ثبت في سيرة النبي محمد ﷺ أن من أشد مشركي قريش عداوة له جيرانه الكفار ومنهم أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة وعم النبي أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، لكن لم تنزل سورة مفردة كاملة في ذم كافر سوى أبي لهب، وهي سورة المسد، فقد ذمه الله تعالى وذم امرأته أم جميل وأوعدهما العذاب الأليم.
وكان أبو لهب قد مات في حياة المصطفى ﷺ شر ميتة، فقد أصابه داء العدسة([1]) في مكة وهو على دين المشركين بعد معركة بدر بسبعة أيام، وكان قد بلغه خبر بدر لكن لم يشهدها.
وقد جاء في «صحيح البخاري» من كلام عروة بن الزبير ما نصه: «وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم([2]) غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة»، وكان أبو لهب قد أعتق مملوكته ثويبة حين ولد النبي فرحا به واستبشارا على قول بعض المؤرخين، وقد نشأ النبي ﷺ على الإسلام ونبئ ولم يكن على الشرك في حياته قط ولا شريرا كقومه الذين عادوه وءاذوه ليمنعوه من تبليغ دعوة الإسلام والحث على وجوه البر.
ولنبسط الكلام على هذا الحديث من وجوه خمسة:
الأول: ثبوت وفاة أبي لهب على الكفر:
يثبت نص الحديث أن أبا لهب رؤي في عذاب بدليل قوله «بشر حيبة» أي في حالة سيئة جدا، وتلك هي حالة العذاب التي يقاسيها، مع أن دليلنا على كون أبي لهب من المعذبين هو صريح قول الله تعالى في حال أبي لهب: {سيصلىٰ نارا ذات لهب}، فلم نحتج بعد هذه الآية إلى الاعتضاد بكلام عروة لنفسه مع كونه رؤية منامية، فكفى بكلام الله وحديث رسوله ﷺ دليلا.
الثاني: امتناع تخفيف العذاب عن الكافر في النار:
لا يصح القول بتخفيف العذاب عن الكافر في النار لأن ذلك يصادم صريح الآيات القطعية المفهوم والمنطوق التي لا مجال إلى إخراجها عن ظاهرها كقول الله تعالى في الكلام على حال الكافرين في النار: {فلا يخفف عنهم العذاب}، وقوله: {خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} فلا يمهلون ولا ينظرون ليعتذروا ولا ينظر إليهم نظر رحمة، كذلك قال أبو الليث السمرقندي والبيضاوي والرازي وابن الجوزي والنسفي وأبو السعود وغيرهم من المفسرين، والآيات في ذلك كثيرة جدا.
ومن الآيات الصريحة في ذلك أيضا قوله تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب * قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}، لقوله: {الذين في النار} يعني الكفار للسياق السابق لمن تأمل ذلك في سورة غافر، فبين الله تعالى أنه لا يخفف العذاب يوما من الدهر في النار عن أحد من الكافرين، ولم يستثن أحدا، لا أبا لهب ولا غيره، وعليه فلا يكون يوم الاثنين خارجا عن أيام العذاب التي تمر على أبي لهب كغيره من الكفار في النار إلى أبد الآباد التي لا تنتهي.
وقد قال القاضي عياض في «الإكمال»: «انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم» اهـ.
وقد يورد على ما ذكرناه أمران:
فإن قال قائل: «إن «ال» هنا تدل على أنه المعهود من العذاب في النار والذي هو أقل ما يقال فيه «إنه عذاب» حاصل لجميع الكافرين لا ينقطع عنهم بحيث إنه لا يخلو لهم وقت عن عذاب، وأما أن درجة ذلك العذاب تخفف إلى حد يبقى سائغا إطلاق تسمية الشيء الواقع عليهم «عذابا» فهو جائز الحصول».
قلنا: هذا الكلام مردود من طريقين:
الأولى: عدم وجود ما يدل على هذا التخصيص المفروض هنا، وإن لم يكن التخصيص لدليل لم يكن مقبولا، فتخصيص العموم نوع من التأويل الذي هو إخراج النص عن ظاهره لدليل مقبول، وقد قال الحافظ السيوطي([3]): «قال أهل الأصول: التأويل صرف اللفظ عن ظاهره لدليل، فإن لم يكن لدليل فلعب لا تأويل».
