مختصر قصة سيدنا يوسف عليه السلام
هو يوسف ابنُ نبيِ اللهِ يعقوب بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيم. وقد أثنى الله عليه ووصفَه بالعِفّةِ والنزاهةِ والصبرِ والاستِقامة قالَ الله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}. كما أثنى عليه سيدُنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: “إنّ الكريمَ ابنَ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيم” رواه البخاري.
وذُكر اسمُ يوسفَ عليه السلام في القرءانِ الكريم في سِتٍ وعِشرينَ ءاية.
وهو من أشهرِ أنبياءِ بني إسرائيل، وقد ذُكرت قصةُ سيدِنا يوسفَ عليه السلام في سورةِ يوسف مُفصّلة، وفيها بيانٌ لحياتِه ومحنتِه معَ إخوتِه ومحنتِه مع امرأةِ العزيز، ودخولِه السجنَ ودعوتِه فيه إلى الله تعالى، ثم خروجِه من السجنِ وفيها تفسيرُه الرؤيا للملِكِ واستلامُه لخزائنِ الأرض أي أرضِ مصر، ثم مجيءُ إخوتِه إلى مِصرَ بسببِ القحط، وإبقاؤه لأخيهِ بنيامينَ عندَه، ثم اجتماعُه بأبيه وإخوتِه ودخولُهم عليه وسجودُهم له على وجهِ التحيةِ والتعظيم وكان ذلك جائزًا في شريعتهم، إلى غيرِ ذلك من إشاراتٍ دقيقةٍ وعِظاتٍ بالغةٍ يُستفادُ بها من حياةِ هذا النبيِ الكريم.
واعلموا رحمكم الله أنّ يعقوبَ عليه السلام تزوجَ ابنتي خالِه “لَيّا” و”راحيل” وجمَع بينهما وكان ذلكَ جائزًا في شريعتِهم، ثم نُسِخَ في شريعةِ التوراة، وأنهما وَلدتا له عددًا من الأولاد. وليُعلم أنّ الأسباطَ هم ذريةُ إخوةِ يوسفَ عليه السلام وهم شعوبُ بني إسرائيل، وكان يوجدُ فيهم أنبياءُ نزلَ عليهمُ الوحي، ولم يكن من أولادِ يعقوبَ نبيٌ غيرُ يوسفَ عليه السلام إلا أنّ هناك احتمالًا أن يكونَ بنيامينُ نبيًّا، وأمّا ما ذَهَبَ البعضُ إليه من القولِ بنبوةِ إخوتِه فمردودٌ لأنّ النبوةَ لا تصِحَ لإخوةِ يوسف الذين فعلوا تلكَ الأفاعيلَ الخسيسة وهم مَن سوى بنيامين، فالأسباطُ الذين أُنزِلَ عليهم الوحيُ هم من نُبّئ من ذريتهم.
وكان يعقوبُ عليه السلام يحبُ ابنَه يوسف وبنيامين كثيرًا ويُؤثِرُهما بزيادةِ المحبةِ على إخوتِهما لما لهما من المحاسن كحُسنِ الخلُقِ وكان ذلك سببًا في حِقدِ إخوتِهما عليهما، وسببًا في محنةِ يوسفَ التي ابتُلِيَ بها ونالَ بها الدرجاتِ العُلى عندَ الله تعالى. فقد رأى يوسفُ عليه السلام في المنام وهو صغيرٌ لم يحتلم أنّ أحدَ عشرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ تسجدُ له، قال المفسرون: كانت الكواكبُ في التأويلِ إخوتَه، والشمسُ أمَه، والقمرُ أباه، فقصَّ يوسفُ عليه السلام هذه الرؤيا على أبيه. قيل: كان عمُرُهُ وقتئذٍ اثنتي عشْرَةَ سنة، فأشفقَ عليهِ أبوه يعقوب من حسدِ إخوتِه له، ولقد علِم يعقوبُ عليهِ السلام أنه سيكونُ لابنِه يوسفَ شأنٌ عظيمٌ وسينالُ رُتبةً عاليةً ورِفْعَةً سامية في الدنيا والآخرة، لذلك أمرَهُ بكِتمانِ ما رأى في المنام وألا يَقُصَها على إخوتِهِ خوفًا عليه من كيدِهم وحَسَدِهم.
كانَ بقيةُ أبناءِ يعقوبَ عليه السلام يحسُدونَ يوسفَ وشقيقَه بنيامين على هذه المحبةِ والخصوصيّة لهما وهم يَعتبرونَ أنفسَهم جماعةً أقوياءَ نافعين ليعقوب وأحقَّ بمحبّته، وازدادَ كُرهُ إخوتِه وحسدُهم ليوسف خاصةً لَمّا علِموا بأمرِ الرؤيا، ولذلك تآمروا فيما بينهم على أن يُفرّقوا بينَه وبينَ أبيه، وتشاوروا فيما بينَهم على قتلِ يوسفَ أو إبعادِه إلى أرضٍ لا يرجِعُ منها ليخلُوَ لهم وجهُ أبيهم أي لتَتَمَحَضَ محبّتُه لهم عن شغلِهِ بيوسف، وقالوا سنتوبُ بعدَ ذلك لنكونَ من الصالحين، ولكن قائلًا منهم قيلَ هو أخوهُ يهوذا وقيلَ غيرُه، قالَ لهم: لا تقتلوا يوسف، وأمرَهم أن يُلقوهُ في قعرِ البئر فيلتَقِطَهُ بعضُ المارةِ من المسافرين فيأخذونَه وبذلك يتخلّصونَ منه، وأخذَ عليهم أخوهم يهوذا العهودَ أنهم لا يقتلونَه،
فأجمعوا عندَ ذلكَ على أن يَدخلوا على يَعقوبَ ويُكلِّموهُ في إرسالِ يوسفَ معَهم إلى البريةِ ليلعبَ معَهم ويأكل، لذلك دَخلوا على أبيهم وطلبوا منه أن يَسمحَ لهم باصطِحابِ يوسفَ إلى الصحراء وتعهدوا له أن يُحافِظوا عليه، وكان يعقوبُ عليه السلام قد خطرَ له ما يُضمِرُهُ بنوهُ لأخيهم يوسف، وكان يَعِزُّ عليه أن يذهبوا به لأنّه كان يخشى عليه منهم، لذلك أرادَ أن يُثنِيَهم عن هذا الأمر بقوله: إنِّي لَيَحزُنُني أن تذهبوا بهِ وأخافُ أن يأكُلَهُ الذئبُ وأنتم عنهُ غافلون. وهو كان يتخوّفُ على يوسفَ من عُدوانِهم أكثرَ مما يتخوفُ عليه عُدوانَ الذئبِ ولكنّهم كانوا بارعين في الدَهاء، فقالوا لئن أكلَهُ الذئبُ ونحنُ جماعةٌ كثيرون نكونُ إذًا عاجزينَ هالكين.
أرسلَ يعقوبُ يوسفَ عليهما السلام معَ إخوتِه لئلا يشعروا أن أباهم يخشى عليه منهم فيُدَبروا له مكيدةً في غيابِه فأرسلَه معهم على كُرهٍ ومَضَض،
وما إن غابوا بهِ عن عينِه انطلقوا بهِ إلى البئرِ ليَطرحوهُ فيه فخَلعوا قميصَه، فقال: يا إخوتاه، لِمَ نزعتُم قميصي؟ رُدُّوه عليّ أسترْ به عورتي ويكُنْ كفنًا لي في مماتي، فقالوا له: ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحدَ عشرَ كوكبًا تُؤنِسُك، ثم أنزلوهُ في البئرِ حتى إذا بلغَ نِصفَها ألقوهُ إرادةَ أن يموت، فكانَ في البئرِ ماء فسقطَ فيه ثم أوى إلى صخرةٍ فيها فقامَ عليها وجعلَ يبكي، فنادَوْه فظنَ أنها رحمةٌ أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرجُموهُ بالحجارة فمنعَهم أخوه يهوذا،
وبعد أن ألقى إخوةُ يوسفَ أخاهم في البئرِ أرادوا أن يُخفوا جريمَتهم، لذلك عَمَدوا إلى جَدْيٍ من الغنمِ فذبحوهُ ثم غمسوا قميصَ يوسفَ في دمِه ورَجعوا إلى أبيهم يعقوبَ في وقتِ العشاءِ يبكون، وإنما جاءوا وقتَ العَتَمَةِ ليكونوا أجرأَ في وقتِ الظلامِ على الاعتذارِ بالكذب، فلما دنَوْا منه صرخوا صُراخَ رجلٍ واحد ورفعوا أصواتَهم بالبكاءِ والعويلِ، فلما سمِع يعقوبُ عليه السلام صوتَهم قال: ما لكم يا بَنِيّ، هل أصابكم في غنَمِكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابَكم وأينَ يوسف؟ فقالوا له كاذبين: يا أبانا إنّا ذهبنا للسِباقِ والرميِ بالسِهام وتركنا يوسفَ عند مَتاعِنا فأكلَه الذئبُ وأنت لستَ بمصدِقنا ولو كنا صادقين.
