الأحد مارس 1, 2026

مختصر قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام

هو إبراهيمُ بنُ ءازر وكان يُكنّى أبا الضيفان لأنه كان مِضيافًا كثيرَ الكرم لمن استضافه.

كان أهلُ بابلَ في العراق يتنعمون برَغَدِ العيش ويتَفَيَّئُونَ ظلالَ النعمِ الكثيرة التي أنعمها الله تعالى عليهم، ولكنهم كانوا يتخَبطونَ في دَياجيرِ الظلام ويَتَردَّوْنَ في وِهاد الضلالِ والكفر، فقد نحتوا بأيديهمُ الأصنامَ واتّخذوها من دون الله ءالهةً وعَكفوا على عِبادتها، وكان عليهم حاكمٌ ظالمٌ مُستَبِدٌ يُقالُ له نُمرودُ بنُ كنعان، وكان أحدَ الملوكِ الذين مَلكوا الارضَ وأحاطَ مُلكُه مشارقَ الأرض ومغاربِها، فلما رأى ما هو عليه من الزعامة وما يَتمتّعُ به من سَطوةِ الْمُلك وقوةِ السلطان، ورأى ما أطبقَ على قومِه من الجهلِ والفساد إدّعى الألوهيةَ ودعا قومَه إلى عبادتِه، وكان قسم من قوم إبراهيم يعبدون الشمس والقمر والنجوم.

 

في وسطِ هذه البيئةِ المنحَرفةِ وفي زمنِ وعهدِ هذا الملكِ الجبارِ الكافرِ النُمرود كان مولدُ إبراهيمَ عليه السلام، والمشهورُ عند أهلِ السير والتواريخِ أنه ولد ببابل.

قال أهلُ التواريخ والسِّير: أَنَّه لما أرادَ الله عزّ وجلّ أن يَبعثَ إبراهيمَ عليه السلام وأن يجعلَه حجةً على قومِه ونبيًا رسولا اليهم، ولم يكن فيما بين نوحٍ وإبراهيمَ عليهما السلام من نبيٍ قبلَه إلا هودًا وصالحًا عليهما السلام، ولما تقارَب زمانُ إبراهيم أتى المنجمونَ الى هذا الملكِ نُمرود وقالوا له: إعلم إِنَّا نجدُ في عِلْمنا أنَّ غلامًا يولدُ في قريتِك هذه يقالُ له إبراهيم، يُفارِقُ دينَكم ويَكسِرُ أوثانَكم في شهر كذا وكذا من سنةِ كذا وكذا. فلمّا دخلتِ السنةُ التي وَصفَ أصحابُ النجومِ لنمرودَ بعثَ نمرودُ هذا إلى كلِ امرأةٍ حُبلى بقريتِه فحبَسها عندَه إلا ما كان من أمِ إبراهيم زوجةِ ءازَر والدِ إبراهيمَ عليه السلام فإنّه لم يَعلَم بِحَبَلِها، وذلك أنها كانت جاريةً لم يُعرفِ الحَبَلُ في بطنها، فجعلَ هذا الملكُ الطاغيةُ لا تلِدُ امرأةٌ غُلامًا في ذلك الشهرِ مِن تلكَ السنة إلا أمرَ بهِ فذُبح،

 فلما وَجدت أمُ إبراهيمَ عليه السلام الطلقَ خرجت ليلًا إلى مَغارةٍ كانت قريبةً منها فوَلدت فيها إبراهيمَ عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يُصنَعُ بالمولود، ثم سدَّت عليه المغارة ورَجَعَت إلى بيتها. كانت تزورُه وتطالعُه في المغارة لتنظُرَ ما فعل وكانت تأتي فتجِدُه حيًا يَمُصُ إبهامَه، فقد جُعل رزقُ إبراهيمَ عليه السلام في إبهامه فيما يَجيئُه من مَصِّه، ولم يمكث إبراهيمُ عليه السلام في المغارة إلا خمسةَ عَشَرَ شهرًا، ثم تَرَعْرَعَ وكَبُرَ واصطفاهُ الله تعالى لحملِ رسالتِه وإبانةِ الحقِ ودعاءِ قومِه إلى عبادةِ الله وحدَه وإلى العقيدةِ الصافيةِ مِن الدَّنسِ والشِرك، وإلى تركِ عبادةِ الكواكبِ والأصنامِ وإلى الدخولِ في دينِ الإسلام الذي هو دينُ جميعِ الأنبياء.