الثانية: استدلالنا بقول الله تعالى: {ولا يخفف عنهم من عذابها} أي جهنم، فأقل نوع من أنواع العذاب في النار يسمى «عذابها»، فدلت الآية على أنه لا يخفف نوع من الأنواع في النار ولا للحظة من اللحظات، وهذا حال الكفار إلى أبد الآباد.
فلو قال قائل: «قد ثبت أن الكفار ينادون خازن النار مالكا كما جاء في القرءان: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} فيأتيهم الجواب بعد ألف عام من الانتظار في العذاب الدائم بقول مالك: «إنكم ماكثون»، فينتهي جواب مالك وينقضي النكد الذي حصل لهم من الانتظار ومن جواب مالك لهم، فإن النكد الذي هم فيه والكلام الذي سمعوه فيه تعذيب لهم، وقد انقطع عنهم الانتظار كما انقضى كلام مالك».
قلنا: لا يلزم من انقضاء انتظارهم الجواب وفراغ مالك من كلامه أن يكون ذلك النكد الذي أصابهم قد زال عنهم، بل النكد واقع في نفوسهم لا يفارقهم بحيث لا يأتي عليهم وقت يقال فيه: «إنهم سلموا من النكد وارتاحوا»، لأن راحة النفس والطمأنينة من لوازم زوال النكد وزوال الخوف والقلق، ولا ينال الكافر شيئا من الراحة في جهنم كما يعلم ذلك من قول الله عز وجل: {فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيىٰ} أي لا يحيى حياة فيها راحة، كذا فسره مشاهير المفسرين كابن الجوزي والفخر الرازي وأبي حيان والبيضاوي وغيرهم، فدل ذلك على أنهم لا شك في نكد مستمر لا يخف عنهم ولا ينقطع بل يصاحبهم، وعلى هذا يدل قول الله تعالى: {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا}، وهي أشد ءاية على أهل النار.
الثالث: أسباب التخفيف المزعوم للعذاب عن أبي لهب:
قد علم مما بيناه استحالة تخفيف العذاب عن أبي لهب بعد دخوله النار، وأما دعوى أنه يخفف عنه العذاب كل يوم اثنين فذلك باطل كما أسلفنا ولكن له دواعي متوهمة منهارة يزعمها القائلون بذلك، وهذه الدواعي والأسباب منحصرة في أمرين: إما أن يقولوا إن سبب التخفيف عنه هو عتقه ثويبة، أو أنه لقرابته النبي ﷺ، والأمران باطلان في ادعاء تخفيف العذاب عنه للآتي:
كون سبب التخفيف المزعوم عتقه ثويبة: هو أمر باطل لأن الكافر لا يجزى في الآخرة بشيء من الأعمال الحسنة التي عملها، بدليل قول الله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} وقوله أيضا: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولـئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} أي لم ينالوا ثوابا في صحف أعمالهم على ذلك ليلقوا جزاءه الحسن في الآخرة، بل هم عن المثوبة الأخروية ممنوعون، ويؤيد ذلك ويشرحه قول النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان في صحيحه وغيره: «وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا»، وفي رواية: «لم يكن له منها نصيب» أي لم يكن شيء من الثواب ولا أدنى راحة أو نعيم.
ثم إن عتق ثويبة لم يكن يوم ولادته ﷺ كما قال عدد من الحفاظ، منهم الحافظ ابن الجوزي حيث قال في «الـمنتظم»([4]) و«الوفا»([5]): «وكانت ثويبة تدخل على رسول الله ﷺ بعدما تزوج خديجة فيكرمها النبي ﷺ وتكرمها خديجة، وهي يومئذ أمة»، وقال ابن سعد([6]) في «الطبقات» والـمحب الطبري([7]) في «ذخائر العقبى» والعز بن جماعة([8]) في «المختصر الكبير» وابن الأثير([9]) في «الكامل» وسبط ابن الجوزي([10]) في «مرءاة الزمان»: «وكان رسول الله ﷺ يصلها([11]) وهو بمكة، وكانت خديجة رضي الله عنها تكرمها وهي([12]) يومئذ مملوكة، وطلبت([13]) إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها فأبى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أعتقها أبو لهب».
كون سبب التخفيف المزعوم أنه عم النبي ﷺ: وافتراض ذلك سببا باطل أيضا، فقد ثبت أنه حين نزل قول الله تعالى: {وأنذر} أي يا محمد {عشيرتك الأقربين} دعا النبي ﷺ قريشا فاجتمعوا، فعم وخص، فقال: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله([14]) لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا»، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم في الصحيحين وغيرهما.