وعندما سمِع يعقوبُ عليه السلامُ كلامَ أبنائِه وما ادّعَوه بَكى وقالَ لهم: أينَ القميص؟ فجاءوا بالقميصِ عليه دمٌ وليس فيه خَرْقٌ، ويُروى أنّ يعقوبَ عليه السلام أخذَ القميصَ وأخذَ يُقَلِّبُهُ وقالَ لهم مُتهكمًا: ما أحلمَ هذا الذئب الذي أكلَ ابني دونَ أن يُمَزِّقَ ثوبَه!!
وقال هذا الكلامَ عليه السلام تعريضًا بكذِبهم وإيذانًا لهم بأنَّ صنيعَهم ومكرَهم هذا لم يَمُرَّ عليه.
أقامَ يوسفُ عليه السلامُ في البئرِ ثلاثةَ أيام وكانَ البئرُ قليلَ الماء ومرَّت قافلةٌ من القومِ أمامَ البئرِ الذي أُلقيَ فيهِ يوسفُ عليه السلام فبَعثوا مَن يَستقي لهمُ الماءَ من البئر، فلمّا أدلى دلوَه في البئرِ الذي فيه يوسفُ عليه السلام تعلَّقَ به، فلما نزَعَ الدلوَ يحسِبُها قدِ امتلأت ماءً، إذا بها غلامٌ جميلٌ حَسَنُ الوجهِ مُشرقُ الْمُحيّا فاستبشَرَ الرجلُ به وقالَ لأصحابه: يا بُشرى هذا غلام، فأقبلَ أصحابُه يسألونَه الشَرِكةَ فيه واستَخرجوهُ من البئر، فقالَ بعضُهم لبعض: اكتُموهُ عن أصحابِكم لِئلا يسألوكُمُ الشَرِكَةَ فيه، فإن قالوا: ما هذا؟ فقولوا: استَبْضَعناهُ أهلَ الماء أي وضعوهُ معنا بِضاعة لنبيعَه لهم بمصرَ.
ولَمّا استشعرَ إخوة يوسفَ عليه السلام بأخذِ القافلةِ ليوسفَ عليه السلام لَحِقوهم وقالوا: هذا غلامُنا أي عبدٌ لنا أبِقَ وهَرَبَ منا فَصَدقَهم أهلُ القافلة فاشترَوْهُ منهم بثمنٍ بَخْسٍ وقليلٍ من الدراهمِ المعدودة. ولما ذهَبتِ القافلةُ ومعها يوسفُ عليه السلامُ إلى مصر، وقفوا في سوقِ مصرَ يَعرِضونَه للبيع، فأخذَ الناسُ في مصرَ يتزايدونَ في ثمنِه حتى اشتراهُ منهم عزيزُها وهو الوزيرُ المؤتمنُ على خزائِنها يُقال له “قَطفير” وكان مَلِكُ مصرَ يومئذٍ “الرَّيانَ بنَ الوليد” وهو رجُلٌ منَ العمالقة، وذهبَ الوزيرُ الذي اشترى يوسفَ عليه السلامُ بهِ إلى منزلِه فرحًا مَسرورًا بيوسف وقالَ لامرأتِه واسمُها زَليخا: أكرِمي مَثواهُ عسى أن يَنْفَعَنا أو نتَّخِذَهُ وَلدًا، وكانَ هذا الوزيرُ لا يأتي النساءَ ولا يَميلُ لهنّ وكانت امرأتُه “زليخا” امرأةً جميلةً حسناءَ ناعمةً في مُلْكٍ ودنيا.
ولما رأى هذا الوزيرُ في يوسُفَ عليه السلام الذكاءَ والأمانةَ والعِلمَ والفَهمَ جعلَه صاحِبَ أمرِه ونهيِه والرئيسَ على خدمِه.
أقامَ يوسفُ عليه السلام في بيتِ عزيزِ مصرَ ووزيرِها مُنعمًا مُكرمًا وكان فائقَ الحسنِ والجمال، فلما شبَ وكبِر أحبته امرأةُ العزيزِ حبًّا جمًّا وعشِقته وشغفَها حبُّه لِما رأت من حسنِه وجمالِه الفائق.
وذاتَ يومٍ وقيلَ: كان عُمُرُ يوسفَ سبعةَ عشرَ عامًا أرادتِ امرأةُ العزيزِ أن تحملَه على مُواقعتِها وما يريدُ النساءُ من الرجالِ عُنوة، وهي في غايةِ الجمالِ والمالِ والمنصبِ والشباب، وغلَّقتِ الأبوابَ عليه وعليها، وتهيأت له وتصنّعت ولبِست أحسنَ ثيابها وأفخرَها ودعته صراحةً إلى نفسِها من غيرِ حياءٍ وطلبت منه ما لا يليقُ بحالِه ومقامِه، والمقصودُ أنها دعته إليها وحَرِصت على ذلكَ أشدَ الحِرص، ولكن هيهات هيهات وهو النبيُ العفيفُ الطاهرُ المعصومُ عن مثلِ تلكَ الرذائِلِ والسفاهاتِ والفواحِش وهو نبيٌّ مِن سُلالةِ الأنبياءِ الذين يَستحيلُ عليهمُ الرذائلُ والفواحش. لذلك أبى يوسفُ عليه السلام ما دعتهُ إليه امرأةُ العزيزِ، وامتَنعَ أشدَ الامتِناع وأصرَّ على عِصيانِ أمرِها وقال: مَعاذَ الله، أي أعوذُ بالله أن أفعلَ هذا. وأمام إباءِ يوسف عليه السلام عن مطاوعةِ امرأةِ العزيز، وأمامَ عِفَّتِه وإصرارِه على عدمِ الوقوعِ معها في الحرام، ازدادَت هي إصرارًا على الهَمِّ بالرذيلة فأمسكت بهِ تريدُ أن تُجبِرَه على مُواقعتِها وارتكابِ الفاحشةِ معها من غيرِ حِشمةٍ وحياء، فصارَ عليه السلام يُحاولُ أن يتخلّصَ منها، فأفلَتَ منها فأمسكت ثوبَه من خلف فتَمَزَّقَ قميصُه، وظلّت تُلاحِقُه وهما يستبِقانِ ويتراكضانِ إلى البابِ هو يريدُ الوصولَ إليه ليفتَحَه ليتخلّصَ منها يدفعُه إلى ذلكَ الخوفُ من اللهِ مولاه، وهي تريدُ أن تَحولَ بينَه وبينَ البابِ تدفَعُها إلى ذلكَ الشهوةُ الجامِحَةُ والاستجابةُ لِوساوسِ الشيطان، وفي تلكَ اللحظاتِ وصلَ زوجُها العزيزُ فوَجَدَهُما في هذهِ الحالةِ،
فبادرَته بالكلامِ وحرَّضتهُ عليه وحاولت أن تنسِبَ إلى يوسفَ عليه السلام محاولةَ إغوائِها والاعتداءَ عليها مُدَّعيةً أنها امتنعت وهربَت منه فنَسبت إلى يوسفَ الخيانة وبرّأت نفسها، لذلك ردَّ نبيُ الله يوسفُ عليه السلام التُهمةَ عن نفسِه وقال: هي راودتني عن نفسي،
وأما قولُه تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} فمعناهُ أنَّ امرأةَ العزيزِ همَّت بأنْ تدفَعَهُ إلى الأرضِ لتَتَمكّنْ من قضاءِ شهوتِها بعد وقوعِه على الأرض وهو هَمَّ بأن يدفَعَها عنه ليتمكّنَ من الخروجِ من البابِ لكنْ لم يفعلْ لأنَّ الله ألهمَه أنّه لو دفَعها لكان ذلكَ حجةً عليه عندَ أهلِها بأن يقولوا إنما دفَعها ليفعلَ بها الفاحِشة، وهذا معنى قولِ الله تعالى: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} أي لولا أنّهُ رأى برهانًا من الله لدفَعها، فلم يدفَعْها بل أدارَ لها ظهرَه ذاهبًا إلى البابِ فلحِقته فشَقَت قميصَه من خَلف فكانَ الدليلُ والحُجةُ عليها، ولو ضَربها ودفَعها لكان ضربُه ودفعُه إياها حُجةً لها عليه، لأنها تقول: راودَني فمنعتُه فضَربني. والذي يجِب أن يُعتقَدَ أنَّ الله تبارك وتعالى عَصَمَ نبيَه يوسفَ عليه السلام ونزَهَهُ عن الفاحشةِ وحماهُ عنها وصانَه منها كما صانَ وعصَم سائرَ أنبيائِه ورسلِه عليهمُ الصلاة والسلام، ولهذا قالَ الله تبارك وتعالى في حقِّ يوسف عليهِ السلام نافيًا عنهُ السوءَ والفحشاءَ ومُطهِرًا إيّاهُ من قَصدِ الفاحِشةِ والهمِ بالزنى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}.
