد توجد في الكلام العربي. قلت: نعم، قد ذكره الزجاج فقال: والكيفية مصدر كيف، فتأمل» اهـ.

فإذا كانت الكيفية هي المصدر من كيف فمعناها إذا: «الحالة التي عليها الشىء»، والتكييف هو «جعل الشىء ذا كيفية».

نفي الكيفية عن الله تعالى:

الكيفية منفية عن الله تعالى وعن صفاته لأنها تستعمل في حق المخلوق، ومما يدل على ذلك قول الإمام مالك رضي الله عنه([7]) في حق الله تعالى([8]): «والكيف غير معقول»، وفي رواية([9]): «والكيف عنه مرفوع» يعني أن الجسمية والتشخص غير معقولين في صفات رب العالمين، وهما مرفوعان عنه سبحانه، معناه لا يليقان بالله.

وقد أخرج البيهقي([10]): «أن رجلا دخل على الإمام مالك فقال: يا أبا
عبد الله الرحمن على العرش استوى {5} (طه) كيف استواؤه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء([11])، ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة، أخرجوه، فأخرج الرجل» اهـ. وفي رواية: «الاستواء معلوم، ولا يقال كيف، والكيف غير معقول([12])» اهـ. ومعنى «الاستواء معلوم» أي معلوم وروده في القرآن أي بأنه مستو على عرشه استواء يليق به، ومعنى «والكيف غير معقول» أي الشكل والهيئة والجلوس والاستقرار ونحو ذلك غير معقول، أي لا يقبله العقل، وهذه لا تجوز على الله لأن ذلك من صفات الأجسام.

قال القرافي([13]): «ومعنى قول مالك: «الاستواء غير مجهول» أن عقولنا دلتنا على الاستواء اللائق بالله وجلاله وعظمته وهو الاستيلاء دون الجلوس ونحوه مما لا يكون إلا في الأجسام، وقوله «والكيف غير معقول» معناه أن ذات الله لا يوصف بما وضعت له العرب لفظ «كيف»، وهو الأحوال المتنقلة والهيئات الجسمية، فلا يعقل ذلك في حقه لاستحالته في جهة الربوبية» اهـ. أي لاستحالته في حق الله.

[1] ) تاج العروس، الزبيدي، 24/349.

[2] ) مختار الصحاح، الرازي، 1/244.

[3] ) لسان العرب، ابن منظور، مادة ك ي ف، 9/312.

[4] ) إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، ت 311هـ، عالم بالنحو واللغة ولد ومات ببغداد. لزم المبرد وتعلم منه، وطلب عبيد الله بن سليمان (وزير المعتضد العباسي) مؤدبا لابنه القاسم فدله المبرد على الزجاج فطلبه الوزير فأدب له ابنه إلى أن ولي الوزارة مكان أبيه فجعله القاسم من كتابه. من كتبه: «معاني القرآن»، و«الاشتقاق»، و«خلق الإنسان». الأعلام، الزركلي، 1/40.

[5] ) تاج العروس، الزبيدي، مادة ك ي ف، 14/353.

[6] ) محمد بن الطيب محمد بن محمد بن محمد الشرقي الفاسي المالكي، ت 1170هـ، محدث، علامة باللغة والأدب. مولده بفاس، ووفاته بالمدينة. وهو شيخ الزبيدي صاحب تاج العروس، والشرقي نسبة إلى شراقة على مرحلة من فاس. من كتبه: «المسلسلات في الحديث»، و«فيض نشر الانشراح حاشية على كتاب الاقتراح» للسيوطي في النحو، و«إضاءة الراموس حاشية على قاموس الفيروزأبادي». الأعلام، الزركلي، 6/177 ، 178.

[7] ) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري أبو عبد الله، ت 179هـ، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، مولده ووفاته في المدينة، صنف «الموطأ». وله: كتاب «المسائل»، و«رسالة الرد على القدرية». الأعلام، الزركلي، 5/257.

[8] ) اعتقاد أهل السنة، اللالكائي، 3/441، 442.

[9] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص 408.

[10] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص 408.

[11] ) «الرحضاء: العرق إثر الحمى أو عرق يغسل الجلد كثرة، وقد رحض المحموم كعني» اهـ. القاموس المحيط، الفيروزأبادي، مادة ر ح ض، ص 829.

[12] ) أي أن الاستواء بمعنى الكيف أي الهيئة كالجلوس لا يعقل في حق الله، أي لا يقبله العقل لكونه من صفات الخلق، لأن الجلوس لا يصح إلا من ذي أعضاء أي كألية وركبة والله تعالى منزه عن ذلك، فلا مسوغ لقول من قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة.

[13] ) الذخيرة، القرافي 13/242.

    أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي، ت 684هـ،من علماء المالكية نسبته إلى قبيلة صنهاجة (من برابرة المغرب) وإلى القرافة (المحلة المجاورة لقبر الإمام الشافعي) بالقاهرة. له مصنفات جليلة في الفقه والأصول منها: «أنوار البروق في أنواء الفروق»، و«الذخيرة في فقه المالكية» و«اليواقيت في أحكام المواقيت». الأعلام، الزركلي، 1/94، 95.