فإن قيل: «هذا الخبر عام لكن ثبت في أحاديث أخرى أن النبي ﷺ يشفع يوم القيامة أيضا، فلم لا يكون المعنى أن النبي لا ينفعهم بدون شفاعة، أما مع الشفاعة لهم فينتفعون».
قلنا: الشفاعة لا ينالها الكافر ألبتة، وعلى ذلك دل صريح قوله تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} إنما ذلك لأنهم كفار. قال ابن جزي الكلبي المالكي: «وأجمع العلماء أنه لا يشفع أحد في الكفار» اهـ، ومثل ذلك يقال في قول الله تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} أي ليس للذين كفروا شفاعة في الآخرة فتنفعهم، وقوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضىٰ} أي لمن ارتضى الإسلام دينا له وءامن بالله ورسوله، وأبو لهب لم يؤمن بالله ورسوله ولا ارتضى الإسلام دينا وكاد للنبي وتآمر على قتله وهدم دين الإسلام وصد الناس عن الدخول في الإسلام، والله يقول: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم}.
الرابع: رؤيا غير الأنبياء لا تنسخ حكما شرعيا ولا تأتي بحكم جديد:
معلوم عند الأصوليين أن النسخ، وهو رفع حكم شرعي سابق بحكم جديد لاحق، لا يكون إلا في حياة رسول الله ﷺ، لأن النسخ بوحي من الله، وقد ختم الله الرسالة والنبوة بمحمد ﷺ، فلا يخفف ولا يشدد ولا يجدد ولا يبدل ولا يوقف العمل بشيء من أحكام الشريعة التي ثبتت عند وفاة النبي ﷺ. فإذا كان العلماء الحقيقون بالاجتهاد في نصوص الشرع كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ليس لهم الحق في الاجتهاد بما هو مقطوع به من الأحكام الشرعية بنص قرءاني صريح أو حديثي ثابت عندهم أو إجماع من سبقهم إلى حكم شرعي، فكيف تكون الرؤيا المنامية لفرد من غير الأنبياء ناسخة لحكم شرعي قطعي الثبوت؟! فهذا لا يصح ولا يكون. ثم إن حصول الرؤيا المنامية منوط برؤيا الروح للمرئي، وليس يستحضر الشخص ما رءاه ليخبر به إلا إذا أفاق وعاد إلى اليقظة بعد النوم، وغلط الوهم في ذلك محتمل غير مستبعد، إذ قد يقع للشخص في نفسه بسبب وسوسة الشيطان أو غير ذلك أنه رأى كذا من المرائي ولا يكون الأمر منه في الواقع إلا توهما وظنا قد خالج القلب فسكنه. وقد قال الحافظ النووي في «شرح صحيح مسلم» عند كلامه على رؤيا منامية رءاها أبان بن أبي عياش التابعي ما نصه([15]): «قال القاضي عياض رحمه الله: هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت ولا تثبت به سنة لم تثبت، وهذا بإجماع العلماء، هذا كلام القاضي وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع» اهـ.
قلت: فإذا كانت السنة لا تثبت برؤيا منامية من رجل مسلم تابعي هو طاووس القراء في زمانه، كما سماه مالك بن دينار، فكيف تنسف عشرات النصوص القرءانية والحديثية الصريحة المفهوم والمنطوق لأجل ظاهر رؤيا منامية احتمل أنها رئيت ممن احتمل إسلامه وقت رؤيتها.
وقال القسطلاني في «شرح البخاري» ما نصه([16]): «واستدل بهذا على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة وهو مردود بظاهر قول الله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}، لا سيما والخبر مرسل([17]) أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولا فلا يحتج به إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي»، ومثله قال الشيخ الصالحي([18]).
وقال ابن عرفة إن العذاب الذي استحقه أبو طالب وأبو لهب ونزل بهما لا يخفف عنهما بل يعذب أحدهما دون عذاب غيره([19]).