لذلكَ لا يَصِحُ ما يُروى عن بعضِ المفسرين أنّه حَلّ سروالَه وقعَدَ منها مَقعدَ الرجلِ من امرأتِه، فإنّ هذا باطلٌ لا يليقُ بنبيٍ من أنبياءِ الله تعالى، وكذلكَ ما في تفسيرِ الجلالينِ وغيرِه أنَّ يوسفَ قصَدَ الزنى بها فإنّه لو كانَ حصَلَ هذا من يوسف لكانَ فيه دليلٌ على العزمِ والأنبياءُ صلواتُ الله عليهم معصومونَ من العزمِ على الزنى والفاحِشَةِ ومُقدِماتها،
قال الله تعالى في بيانِ براءةِ نبِيِه يوسُف عليه السلام: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}.
وبعدَ أن اتهمتِ امرأةُ العزيزِ يوسفَ عليه السلام بأنهُ حاولَ الاعتداءَ عليها بالفاحشةِ وبرّأتْ نفسَها ردّ يوسفُ عليه السلام هذه التُهمةَ عنه وقال: هي راودَتني عن نفسي، وفي هذا الموقِفِ أنطقَ الله القادِرُ على كلِ شيءٍ شاهِدًا من أهلِها وهو طِفلٌ صغيرٌ في المهدِ لتندَفِعَ التُهمةُ عن يوسفَ عليه السلام وتكونَ الحجةُ على المرأةِ التي اتهمتهُ زورًا ولتظهرَ براءةُ يوسفَ عليه السلام واضحةً أمامَ عزيزِ مصرَ ووزيرِها، فقالَ هذا الشاهِدُ من أهلِها: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ} أي لأنهُ يكونُ قد راودَها فدفعتْه حتى شقّتْ مُقَدَّمَ قميصِه فتكونَ التُهمةُ بذلكَ على يوسف، ثم قال: {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ} أي لأنّهُ يكونُ قد ترَكَها وذَهبَ فتبِعتهُ وتعلقتْ بهِ من خلفٍ فانشقَّ قميصُه بسببِ ذلك وتكونُ التُهمةُ بذلك على امرأةِ العزيزِ، فلما وجدَ العزيزُ أنّ قميصَ يوسفَ قد انشقَ من خَلف خاطبَ زوجتَه وقالَ لها: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} أي هذا الذي جَرى مِن مَكْرِكُنّ، أنت راودتِه عن نفسِه ثم لتدفعي التُهمةَ عن نفسِك اتهمْتِه بالباطلِ والبُهتان. ثم قالَ زوجُها ليوسفَ عليه السلام بعد أن ظهرت براءتُه: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} أي لا تذكُرُهُ لأحد لأنّ كِتمانَ مِثلِ هذهِ الأمورِ في ذلك الحينِ أحسن، ثم أمرَ زوجتَه بالاستِغفارِ لذنبِها الذي صدرَ منها والتوبةِ إلى ربِها.
وبذلك ظهرت براءةُ يوسفَ عليه السلام ظهورَ الشمسَ في وضَحِ النهار، وظهرَ للعزيزِ عِفَّةُ يوسفَ عليه السلام، وأنهُ نزيهُ العِرضِ سليمُ الناحية، وأنهُ مُنزهٌ عنِ التُهمةِ التي اتهمَتهُ بها امرأتُه زورًا وبُهتانًا.
شاعَ خبرُ امرأةِ العزيزِ ويوسفَ عليه السلامُ في أرجاءِ المدينةِ وأخذَت ألسِنةُ النساءِ من نساءِ الأُمراءِ وبناتِ الكُبراءِ في الطعنِ على امرأةِ العزيزِ وعَيبِها، والتشنيعِ عليها على فعلتِها، كيف تعشقُ سيدةٌ ذاتُ جاهٍ ومنصِبٍ وجمال فتاها وتراودُه عن نفسِه فتطلبُ منه مواقعتَها، وبلغَ ذلكَ امرأةَ العزيزِ فأرسلت إلى هؤلاءِ اللائِماتِ من ذواتِ الثَراءِ والجاهِ ودبّرت لهنّ مكيدةً حتى يَعذُرنَها في حبّها وغرامِها ليوسفَ عليه الصلاة والسلام
فجمعتهُنّ في منزِلها وأعدّت لهنّ ضِيافَةً تليقُ بحالهنّ، فقد هيأت لهنّ مَكانًا أنيقًا فيه من النَمارِقِ والوسائِد ما يتّكِئنَ عليه، وقدّمت إليهِنّ طعامًا يحتاجُ إلى القطعِ بالسكين، وقيلَ: ناولت كلَ واحدةٍ منهُنّ أُترُجَّةً – والأترُج نوعٌ من الفاكِهة- وسِكّينًا وقالت لهنّ: لا تَقطَعنَ ولا تأكُلنَ حتى أُعلِمَكُنّ،
فلما خرجَ عليه السلام إلى مَكانِ جلوسِ هؤلاء النِسوةِ ورأينَه بَهَرَهُنَّ جمالُه وألهاهُنَّ حُسنُه الفائِقُ وتَشاغلنَ عمّا في أيديهنّ فصِرنَ يَحزُزْنَ أيديَهُنَّ ويُقطِّعْنَها وهنَّ يَحسَبنَ أنهنّ يُقَطِّعْنَ الطعامَ والفاكهة، وهنَّ لا يَشعُرنَ بألمِ الجُرح، وأَعلَنَّ إكبارَهُنَّ وإعظامَهُنَّ لذلكَ الجمالِ الرائع الذي كان عليه سيدُنا يوسفُ عليه الصلاة والسلام، حيثُ ما ظننَّ أن يكونَ مثلُ هذا الجمالِ في بني ءادم. عندَ ذلكَ باحَتِ امرأةُ العزيزِ بِحُبِها وشَغَفِها بيوسفَ عليه السلام الذي بَهرَها جمالُه ومَلَكَ عليها قلبَها، وقالت للنِسوةِ معتذرةً في عِشقِها يوسفَ وحُبِها إياه: فذَلِكُنَّ الذي لُمتُنَنّي فيه، ثم مدحت يوسفَ عليه السلام بالعِفّةِ التامّةِ والصِيانة، واعترفَت وأقرَّت لهنّ بأنها هي التي راودتهُ عن نفسِه وطلبت منه ما تريدُ ولكنَّه استَعْصَمَ وامتَنَع، وأخبرَتْهُنّ أنّه إن لم يُطاوِعْها إلى ما تريدُ من قَضاءِ شَهوتِها ليُحبَسَنَّ في السجنِ ويكونَ فيه ذليلًا صاغرًا على زعمها.
