الثلاثاء فبراير 10, 2026

الدرس السادس عشر

مراتب بعض العبادات، والفتوى في الدين

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.

وبعد، فإن الله تبارك وتعالى جعل أمور الدين على مراتب بعضها فوق بعض، فأهم أمور الدين معرفة الله ورسوله، ونقول في التعبير عن هذا المعنى إن شئنا أهم أمور الدين الإيمان بالله ورسوله، ثم بعد ذلك أداء الواجبات واجتناب المحرمات، أما الإيمان بالله ورسوله فهو أعلى أمور الدين لأن الله لا يقبل من أحد عملا بدون ذلك، وبعد ذلك أفضل الأعمال عند الله الصلوات الخمس ثم سائر الواجبات، لذلك قال بعض العلماء الأكابر: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور»، فكثير من الناس لا يعرفون مراتب أمور الدين، يعتبرون أن هذا يقوم مقام هذا وأن هذا يقوم مقام هذا. الطريقة نفل ليست فرضا، من تعلم ما فرض الله عليه وعمل بالطريقة فالطريقة ترفعه درجات، أما من أخذ الطريقة من شيخ كامل مكمل ولم يتعلم ما فرض الله عليه فهو من الخاسرين.

ومن المفسدين من يقول: «من ليس له شيخ فشيخه الشيطان، ومن ليس له ورد فهو قرد»، هؤلاء خاسرون وسيرون حالهم يوم القيامة يوم تبلى السرائر، يوم تكشف السرائر، هناك يعرفون أنفسهم، لأن شرع الله لا يخطئ، أما من حاد عنه فهو التائه الخاسر.

وقد قال رجب ديب لعنة الله عليه: «المريد بين شيخين كالمرأة بين رجلين». المريد الصادق لو ذهب إلى ألف شيخ بنية صحيحة يزداد درجات، يزداد بركات، بشرط أن يكون هؤلاء الذين يتنقل من واحد إلى ءاخر كلهم صادقين أما إن كانوا كلهم دجالين فهذا يستفيد الضلال. فاحذروا هؤلاء الذين يقولون: «من ليس له شيخ فشيخه الشيطان»، هؤلاء قطاع الطريق إلى الله، يقطعون عباد الله عن طريق الله، غشاشون هؤلاء.

في شرح البخاري للحافظ ابن حجر: قال بعض الأكابر: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور»، لا تنسوا هذا اجعلوه على ذكر منكم في قلوبكم.

الدين أغلى من المال والبدن وذلك لأن الدين يدل على السعادة الأبدية التي ليس فيها في الآخرة عناء، فالعاقل حق العاقل يؤثر ما يبقى على ما يفنى.

ثم هناك أمر يقال له الاجتهاد، وهذا الاجتهاد هو رأي لكنه ليس رأيا مجردا بل مستندا إلى القرءان أو الحديث، إذا حدثت مسألة ليست منصوصا عليها في القرءان أو في الحديث فالمجتهد الذي أعطاه الله تعالى هذه الموهبة ينظر فيما يكون شبها لهذه الحادثة مما نص الله عليه أو نبيه، فإذا وجد ءاية نصت على شيء من الحكم أو حديثا نص على شيء من الحكم يشبه هذه الحادثة يعطي هذه الحادثة حكم ذلك المنصوص عليه في القرءان أو الحديث، هذا يقال له القياس، هذا يقال له رأي.

الفقهاء منهم من يقول إنه انقطع مرتبة الاجتهاد بعد المائة الرابعة ومنهم من يقول لم ينقطع بل بابه مفتوح لمن تأهل، لكن الواقع أن المتأهل للاجتهاد نادر في غاية الندرة بعد المائة الرابعة. نحن على هذا الرأي القائل بأن الأرض لا تخلو من مجتهد لكن ليس فرضا عليه أن ينادي في الناس يا ناس هلموا إلي أنا مجتهد رزقني الله تعالى هذه المرتبة، لأنه يعتقد أن مذاهب الأئمة الماضين خير وبركة، فيترك الناس وشأنهم في اتباع هذه المذاهب الأربعة، ويؤيد هذا الرأي ما رواه كميل بن زياد رضي الله عنه عن سيدنا علي في حديث طويل بينهما قال له: «لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه» هذا يؤيد ما ذكرنا، لكن وجود المتأهل للاجتهاد اليوم في غاية الندرة.

ثم من شأن المجتهد أنه لا يخرج في مسألة أجمع عليها المجتهدون الذين مضوا عما أجمعوا عليه، لا يخرج عن جميع أقوال أولئك، لا يخرج عن إجماعهم ويأتي بشيء يناقض إجماع أولئك، لا يفعل، لأن من شرط الاجتهاد أن يعلم ماذا قال من قبله من المجتهدين، أي: يشترط للمجتهد أن يعلم المسائل التي أجمع عليها من قبله من المجتهدين والمسائل التي اختلفوا فيها، فمجال اجتهاده أن يرجح قولا قاله بعض منهم ولو كان غير مشهور على الاجتهادات الأخرى أو يفتي في حادثة لم يسبق لها مثيل، يحدث فيها فتوى جديدة، هذا وظيفة المجتهد المتأخر، ليس له أن ينقض ما اتفق عليه أولئك ويعمل رأيا جديدا، هذا ليس مجتهدا لو كان مجتهدا متأهلا للاجتهاد لا يخرج عن إجماع من سبقه. هذا الـمهدي المنتظر مجتهد لكنه لا ينقض ما أجمع عليه من قبله إنما يرجح رأيا من تلك الآراء أو يحدث حكما باجتهاده في حوادث لم تسبق أيام الأولين، هنا مجال اجتهاده أما أن يدعي الاجتهاد فينقض ما اتفق عليه الأئمة وهم نحو أربعين فلا، ليس المجتهدون الأئمة هؤلاء الأربعة فقط؛ بل نحو أربعين المشهورون منهم، وهناك مجتهدون أخفياء.

درجة الفتوى أي: أن يكون الشخص مجتهدا أو يكون مستحضرا لمذهب إمام من الأئمة يحفظ في صدره نصوص مذهب من المذاهب حتى إذا قصده الناس لمعرفة حكم ما يحدث لهم من أمور المعاملات بين الناس بعضهم مع بعض أو مما يتعلق ببعض مسائل الصلاة، يذهبوا إليه فيستفتوه، هذا فرض كفاية.

الصحابة رضي الله عنهم كان عندهم أهم الأمور أن يعرفوا توحيد الله تعالى كما يجب وسائر أصول العقيدة، قبل أن يحفظوا القرءان كانوا يشتغلون بأمور الإيمان، قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «نحن قوم أوتينا الإيمان قبل القرءان وإنكم أوتيتم القرءان قبل الإيمان» رواه البيهقي في السنن الكبرى. معناه: أنتم لا تهتمون بمسائل العقيدة أما نحن كنا نتقن أمور العقيدة قبل أن نحفظ القرءان، هذا القول قاله الصحابي حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ قاله لشخص من التابعين ليس من الصحابة.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا وعافنا، والحمد لله رب العالمين. والله أعلم.