وكذلك وإن كان الرائي هو العباس رضي الله عنه عم النبي ﷺ، كما جاء ذلك عند غير البخاري، فهذا لا يعني أن رؤياه تنسخ حكما شرعيا سواء كان ذلك في حياة النبي ﷺ أو بعدها، والحكم الشرعي في هذه القضية – كما بينا مرارا – أن الكافر لا يخفف عنه شيء من العذاب في النار قطعا. ثم وإن سلمنا أن الرائي هو العباس، مع قطع النظر عن كون الخبر من مرسل عروة الذي لم يذكر من الذي حدثه به، وعلى تقدير كون الخبر موصولا فإن العباس لم يكن على الإسلام حين رأى تلك الرؤيا على حسب بعض التأريخات، فقد قيل: أسلم قبل بدر أو بعدها وقبل الفتح([20])، وإن أبا لهب مات بعد غزوة بدر بتسعة أيام([21])، فعلى هذا يحتمل أن يكون العباس قد رأى تلك الرؤيا وهو بعد على الكفر.
ثم إنه لا يبعد على الشيطان أن يأتي متشكلا في المنام بصورة أبي لهب ويقول للرائي ما قاله. ولا عبرة بادعاء مدع أن هذه الرؤية فيها بشارة لأبي لهب بسبب أنه استبشر بولادة الرسول وذلك أمر عظيم كالاحتفال بولادة النبي الذي أجازه جميع المسلمين، وإن كان ذلك واردا في بعض كتب السيرة، فقد قال الشيخ عبد الله الغماري([22]): «ما يوجد في كتب المولد النبوي من أحاديث لا خطام لها ولا زمام هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه فتحرم قراءة تلك الكتب([23]) ولا يقبل الاعتذار عنها بأنها في الفضائل لأن الفضائل يتساهل فيها برواية الضعيف أما الحديث المكذوب فلا يقبل في الفضائل إجماعا بل تحرم قراءته وروايته([24])»، وهذا في الضعيف فكيف بالكلام المخالف لصريح القرءان وصحيح السنة وإجماع الأمة.
ثم إن رؤيا الأنبياء خارجة عن ذلك كله لأن رؤياهم عليهم الصلاة والسلام وحي من الله بدليل أن إبراهيم أقدم وباشر تنفيذ ذبح ولده إسماعيل أو إسحاق، والدليل على أنها وحي أنه ﷺ باشر ذلك، وإذا كان بعض كلام الأنبياء في اليقظة من أحاديثهم أو ما يرونه في المنام من الوحي يكون له تأويل ومعنى موافق لشرائعهم ولا يفسر على ظاهر، فكيف برؤيا رءاها من كان على الشرك وظاهرها معارض للنصوص القرءانية والحديثية والإجماع؟! فهي ساقطة بمرة، فلا يحتج بها ولا يلتفت إليها لئلا يترك القرءان وما اتفقت عليه الأمة لرؤيا منامية ساقطة واهية.
الخامس: لا يهنأ الكافر بشراب يسقاه في جهنم ولا بغير ذلك:
علم من نص القرءان الكريم أن للكافر في جهنم أربعة أنواع من الأشربة التي يزداد بتجرعها عذابا فوق العذاب الذي هو فيه، وهي:
فإذا كانت هذه صفة أنواع الشراب التي يسقاها الكفار في جهنم، وأكدت الآية: {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا} أن الشراب الذي يشربه أهل النار لا يكون باردا يطفئ شيئا من لهب العذاب عنهم ولا مستلذا لهم مخففا للعذاب عنهم، فتبين أن ما يسقاه أبو لهب من جنس هذه الأشربة، لأنه لا يصح تخصيص عموم النص القرءاني برؤيا منامية رءاها أحد من غير الأنبياء، فكيف برؤيا رءاها مشرك.
وقد خاض كثير من الشراح في الكلام على هذه المسألة، والـمنصفون فيها كثير:
وليحذر مما في «تاريخ اليعقوبي» و«تاريخ ابن أبي الدم» منسوب إلى النبي ﷺ حديثا وهو عليه مكذوب، وذلك قولهم: «رأيت أبا لهب في النار يصيح: العطش العطش، فيسقى في نقر إبهامه، فقلت: بم هذا؟ فقال: بعتقي ثويبة لأنها أرضعتك» فهو حديث باطل مكذوب عليه ﷺ مخالف للنصوص القطعية.
الخلاصة: لا يجوز الخروج عن نص القرءان الكريم والحديث الثابت والإجماع لا لأجل رؤيا منامية رءاها أحد ولا لأجل بعض ما وجد في كثير من التآليف والتصانيف وإن بلغت ءالافا مؤلفة، فليس كل ما في الكتب معتمدا، والقرءان الكريم هو العلم الحق وكل ما خالف القرءان فلا التفات إليه.