وقامتِ النساءُ يُحَرِضنَ يوسفَ عليه السلام على السمعِ والطاعةِ لسيدَتِه ولكنَّه عليه السلام أبى أشدَّ الإباء ودعا ربَّه مُستغيثًا به فاستجابَ الله تعالى دعوةَ نبيِه يوسفَ عليه السلام وصرَفَ عنه كيدَهُنّ.
ثم بدا بعد ذلك للعزيزِ وامرأتِه وغيرِهما وظَهرَ لهم من الرأيِ سَجنُ يوسفَ إلى وقتٍ مع علمِهم ببراءته، ليكون ذلك تخفيفًا لكلامِ الناسِ في تلك القضية، وليَظُنَ الناسُ بحبسِ يوسفَ عليه السلام أنّه هو الذي راودَها عن نفسِها ودعاها إلى ذلك، ولذلك سجَنوا يوسفَ الصِدّيقَ ظُلمًا وعُدوانًا من غيرِ جريمةٍ اقترَفها وارتَكبها،
ودخلَ السجنَ معَ يوسفَ عليه السلام فَتَيانِ أحدُهما رئيسُ سُقاةِ الملِك، والثاني رئيسُ الخبّازينَ عندَه، وكانَ الملِكُ قد اتهمَهُما في دسِّ السُمِ لاغتِيالِه والتخَلُصِ منه، فسجَنَهما ورأى كلٌّ من ساقي الملِكِ وخبّازِهِ في ليلةٍ واحدةٍ رؤيا شغلت فِكرَهما، أما الساقي فقد رأى كأنَّ ثلاثةَ قُضبانٍ من الكَرمِ والعِنب قد أورَقت وأينَعت فيها عناقيدُ العِنب فأخذَها واعتَصرها في كأسِ الملِك وسقاهُ منها، ورأى الخبازُ على رأسِه ثلاثَ سِلالٍ من خُبزٍ وضَواري الطيورِ تأكلُ من السلّةِ العُليا، فقصَّ كلٌّ من الساقي والخبازِ رؤيَيْهِما على يوسفَ عليه السلام وطلبا منه أن يُفسِرَ لكلِ واحدٍ منهما رؤياه ويُعبِرَها لهما. فلما استمَعَ يوسفُ عليه السلامُ إلى الرجلين وسمعَ ما رأيا في منامِهما من رؤيا أرادَ يوسفُ عليه السلام بِحكمتِه أن يتحدثَ معهما في الأهم ِوالأولى فدعاهما لتوحيد الله تعالى والإيمان به سبحانه، وكانت دعوتُه لهما إلى عبادةِ الله وحدَه وإلى دينِ الإسلامِ في هذهِ الحالِ في غايةِ الكمالِ لأنّ نُفوسَهما كانت مُعَظِمَةً ليوسف عليه السلام سهلةَ الانقيادِ على تَلقّي ما يقولُ بالقَبول، فناسَبَ مِن نبيِ الله يوسفَ عليه السلام أن يدعُوَهما إلى ما هو الأنفعُ لهما مما سألا عنهُ وطلبا منهُ، فبيّنَ لهما أنّ الله سبحانَه وتعالى هو الإلهُ الواحدُ القهّارُ الذي يَستحقُ الألوهيةَ بِخِلافِ الأصنامِ صغيرِها وكبيرِها، وبيّن لهما أنّ الله تعالى لا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته ولا يشبه شيئًا منها،
ثم أخبرَهُما بعد ذلكَ بتأويلِ رؤياهما فقالَ للأوّلِ وهو الساقي: أمّا الأغصانُ الثلاثةُ فثلاثةُ أيامٍ يَبعثُ إليكَ الملِكُ بعدَ انقضائِها فيرُدُكَ إلى عملِك ساقيًا. ثم قال للخباز: السلالُ الثلاثُ ثلاثةُ أيامٍ ثم يبعثُ إليك الملكُ عندَ انقضائِهنّ فيقتُلُك ويصلِبُك ويأكلُ الطيرُ من رأسِك. وبعد أن عبّرَ وفسّرَ نبيُ الله يوسفُ عليه السلام رُؤييهِما طلبَ منَ الذي ظنَّه ناجيًا من هذينِ الرجلينِ وهو الساقي أن يذكرَ أمره وما هو فيه عندَ الملِك وأن يُخبِره أنّه مَحبوسٌ ظُلمًا، ولكنّه نسي بعد خروجه أن يذكُرَ ما وصّاهُ به يوسفُ عليه السلام، فلبِثَ يوسفُ عليه السلام في السجنِ سبعَ سنوات، وكلُّ هذا بمشيئةِ الله وإرادتِه.
قدَّرَ الله تبارك وتعالى بتقديرِه الأزليّ أسبابًا لخروجِ نبيِه يوسفَ عليه السلام من السجنِ على وجهِ الاحتِرامِ والإكرامِ، وذلكَ أنّ ملِكَ مِصرَ رأى في منامِهِ سبعَ بَقراتٍ سِمانٍ خرجْنَ من البحرِ وخرجَت في ءاثارِهِنّ سبعُ بقراتٍ هُزالٍ ضِعاف فأقبلَت على البَقراتِ السِمان فأكلَتهُن، فاستيقظَ الملكُ من نومِه مَذعورًا، ثم نامَ ثانيةً فرأى سبعَ سنبُلاتٍ خُضْرٍ وقد أقبلَ عليهِن سَبعٌ يابسات فأكلتْهنّ حتى أتَيْنَ عليهنّ، فدعا أشرافَ قومِه فقَصَها عليهم وطلَبَ منهم أن يُفتوهُ في رُؤياهُ هذه، فلم يَكن فيهم من يُحسِنُ تعبيرَها، ولَمّا سَمِعَ الناجي من السجنِ وهو ساقي الملِك برؤيا الملِك ورأى عَجزَ الناسِ عن تعبيرِها تذَكّرَ أمرَ يوسفَ عليه السلام وما وَصّاهُ به،
فأرسَلوه إلى يوسفَ عليه السلام فلمّا جاءَه وقصّ عليه رؤيا الملِك أجابَه يوسفُ عليه السلام قائلا: قل للمَلِكِ هذهِ سَبعُ سنينَ مُخصِبات ومن بَعدِهِن سبعُ سنينَ شِداد إلا أن يَحتالَ لهن، ففَسَّرَ عليه السلام البَقراتِ السِمان بالسنينِ التي يكونُ فيها خَصبٌ، والبقراتِ العِجاف بالسنينِ التي يكونُ فيها قَحطٌ وجَدبٌ، وكذلك السُنبلاتُ الخُضْرُ والسُنبلاتُ اليابِسات.
