مختصر قصة سيدنا هود عليه السلام
بعد أن نجا الله تبارك وتعالى نبيَّهُ نوحًا ومن معه في السفينة وأغرق الذين كذّبوه من قومه بالطوفان العظيم الذي عمَّ جميع الأرض، نزل الذين ءامنوا من السفينة يعبدون الله تعالى وحده ويَعْمُرون الأرض، وكثُرتِ الذرية من أولاد نوح الثلاثة سام وحام ويافث الذين كانوا على دين الإسلام، وكانوا يعبدون الله تعالى وحده ولا يُشركون به شيئًا.
ثم بعد أن طال الزمن وعاد الفساد والجهل وانتشر في الأرض ورجَع بعض الناس إلى الإشراك بالله وعبادة غير الله، بعث الله تبارك وتعالى هودًا عليه السلام إلى قبيلة عاد.
وذُكر هود عليه الصلاة والسلام في القرءان الكريم سبعَ مرات. وسيدنا هود عليه السلام هو عربي في أصله وقبيلة عاد قبيلةٌ عربية كانت باليمن، وكانت منازلُهم ومساكنُهم وجماعتُهم أرض الأحقاف، والأحقاف هي الرمْل فيما بين عُمان وحضرموت من أرض اليمن بأرض يقال لها الشِّحِر، وقيل كانوا ثلاثَ عشرة قبيلة وظلموا وقهروا العباد بسببِ قوتهم التي ءاتاهم الله تعالى إيّاها، فقد زادهم الله في الخِلقة والقوة، وبسط لهم في أجسادهم وعِظامهم فكانوا طِوالًا في أجسامهم وقَوامِهم، حتى قيل كان أطولهم مائةَ ذراع وأقصرُهم ستين ذراعًا، وكانوا أصحاب أوثان وأصنام يعبدونها من دون الله.
وأعطى الله تبارك وتعالى قبيلة عادٍ نِعَمًا كثيرة وافرة وخيراتٍ جليلة، فقد كانت بلادهم ذات مياه وفيرة فزرعوا الأراضي وأنشأوا البساتين وأشادوا القصورَ الشامخة العالية، إضافةً لما منحهمُ الله تعالى فوق ذلك من بَسْطة في أجسادهم وقوةٍ في أبدانهم لكنهم كانوا غيرَ شاكرين لله على نعمه، فاتخذوا من دون الله ءالهة وعبدوا الأصنام وصاروا يخضَعون لها ويتذللونَ ويقصِدونها عند الشدة، فكانوا أولَ الأمم الذين عبدوا الأصنام بعد الطوفان العظيم الذي عمَّ الأرض وأهلكَ الكافرين الذين كانوا عليها، فبعث الله تبارك وتعالى إليهم نبيه هودًا عليه السلام ، فدعاهم إلى دين الإسلام العظيم وعبادة الله تعالى وحده وتركِ عبادة الأصنام التي لا تَضُر ولا تنفع، وأن يُوحدوا الله الذي خلقهم ولا يجعلوا معه إلهًا غيرَه، وأن ينتهوا ويكفوا عن الظلم والبغي والفساد بين الناس، ولكنهم عاندوا وتكبروا وكذّبوا نبي الله هودًا عليه الصلاة والسلام، وءامن به واتّبعه أناسٌ قليلون كانوا يكتُمون إيمانَهم خوفًا من بطش وظلم قومِهم الكافرين المشركين.
استمر قوم هود عليه السلام على كفرهم وعنادهم ولم يقبلوا الحقّ الذي جاء به نبيُهم، وأعلنوا له أنهم لن يتركوا عبادةَ الأصنام وأنهم يعتقدون أنّ بعض ءالهتهم غضِبَ عليه فأصابَه في عقلِه فاعتراه جنونٌ بسبب ذلك، كما أنهم استبعدوا إعادتهم يوم القيامة وأنكروا قيام الأجساد بعد أن تصير ترابًا وعِظامًا، فبيّن لهم سيدُنا هود عليه السلام أنه لا يطلبُ على نصيحتِه لهم أجرًا يأخذُه منهم أو رئاسة يتزعمُ بها عليهم، وأنه لا يطلب الأجر في دعوته لهم إلى الإيمان والإسلام إلا مِن الله تبارك وتعالى، ثم ذَكرَ لهم أنهم يتجبّرون ويظلِمون الناس فأمرهم أن يتقوا الله بأن يدخلوا في دينه ويعبدوا الله وحدَه ويُطيعوه، وذكّرهم بما أنعمَ الله به عليهم وبما أمدَهم به من أنعامٍ وبنين وما رزقهم من مياهٍ وافرة وبساتينَ خضراءَ يانعة يتنعمون بها، وحذَّرهم من عذابِ الله العظيم يومَ القيامة الذي لا ينفَعُ فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم من الكفر والشرك، ولكنَّ قومَ هود أصرّوا على كفرهم وعنادهم وقالوا له على وجه التهَكُم والعنادِ والاستِكبار إن كنت صادقًا فائتنا بما تعِدنا من العذاب فإنّا لا نصدقُك ولا نؤمنُ بك، فأعلمهم هودُ عليه السلام أنهم استحقوا العذاب لإصرارِهم على كفرِهم وعبادةِ الأصنام، ولِينتظروا عذابَ الله الشديدَ الواقعَ عليهم لا محالة.
ثم أمسك الله عنهم المطرَ حتى جَهِدوا، وكان كلّما نزلَ بهمُ البلاء ذكَّرهم هودٌ بدعوة الله وأنه لا يُنجيهم من البلاءِ والعذاب إلا الإيمانُ والاستماعُ لنصائِحه بالقَبول، فكان ذلك يزيدُهم عُتوًا وعنادًا فازداد العذاب عليهم وصاروا في قحط وجفاف شديدَيْن فطلبوا السقيا والمطر وأوفدوا وفدَهم إلى مكة يستسقون لهم، فأنشأ الله سحابًا أسود وساقه إلى عاد فخرجت عليها من واد فلما رأوها استبشروا أنه سحاب مطر وسُقيا ورحمة فإذا هو سحابُ عذاب ونِقمة، فالله أرسل عليهم ريحًا شديدة عاتية حملت رحالهم ودوابَهم التي في الصحراء وقذفت بها إلى مكانٍ بعيد، فدخل قلوبَهم الفزعُ وهُرِعوا مُسرعين إلى بيوتهم يظنون أنهم يَنْجون، ولكن هيهات إذ حملتهم هذه الرياحُ الشديدةُ وأهلكتهم.
أرسل الله على قوم هود ريحًا باردةً شديدةَ الهبوب سخرها الله على القوم الكافرين سبعَ ليال وثمانيةَ أيام كوامل متتابعات حتى أهلكتهم وصاروا صَرعى، وقد شبّههم الله تعالى بأعجاز النخل التي لا رءوس لها، وذلك لأنّ هذه الريح كانت تجيء إلى أحدهم فتحمِلُه فترفَعُه في الهواء ثم تُنَكِسُهُ على أم رأسه فتشدَخُهُ فيبقى جثةً هامدةً بلا رأس.
ولقد نجى الله هودًا عليه السلام ومن معه من المؤمنين، وبلادُ عادٍ اليوم رمالٌ قاحلة لا أنيسَ فيها ولا ديار، فسبحان الملكِ العزيز الجبار.