فلا يجوز الاعتماد على هذه الرؤيا المنامية المنسوبة لابن عباس أو غيره فيما يؤدي إلى تكذيب النصوص القطعية والعياذ الله، كما أنه لا يغتر بكلام منسوب إلى ابن ناصر الدمشقي معارض للقرءان
وهو قولهم: [الطويل]
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه | وتبت يداه وفي الجحيم مخلدا |
وقد رد على هذه الأبيات الشيخ الشاعر أسامة بن محمد السيد البقاعي الأشعري الشافعي قائلا: [الكامل]
تبت يدا من سب حبي أحمدا | فغدا يراه وفي الجحيم مخلدا |
ثم إن قيل: إن أبا لهب يخفف عنه العذاب في جهنم لأنه فرح بالنبي ﷺ، فيلزم من ذلك جواز تخفيف العذاب عن فرعون لأنه ربى النبي الرسول موسى عليه السلام، وقد قال الحافظ ابن حجر عن بعضهم: [الطويل]
فموسى الذي رباه فرعون مرسل | وموسى([29]) الذي رباه جبريل كافر |
فإن كانت تربية فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام – وموسى نبي رسول من أولي العزم – وإنفاقه عليه لا تنفع فرعون في تخفيف العذاب عنه، فكيف بإعتاق أبي لهب ثويبة فرحا بالنبي محمد، على أن من الـمؤرخين من قال: إن أبا لهب لم يعتقها في يوم مولد النبي كما أسلفنا.
وهب أن أبا لهب فرح بمولد محمد ابن أخيه، فإن فرحه به لم يحصل لكون محمد نبيا مبشرا به، بل كان فرحه بولادة ولد ذكر لابن أخيه، على عادة العرب، فلما نبئ محمد ﷺ عاداه أبو لهب وحاربه وءاذاه هو وقومه وكذبوه وتآمروا عليه وأرادوا قتله، فأي تخفيف يكون بعد ذلك لمن مات كافرا مرتكبا لتلك الجرائم والكفر أفظع جريمة، ولم تنزل سورة كاملة في ذم أحد إلا في أبي لهب.
([1]) وهي بثرة تشبه العدسة تخرج في موضع من الجسد تشبه الطاعون، تقتل صاحبها غالبا.
([2]) وفي رواية الإسماعيلي: «لم ألق بعدكم رخاء»، وعند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: «لم ألق بعدكم راحة». قال ابن بطال: «سقط المفعول من رواية البخاري ولا يستقيم الكلام إلا به» اهـ.
([3]) الحاوي للفتاوى، جلال الدين السيوطي، (2/201).
([4]) الـمنتظم في تاريخ الـملوك والأمم، أبو الفرج بن الجوزي، (2/260).
([5]) الوفا بأحوال المصطفى، أبو الفرج بن الجوزي، (ص104).
([6]) الطبقات الكبرى، أبو عبد الله بن سعد، (1/108).
([7]) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محب الدين الطبري، (ص116).
([8]) المختصر الكبير في سيرة الرسول، عز الدين بن جماعة، (ص116).
([9]) الكامل في التاريخ، ابن الأثير الجزري، (1/417).
([10]) مرءاة الزمان في تواريخ الأعيان، سبط ابن الجوزي، (3/46).
([11]) أي بالإكرام والعطاء والهدايا.
([14]) أي قوا أنفسكم العذاب بدخولكم في الإسلام.
([15]) المنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (1/115).
([16]) إرشاد الساري، شهاب الدين القسطلاني، (8/31).
([17]) هو الحديث الذي سقط من إسناده الصحابي.
([18]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (1/376).
([19]) تفسير ابن عرفة، محمد بن عرفة، (1/193).
([20]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (11/83).
([21]) المختصر الكبير في سيرة الرسول، عز الدين بن جماعة، (ص89).
([22]) مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر، عبد الله الغماري، (ص42).
([23]) أي لمن يخشى عليه من الزلل.
([25]) الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري، شهاب الدين الكوراني، (8/447).
([26]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، (20/95).
([27]) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، شمس الدين الكرماني، (22/58).
([28]) اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، شمس الدين البرماوي، (15/243).
([29]) أي موسى السامري الذي اتخذ لبعض بني إسرائيل عجلا من ذهب وأمرهم بعبادته فكفر هو وكفر الذين عبدوا هذا العجل، قال تعالى إخبارا عن قول قوم موسى عليه السلام: {حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري* فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي * أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} [طه: 87، 89].