فانطلقَ الساقي إلى الملِكِ فأخبرَه، فقالَ له الملِك: ارجِع إليه فقل له: كيفَ نَصنَع؟ فدلهم يوسف على الخيرِ وأرشدَهم إلى ما يعتَمِدونَه في حالتي خصبِهم وجَدبهم، وما يفعلونَه من ادِّخارِ الحبوبِ في السنينِ السبعِ الأولى التي يكون فيها الخَصبُ في سُنْبُلِه إلا ما يُرصَدُ بسببِ الأكل، لأنّ ادخارَ الحبِ في سَنابِله أبقى له وأبعدُ من الفساد، ثم يأتي بعدَها سبعُ سنينَ مُجْدِبَةٍ يحصلُ فيها الجدبُ والقحطُ فتأتي على المخزونِ من السنينَ السبعِ التي تقدمَتها يعني نصَحَهم عليه السلام أن يدّخِروا الحبوبَ في سنابِله إلا ما يُرصَدُ للأكل حتى إذا حَلّ الجَدبُ والقَحطُ وجدوا في مَخازنِهم ما يَسُدُّ الرمَقَ ويُمسِكُ عنهمُ الضيق، حتى يأتِيَ الله بالخَصبِ والغَيثِ، ولَمّا رَجَعَ الساقي إلى الملِكِ وأخبرَه بتأويلِ رؤياهُ التي سمِعها من يوسفَ عليه السلام وقعَ في نفسِه صِحةُ ما قالَ عليه السلام،
وأدرَكَ ما عندَ يوسف من علمٍ وعقلٍ تامٍ ورأيٍ سَديد فقال: ائتوني بالذي عبَّرَ رؤياي، وأمرَ بإحضارِه إليه ليكونَ من جُملةِ خاصتِه ومن المقرّبينَ إليه، فلما جاءَ رسولُ الملِك إلى يوسفَ عليه السلام أبى يوسفُ أن يخرجَ من السجنِ حتى يَتَبَيّنَ لكلِ واحدٍ أنه حُبسَ ظُلمًا وعُدوانًا وأنه بَرىءُ الساحةِ مما نَسبوهُ إليه في شأنِ امرأةِ العزيز. وإنما أشفَقَ يوسفُ أن يراهُ الملِكُ بعينِ الشاكِ في أمرِه أو مُتَّهَمٍ بفاحِشَةٍ وأحَبَّ أن يراهُ بعدَ استقرارِ براءتِه عندَه،
فرجَعَ رسولُ الملِكِ إلى الملِك وأخبرَه بما قالَه يوسف، فدعا الملِكُ النِسوةَ اللاتي قَطَّعنَ أيدِيَهُن ومعَهُنَّ امرأةُ العزيزِ وقالَ لهن: {مَا خَطْبُكُنَّ} أي ما كانَ شأنُكُنَّ وقِصتُكُنَّ إذ راوَدْتُنَّ يوسفَ عن نفسِه؟ فأجبنَه وقلنَ للملِك: {حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ} وأنكرنَ أن يكُنَّ علِمنَ عليه سوءًا، وأعلمَ النسوةُ الملكَ براءةَ يوسفَ من السوءِ الذي نُسِبَ إليهِ كذِبًا وبُهتانًا. ولما رأتِ امرأةُ العزيزِ أنّ يوسفَ عليه السلام الذي زَجَّت بهِ في السجنِ ظُلمًا وعُدوانًا قد أكرمَه الله تعالى لعِصمتِه وطهارتِه حتى صارَ منِ اهتِمامِ الملِكِ به أنّه يَستدعيهِ ليستَخلِصَه لنفسه اعترفت بما اقترفَته وقالت: {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} وبذلك ظهرَ الحقُ وصارَ واضحًا جَليًّا والحمد لله رب العالمين.
لَمّا ظهر وتبيّنَ للملِك براءةُ يوسفَ عليه السلام ونزاهةُ ساحتِهِ عمّا كانوا نَسبوه إليه رأى يوسفُ الصديقُ عليه السلام أن ليسَ هناك مانِعٌ من الخروجِ من السِجن، فخرجَ وجاءَ يوسفُ عليه السلام الملِكَ وكلمَهُ فقالَ له الملِك: إنّك من اليوم لدينا ذو مكانةٍ وأمانة.
وطلبَ يوسفُ عليه السلام من الملِك أن يُوَلِّيَهِ النَظَرَ فيما يَتَعَلَقُ بخزائِنِ الأرض، قيل: هي خزائنُ الطعام وذلك لِما يعلمُ من عدلِه ولما يتوقعُ من حصولِ الخللِ في خزائنِ الطعامِ بعد مُضيِ السنين التي يكونُ فيها الخَصْبُ لينظرَ فيها ويحتاطَ فيها للأمر، وأخبرَ ملِكَ البلاد أنه قويٌّ على حِفظِ ما لديه وأمينٌ على خزائِنِ الأرض وما يَخرجُ منها من الغَلاتِ والخَيراتِ عليمٌ بوجوهِ تَصريفِها وضَبطِها.
ولما سمِع الملكُ ما يريدُ يوسفُ عليه السلام وما يطلُب، استجابَ طلبَه واستعملَه وولاهُ على خزائنِ الأرضِ في مِصر، هذا وإنَّ يوسفَ عليه السلام بعدما مَكَّنَهُ الله في الأرضِ وفوضَه الملِكُ أمرَ مصرَ وخزائنَ الأرض كان يدعو أهلَ مصرَ إلى دينِ الإسلامِ وعبادةِ الله وحدَه وأن لا يُشرَك به شىء بالحكمةِ والرِفق، فآمن بهِ من ءامن من أهلِ مصر وأحبوه لما وجدوا في دعوتِه من خيرٍ وسعادة ولِما وجدوا فيه من تَلَطُّفٍ معهم في المعاملةِ وحسنِ الخلُق.
ومرتِ الأعوامُ السبعُ الْمُخصِبةُ وأعدَّ يوسفُ عليه السلام عُدتَه فيها، واتَخَذَ الخزائن وخزَنَ الغلاتِ في غُلفِها، ثم جاءتِ السبعُ سنينَ الْمُجدِبَة واشتدَّ الجَدبُ والقحطُ في أنحاءِ الأرض، فأما أهلُ مِصرَ فصارَ يوسفُ عليه السلام يَبيعُهم من الطعامِ ما يَكفيهم، وأحسَّ أهلُ فلسطينَ في بلادِ الشامِ بالجوعِ والبلاءِ الذي عمَّ في كثيرٍ من البلادِ وعلِموا أنَّ الطعامَ بمصر،
وذاعَ أمرُ نبيّ الله يوسفَ عليه السلام الموكلِ على خزائنِ الأرضِ في الآفاق، وانتشرَ عدلُه ورحمتُه ورأفتُه، فقالَ يعقوبُ عليه السلامُ لأولادِه: يا بَنِيّ إنَهُ قد بَلَغني أنَّ بمصرَ ملِكًا صالحًا فانطلقوا إليه وأقرئوهُ مني السلام وانتَسبوا إليه لعلَه يَعرِفُكم، فانطلقَ أولادُه ومعَهُم الجمالُ والحميرُ لحملِ الطعامِ ومعَهُم الثمنُ إلى مصر لشراءِ قوتِ أهلِهم، وقدِموا مِصرَ ودخلوا على يوسفَ عليه السلام فرءاهُم فعرَفَهم وهم لم يَعرفوه، لأنهم شاهدوا من لِباسِه وَزِيّه ما لم يعرِفوه في أخيهم من قبل، فجَهّزَ يوسفُ عليه السلام إخوتَهُ بِجَهازِهم واعطاهُم من الطعامِ ما جرت به عادتُه من إعطاءِ كلِ انسانٍ حِملَ بعير بعد أن أكرمَهم وأحسنَ ضِيافَتهم وأظهرَ لهمُ السماحةَ والكرم، قال لهم: ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم وكانَ قد سألَهم عن حالِهم وكم هم؟ وذلك أنه رأى اخوتَه جميعًا إلا شقيقَه بنيامين وهو أصغَرُ منه، فأخذَ عليه السلامُ في استِدراجِهم حتى علِمَ منهم حياتَه وأنه عندَ أبيهِ لم يسمَح بمُفارقتِه لشدةِ تعلّقِ قلبِه بمحبتِه فقالوا له: كنّا اثني عشرَ رجُلًا فذَهبَ منّا واحدٌ وبَقِيَ شقيقُه عندَ أبينا،
فقالَ لهم عليهِ السلام: اذا قَدِمتُمُ العامَ المقبِل فأتوني بهِ معَكم وقد أحسنتُ نُزُلَكُم وضِيافَتَكم ثم رَغَبَهُم ليأتوهُ بهِ ثم رَهَبَهُم وأخبرَهم أنهم إن لم يأتوهُ به فلن يُعطِيَهُمُ الطعام، فأخبروه بأنهم سيطلُبونَه من أبيه ويَجهدونَ في طلبه. وخَشِيَ عليه السلام ألا يكونَ عندَ إخوتِه البِضاعةُ التي يُبادلونَ بها الطعام لَمّا يرجِعونَ بهِ مرةً ثانية، فأمرَ فِتيانَه أن يَضعوا بِضاعَتَهُمُ التي جاءوا بها ليُبادِلوا بها الطعام وغيرَه في أمتعتِهم من حيثُ لا يشعرون لعلَهم يرجِعونَ إليه مرةً ثانية، وقد جعلَ يوسفُ عليه السلام ذلكَ ليكونَ وسيلةً ليعودَ إخوتُه إليه.
وعادَ إخوةُ يوسفَ عليه السلام إلى أبيهم يعقوبَ عليه السلام وجِمالُهم مُحمّلةٌ بالطعام وقالوا له: يا أبانا إنّ عزيزَ مصَر قد أكرَمنا إكرامًا زائدًا وقال: ائتوني بأخيكمُ الصغير من أبيكم، فإن لم تأتوني به فلا كَيْلَ لكم عندي ولا تَقربوا بلادي، فأرسِل معنا أخانا بنيامين يكتَلْ لنفسِهِ كيْلَ بعيرٍ ءاخرَ زيادةً على كيْلِنا وإنّا لَحافِظون له من أن ينالَه مكروهٌ معنا في سفَرِهِ. ثم إنّ إخوةَ يوسفَ عليه السلام فتَحوا مَتاعَهم لاستِخراجِ الطعامِ الذي أتَوا بهِ من مِصر فوجَدوا بِضاعَتَهم أي فِضَتَهم التي كانوا دَفعوها ليوسفَ عليه السلام في مُقابِلِ ما أخذوهُ من الطعام بِحالِها لم تُمَس، فكان ذلك ممّا قوّى عزائِمَهم في الكلامِ معَ أبيهم فقالوا له: يا أبانا ما نَبغي! معناه أيَّ شيءٍ تُريدُ بعد هذا وهذه بِضاعتُنا رُدّت إلينا! فإذا سمحتَ بأخينا ليذهبَ معنا فإنّنا نَجلِبُ لأهلِنا طعامًا ونحفظُ أخانا ونزدادُ بسببِه على أحمالِنا من الطعام حِملَ بعيرٍ من الطعامِ يُكالُ لنا وهذا شيءٌ يسيرٌ عندَ الملِك الذي طلَبَ منّا أخانا.
وكان نَبِيُ الله يعقوبُ عليه السلام شديدَ التَعلُّقِ بولدِه بِنيامين لأنه كان يَشُمُّ فيه رائحةَ أخيهِ يوسفَ عليه السلام ويتَسلّى به عنه، والظاهِرُ أنَّ القَحطَ والجَدبَ في بلادِ يَعقوبَ كان شديدًا وقاسيًا ممّا جَعلَ يَعقوبَ يَسمَحُ بسفرِ ابنِه بنيامين معَ إخوتِه إلى مِصر ولولا حاجتُه وحاجةُ قومِه إلى الميرةِ والطعامِ لما كان ليبعثَ ولدَه العزيزَ على قلبِه معَهم، وأخبرَهم أنّه لن يُرسِلَ أخاهم إلى عزيزِ مصرَ حتى يُعطوه ميثاقًا وعهدًا من الله أي حتى يَحلفوا بالله بأنهم يأتونَه بأخيهم إلا أن يُغلَبوا جميعُهم عنِ الإتيانِ به.
ولَمّا أعطى أولادُ يعقوبَ عليه السلام أباهُم عهدَهم وميثاقَهم على الوفاءِ بما اشترَطه عليهم قال: الله على ما نقولُ وكيل أي شهيد، ثم بيّنَ لهم أنّه لا يستطيعُ أن يدفَعَ عنهم شيئًا مما قدَّرَه الله عليهم وشاءَه لهم، لأنّه لا رادَّ لما قضى ولا مانِع لما حَكَم، فمشيئةُ الله تعالى نافِذَةٌ في كلِ شيء، يفعلُ ما يريدُ ويَحكُم في خلقِهِ بِما يشاء.
رجَعَ إخوةُ يوسفَ عليه السلامُ إلى مصر ودخلوا من أبوابِها المتفرقة كما أمرَهم أبوهم يعقوبُ عليه السلام ثم دخلوا على يوسفَ الصدّيق عليه السلام فأنزلَهم منزلا رحْبًا وأكرَمهم وأحسنَ ضيافَتهم وقدّمَ لهمُ الطعامَ والشرابَ وأجلسَ كلَّ اثنينِ من إخوتِه على مائِدةٍ واحدة، فبقيَ بنيامينُ وحيدًا وقال بِحُزنٍ ورأفة: لو كان أخي حيًا لأجلسني معه، فسمِعَ يوسفُ عليه السلام كلامَ أخيه من أبيهِ وأمِه فضَمَّه إليه وقال لإخوتِه الحاضرين: إني أرى هذا وحيدًا فأجلَسَه معه على مائدته، فلمّا جاءَ الليلُ جاءَهم بالفُرُش فنامَ كلُّ اثنينِ من إخوتِه على فراش فبَقيَ بنيامينُ وحيدًا، فقالَ يوسفُ الصديق: هذا ينامُ معي. فلمّا خَلا وانفردَ به قال له: هل لكَ أخٌ من أمِك؟ فقال له بنيامين: كان لي أخٌ من أمي فمات، فقال له: إني أنا أخوكَ يوسف فلا تَبتئس أي لا تحزن ولا تبأس بما كانوا يَعملونَ فيما مضى من حَسَدِنا وما حَرِصوا على صَرفِ وجهِ أبينا عنّا ولا تُعلِمهُم بما أعلمتُك.
أكرمَ يوسفُ عليه الصلاة والسلام إخوتَه وأحسنَ ضيافَتهم، ثم أوفى لهمُ الكيلَ من الطعامِ وحمّلَ بنيامينَ بعيرًا باسمِه كما حمّل لهم، ثم لَمّا وفّاهُم كيلَهم وقَضى حاجَتهم جَعلَ السِقاية -وهو الإناءُ الذي كان يشربُ فيه الملِكُ ويَكيلُ بهِ الطعامَ وقيل: كان مُرَصَّعًا بالجواهِرِ ثمينا- جعلهُ في رَحلِ أخيهِ ومَتاعِه وإخوتُه لا يشعرون، فعلَ يوسفُ عليه السلام ذلك لمصلحةٍ دينية حتى يَحصُلَ على استِبقاءِ أخيهِ بنيامينَ عنده، فلمّا ارتَحلوا مسافةً قصيرةً أرسلَ الطلَبُ في أَثَرِهم فأدركوهم ثم نادى منادٍ فيهم قائلا: أيتها العيرُ – أي القافلةُ التي فيها الأحمال- إنكم لسارقون قِفوا، قيل: ثم وصَلَ إليهم رسولُ يوسفَ ووكيلُه وأخذَ يُوبِخُهُم ويقولُ لهم: ألم نُكرِم ضِيافتَكم ونُوَفِّكُم كيلَكم ونُحسِنُ مَنْزِلَتَكُم ونفعلُ بكم ما لم نفعلْ بغيرِكم وأدخلناكم علينا في بيوتنا وأنتم تَسرُقون؟
وهنا فائدة: فإن قيل: كيف نادى المنادي بأنهم سارقون وهم في الحقيقةِ لم يسرِقوا؟ أُجيب: أنّ المنادي نادى وهو لا يعلمُ أنّ يوسفَ عليه السلام أمرَ بوضعِ السِقايةِ في رحلِ أخيه، أو يكونُ المعنى إنكم لسارقونَ فيما يظهرُ لمن لا يعلمُ حقيقةَ أخبارِكم. ولَمّا أقبلَ المنادي ومن معه على إخوةِ يوسف يتّهمُهم بالسرقة قال إخوة يوسفَ عليه السلام: ماذا تَفقِدون؟ أي ما الذي ضَلَّ عنكم وضاع؟ فقالوا لهم: نَفْقِدُ صُواعَ الملك ولمن جاء به ودَلّ عليه فله حِمْلُ بعيرٍ من الطعام وأخبرَهُمُ المنادي أنّه الكفيلُ بالوفاءِ بالحِملِ لمن رَدّه. فلما سمع إخوةُ يوسفَ عليه السلام ما قالَه المنادي ومن معه من حاشيةِ الملِك قالوا لهم: ما جئنا لنُفْسِدَ ولسنا سارقين فحلَفوا بالله وقالوا: أنتم تعلمونَ أننا ما جئنا للفَسادِ والسَرِقة، ونَفَوا أن يكونوا سارقين، وهنا ردَّ عليهم منادي الملِك وأصحابُه: فما جزاءُ من توجدُ في متاعِه سِقايةُ الملك إن كنتم كاذبين في قولِكم: وما كنا سارقين، فأجابهم إخوةُ يوسف: إنّ جزاءَ من توجدُ في متاعِه ورحلِه سقايةُ الملِك أن يُستعبدَ بذلك.
ولَمّا قالَ إخوةُ يوسفَ عليه السلام مقالتَهم وأنَّ جزاءَ مَن توجَدُ معه سِقايةُ الملِك أن يُؤخَذَ ويُستعبد فتّشَ رسولُ الملكِ الأوعية وبدأ بأوعيتِهم قبلَ وِعاءِ أخيهم بنيامين مُبتدِئًا بالكبير ومُنتهيًا بالصغير، فوجَد سِقايةَ الملِك في وِعاءِ أخيهم بنيامين فاستَخرجَها منه، فأخذَ بنيامينَ وانصرَفَ به إلى يوسفَ عليه السلام، ولما شاهدَ إخوةُ يوسفَ عليه السلام رسولَ الملِك ومُناديَه يَستخرِجُ سِقايةَ الملِك وصُواعَه من مَتاعِ بنيامين مُلِئوا غيظًا على بنيامين لِما وقعوا فيه مِن الورطةِ والغمِ والهم.
ولَمّا أرادَ يوسفُ عليه السلام أن يحبِسَ بنيامينَ عندَه ووجدَ إخوتَه أنه لا سبيلَ لهم إلى تخليصِه منه، سألوه أن يُطْلِقَهُ ويُعطوهُ واحدًا منهم بديلًا عنه وقالوا ليوسف: يا أيها العزيزُ إنّ له أبًا شيخًا كبيرًا مُتَعَلِّقٌ به مُغرَمٌ بحبِه فخُذْ أحدًا منّا بدلًا من بنيامين وأخلِ سبيلَه إنّا نراكَ منَ المحسنين، لكنَّ يوسفَ الصديق رفضَ إخلاءَ سبيلِ أخيهِ بنيامين.
ولما استيأسَ إخوةُ يوسفَ عليه السلام من أخذِ أخيهِم من يوسف بطريقِ الْمُبادَلة وأن يُجيبَهم إلى ما سألوه، خَلا بعضُهم ببعض واعتزَلوا الناسَ ليسَ معَهم غيرُهم وصاروا يتناجَوْنَ ويتناظَرون ويتشاورون ثم قالَ كبيرُهم وهو روبيل: لقد أخذَ أبوكم عليكم ميثاقًا وعَهدًا في حِفظِ أخيكم بنيامين وردِّه إليه إلا أن تُغلَبوا كلُكم عنِ الإتيانِ به، وها أنتم تُفرِّطونَ فيه كما فرَّطتم في أخيهِ يوسفَ من قبله، فلن أزال مُقيمًا ها هنا في بلادِ مصر لا أفارقُها حتى يأذنَ لي أبي في القدوم أو يَقدُرَني الله على ردِّ أخي إلى أبي، ثمّ أشارَ إليهم وطلبَ منهمُ الرجوعَ إلى أبيهم يعقوب وإخبارَه بما كان من سرقةِ أخيهِم بنيامين لصُواعِ الملِك، وأنهم ما شهِدوا عليه بالسرقةِ إلا بما علِموا من مشاهدةٍ إذ وجدوا الصُواع في أمتعته.
رجَع إخوةُ يوسفَ عليه السلام إلى بلدِهم فِلسطين وهم مهمومونَ في ضيقٍ وغَمٍ حيث أخوهم الصغيرُ بنيامين الذي ائتمنَهم عليه أبوهم مَحبوسٌ عند عزيزِ مصر، وأخوهم الكبيرُ روبيل مُتَخَلّفٌ هناك في بلادِ مصر لأجلِ أخيه بنيامين.
ودخلوا على أبيهم يعقوبَ عليه السلام فأخبروهُ خبرَ أخيهمُ الصغير بنيامينَ وأخيهم روبيل كما طلبَ منهم أخوهم الكبير، فلم يدخُل عليه هذا القول ولم يُصدقْهم وقال لهم والحُزن يملأ قلبَه: بل زيّنت لكم أنفسُكم أمرًا هممتم بهِ وأردتموه، فصَبري على ما نالني من فقدِ وَلدَيّ صبرٌ جميلٌ لا جَزعَ فيه ولا شِكاية، عسى الله أن يأتيَني بأولادي جميعًا فيرُدَهم إليّ انّه هو العليم الذي لا يَخفى عليه شيء الحكيمُ في أفعاله، وتولّى وأعرضَ نبيُ اللهِ يعقوبُ عليه السلام حزينًا على أولادِه وهَيّجَ حزنُه الجديدُ على بنيامينَ وأخيه روبيل حزنَه القديم على فِلذِةِ كبدِه يوسفَ عليه السلام وحرَكَ ما كان كامِنًا، وقال: يا حُزني على يوسف ويا أسفي الشديدُ عليه وأخذَ يبكي بُكاءً شديدًا على يوسف حتى ابيضت عيناه مِن شِدةِ الحُزنِ والبكاءِ وذهبَ بصرُه وصارَ كاظِمًا لغيظِه ممسِكًا على حزنِه لا يُظهرُه لأحدٍ من أهلِه من شدةِ الأسفِ والشوقِ إلى يوسفَ عليه السلام الذي فارقَه ما يقارِبُ الأربعينَ سنة، وظلَّ نبيُّ الله صابرًا شاكرًا لربِه غيرَ مُعترض، فهذا من جُملة البلاءِ الذي يُصابِ به الأنبياءُ لرفعِ درجاتهم وعُلُوِ مقامِهم. ولَمّا رأى يعقوبُ عليه السلام الغِلظةَ والجفاءَ من أولادِه في مُخاطبتِهم له قالَ لهم: إنّما أشكوا بَثّي وحُزني إلى الله، وأعلمُ من اللهِ ما لا تعلمون، ثم طلبَ من أولادِه أن يذهبوا إلى المكانِ الذي جاءوا منه في مصر وخلّفوا فيه أخوَيْهم ويتحَسّسوا ويلتَمسوا أخبارَ يوسفَ وأخيهِ بنيامين ولا يَقْنَطوا من رحمةِ الله وفَرَجِه.
رجَعَ إخوةُ يوسفَ عليه السلام إلى مصر كما أمرَهم أبوهم يعقوبُ عليه السلام وقَصدوا يوسفَ عليه السلام في مِصرَ في مُلكِه، فلمّا دَخلوا عليه قالوا له مُتَعَطِفين مُتَرَحِمين: يا أيّها العزيز لقد مَسَّنا وأهلَنا الحاجةُ والفقرُ وضيقُ الحالِ من الجدبِ والقحطِ وجئنا لجلبِ الطعامِ ببِضاعةٍ ضعيفةٍ قليلةٍ رديئةٍ نُبادِلُها بالطعامِ وهي لا يُقبَلُ مثلُها إلا أن تتجاوزَ عنا وتقبَلَها منا، وطلبوا منه أن يُوَفِيَ لهمُ الكيلَ ويتصدّقَ عليهم بردِّ أخيهِم بنيامينَ عليهم، ولَمّا سمعَ يوسفُ عليه السلام هذا الكلامَ من إخوتِه ورأى ما وصلوا إليه من سوءِ الحالِ رقَّ قلبُه وحَنَّ عليهم ورحِمَهُم وبكى وباحَ لهم بما كان يَكْتُمُهُم من شأنه، كاشفًا عن سرّه حاسِرًا عن جبينِه الشريف وبيّن لهم أنّ الله لا يُضَيِّعُ أجرَ هؤلاءِ المتقينَ المحسنين، وأنَ الله تبارك وتعالى قد مَنّ عليه وعلى أخيهِ بما أسلَفا من طاعةِ الله وتقواهُ وصبرِهما على الأذى من جانبِ إخوتِهما.
وعندما سمعَ إخوةُ يوسفَ عليه السلامُ كلامَ أخيهم وعظيمَ موعظَتِه اعترفوا له بالفضلِ وعظيمِ القَدرِ والمنزلة، وأنّ الله تعالى قد اختارَهُ وفضّلَهُ عليهم بالعلمِ والحلمِ والفضلِ والمنزلةِ وما أعطاهُ وحَباهُ من سائرِ الفضائلِ والمواهب، واعتَرفوا له بأنهم كانوا ءاثِمينَ خاطِئين بما ارتكبوا من تلكَ الأفاعيلِ الخسيسة. وعندما اعترفَ إخوةُ يوسفَ عليه السلام بإثْمِهم وخَطئِهم ووقفوا بينَ يديّ أخيهم يوسفَ عليه السلامُ مَلِكِ مِصرَ والحاكِمِ النافِذِ الكلمة على بلادِ مصرَ وخزائِنها، وهم ينتظرونَ حُكمَ أخيهم عليهم {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أي لستُ أعاتِبُكُم ولا أُعَيِّرُكُم بعدَ هذا اليومِ أبدا بما صنعتُم.
لما عرّفَ يوسفُ عليه السلامُ إخوتَهُ بنفسِه سألهم عن حالِ أبيه الذي طالَ الفِراقُ بينَهما واشتدَّ بهِ الشوقُ والحنينُ للقائِه فقالوا له: قد هَزُلَ جِسمُه ولانَ عظمُه وذهبَ بصرُه من شدةِ البكاءِ والحزن فأخذت يوسفَ عليه السلام الشفقةُ والرحمةُ على أبيه يعقوب، ثم أعطاهم قميصَه وهو الذي يلي جَسدَه الشريف، وأمرَهم أن يذهبوا به فيَضعوهُ على عيني أبيه فإنّه يرجِعُ إليه بصرُه ويعودُ بصيرًا كما كان سابقًا وهذا من خَوارِقِ العادات ودلائِلِ النبوة، ثم أمرَهم أن يأتوا بأهلهم أجمعين إلى ديارِ مِصرَ الخَيِّرة.
وكان يوسفُ عليه السلام لَمّا أعطاهُم قميصَه ليَذهبوا به إلى أبيه، قال له أخوهُ يهوذا: أنا أذهبُ بهِ إليه لأني ذهبتُ إليهِ بالقميصِ مُلَطخًا بالدم وأخبرتُه أن يوسفَ أكلَه الذئب، فأنا أُخبِرُه أنه حيّ فأُفرِحَه كما أحزنتُه، وكان هو البشير.
لم يَطُلِ الانتظارُ حتى جاءَ البشيرُ يعقوبَ عليه السلام فبشرَهُ بلقاءِ يوسفَ عليه السلام، ثم ألقى هذا البشيرُ قميصَ يوسفَ على وجهِ أبيه فعادَ مُبصِرًا بعينيه كما كانَ سابقًا بعدما كان ضريرًا، ثم قال لأولاده: ألم أقل لكم إني أعلمُ من سلامةِ يوسف ما لا تعلمون وأنَّ الله سيجمَعُ شملي بيوسف. ولما اجتمعَ عندَ نبيِ الله يعقوبَ عليه السلام أولادُه ورأوا قميصَ يوسفَ وخبرَه طلبوا من أبيهم أن يستغفِرَ لهمُ الله عزّ وجلّ عمّا ارتكبوا وفعلوا من الإساءة في حق أخيهم يوسف وأبيهم.
فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا وأخبرَهم أنه سوف يستغفرُ ربَه لهم إنه هو الغفور الذي يغفرُ الذنوبَ الرحيمُ بعبادِه. ورُوِيَ أنه بعثَ يوسفُ عليه السلام معَ البشيرِ إلى يعقوبَ جَهازًا ومِائتي راحلة وسألَه أن يأتيَه بأهلِه وأولادِه، فلمّا ارتَحَلَ يعقوبُ عليه السلام هو وأولادُه وجميعُ أهلِه من بلادِ الشامِ في فلسطين ودنا من بلادِ مصر للقاءِ يوسفَ الصدّيق ملكِ مصر، استقبلَه يوسفُ فخرجَ عليه السلام في أربعة ءالافٍ من الجُند وخرجَ معَهم أهلُ مصر، وقيلَ إنَّ الملِكَ العام خرج معهم أيضًا، وعندما جاءَ يعقوبُ عليه السلام مع أهلِه وأولادِه إلى مصر دخلوا على يوسفَ عليهِ السلام فآوى إليهِ أبويه واجتَمع بهما خُصوصًا وحدَهما دونَ إخوتِه، ورحَّبَ بأهلِه جميعًا وقال لهم: ادخلوا مصرَ واستوطنوا ءامنين مُطمئنين،
قيل: وكان جُملةُ من قدِم مع يعقوبَ من بنيه وأولادِهم ثلاثةً وستينَ إنسانا، ورفَعَ يوسفُ عليه السلامُ أبويهِ على العرشِ أي أجلسَهُما معه على سريرِ المملكة، ثم خَرّ له أبوه وأمُه وإخوتُه الأحدَ عشَر وسجدوا له سجودَ تحيةٍ واحترام لا سجودَ عبادةٍ وكان هذا السجود للتحيّة جائزًا لهم في شريعتِهم، ولم يزل ذلك معمولًا به في سائرِ شرائِع الأنبياء حتى حرّم الله ذلكَ في شريعةِ نبيِنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال نبيُ الله يوسفُ عليه السلام لأبيه يعقوب: يا أبتِ هذا تأويلُ رُؤيايَ من قَبل، أي إنَّ هذا السجودَ الذي سجدتَه أنت وأمي وإخوتي لي هو تصديقُ وتعبيرُ الرؤيا التي كنتُ رأيتُها من قبل، وقيل: إنّ المدةَ التي كانت بين رؤيا يوسفَ عليه السلام وبينَ تأويلِها وتحقيقِها أربعونَ سنة، ثم قال: وقد أحسنَ بي ربّي إذ أخرجني من السجن، أي بعد الهمِّ والضيقِ والحزنِ وجعلني ملِكًا وحاكِمًا نافِذَ الكلمةِ في الديارِ المصرية حيثُ شئت، وقد جاءَ بكم ربّي بمشيئتِه وقدرتِه من البادية من بعدِ ما أفسدَ الشيطانُ بيني وبين إخوتي بما فعلوا من تلكَ الأفاعيلِ الخسيسة، إنّ الله هو العليمُ بجميعِ الأمورِ فلا يَخفى عليه شيء.
ثم إنّ يوسفَ عليه السلام لما رأى نعمةَ الله عليه قد تمت وشَمْلَه مع أبيهِ وأهلِه قد اجتَمع، أثنى على ربِه بما هو أهلُه واعترَف له بعظيمِ إحسانِه وفضلِه وسألَه أن يتوفاهُ ويُميتَه على الإسلام الذي فيهِ السعادةُ الأبديةُ في الآخِرة. ويقالُ إنَّ يوسفَ عليه الصلاة والسلام عاشَ بعدَ جمعِ شملِه معَ أهلِه ثلاثًا وعِشرينَ سنة، وقيلَ: عاشَ مائةً وعشْرَ سنوات. وكانت وفاتُه عليه السلام بعد مولِدِ جَدِه إبراهيمَ عليه السلامُ بإحدى وسِتينَ وثَلاثِمِائةِ سنة. والله أعلمُ وأحكم.