وقد ذُكِرت قصةُ إبراهيمَ في عِدةِ مواضعَ من القرءان الكريم، تارةً باختصار وتارةً بالتطويل وتارةً بذِكرِ شأنٍ من شئونه في سورة ثم شأنٍ ءاخَرَ من شئونِه في سورةٍ أُخرى. وقد كان إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام كغيرِه من الأنبياء منذُ صِغَرِه ونشأته مسلمًا مؤمنًا عارفًا بربه معتقدًا عقيدةَ التوحيدِ مُنَزّهًا ربَه عن مُشابهة المخلوقات، ومُدركًا أنّ هذه الأصنامَ التي يعبُدُها قومُه لا تُغني عنهم من الله شيئًا، وأنها لا تَضُرُ ولا تنفعُ لأنّ الضارَّ النافِعَ على الحقيقة هو الله تعالى وحدَه. يقولُ الله تعالى في حقِ إبراهيمَ: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ}.

ولقد كانَ نبيُ الله إبراهيمُ عليه السلام مُفعَمَ النفسِ بالإيمانِ بربِه وعارفًا به مُمتلىءَ الثقةِ بقدرةِ الله وأنّ الله تعالى قادرٌ على كل شيء لا يُعجزه شيء، وكان غيرَ شاكٍ ولا مُرتابٍ بوجودِ الله سبحانه، وكان مؤمنًا بما أوحي اليه مِن بعثِ الناسِ بعدَ موتِهم يومَ القيامة وحسابِهم في الحياةِ الأُخرى على أعمالِهم وما قدّموا في هذه الحياةِ الدنيا.

وأما قولُ الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}. أي ليطمئنَ قلبي بإجابةِ طلبي، لأنه من الجائز أن يُعطيَ الله تعالى بعضَ الأنبياءِ جميعَ ما طلب أو أن يُعطيَهُ بعضَ ما طلب ولا يُعطيَه بعضًا، وإبراهيمُ عليه الصلاة والسلام ما كان جازمًا وقاطعًا في نفسِه بأنَّ الله يُعطيهِ ما سأل، لكنَّه كان مؤمنًا بأنّ الله تبارك وتعالى قادرٌ على ذلك، لكنْ كانَ عندَه احتِمالٌ أنّ الله يُريهِ كيف يُحيي الموتى واحتمالٌ أنّه لا يُريه، فأجابَ الله تبارك وتعالى سؤالَ إبراهيمَ عليه السلام وأمرَه أن يأخُذَ أربعةً من الطيرِ ويتعرّفَ على أجزائها ثم يُفَرِقَها أشلاءَ وأجزاء ويجعلَ على كُلِ جبلٍ منهُنَّ جُزءا ثم يدعوهُنَّ إليه فيأتينَهُ سعيًا بإذنِ الله، فلمّا فعلَ إبراهيمُ خليلُ الرحمـٰن ما أمرهُ الله تعالى صارَ كُلُ جُزءٍ ينضمُ إلى مثلِه وعادتِ الأشلاءُ والأجزاءُ كما كانت وعادتِ الروحُ إلى كلِ طير، ورجعَتِ الطيورُ الأربعةُ بقدرةِ الله ومشيئتِه إلى إبراهيمَ عليه السلام، وهو يرى ءاياتِ الله البينات وءاثارَ قدرتِهِ العظيمةِ التي تَدُلُ أنّه تعالى لا يُعجزُه شيء في الأرض ولا في السموات فتباركَ الله أحسنُ الخالقين أي أحسنُ المقدّرين.

 

 كان الخليلُ إبراهيمُ عليه السلام يدعو قومَه إلى دينِ الله وتركِ عبادةِ الأصنام التي لا تَضُرُ ولا تَنفع، وكانَ أولُ دعوتِه لأبيه ءازر الذي كان مشركًا يصنَعُ الأصنامَ ويَعبُدُها ويَبيعُها للناسِ ليَعبُدوها فدعاهُ إلى عبادةِ الله وحدَهُ لا شريك له وإلى دينِ الحقِ الإسلام العظيم بألطفِ عبارةٍ وبأحسنِ بيان وبالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، وبيَّنَ لهُ بُطلانَ ما هو عليه من عبادةِ الأوثانِ. ولكن لم يقبل ءازرُ نصيحةَ نبيِ الله إبراهيمَ ولم يستجب لدعوتِه بل استكبرَ وعانَد وتوعَد وهددَ ابنَه إبراهيمَ بالشرِ والرجمِ والقتلِ فعندها قال له إبراهيمُ ما حكاه الله عنه: {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ} أي سلامٌ عليك لا يصِلُك مني مكروهٌ ولا ينالُك مني أذى، وزادَه بأن دعا له بالخير فقال: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} أي سأطلبُ من الله أن يغفِرَ لك كُفركَ بالدخولِ في الإسلام وليس معناه إني أطلبُ لك باللفظِ كما يستغفرُ المسلمُ للمسلمِ بقوله: الله يغفرُ لك أو أستغفرُ الله لك.

ثم لما عَلِمَ إبراهيمُ أنَّ أباه لا يُسلم بل يموتُ على الكُفر تبرأَ منه. وهذه الغِلْظَةُ والاستِكبارُ مِن والِدِ إبراهيمَ عليه السلام لم تُقْعِدْهُ وتَمْنَعْهُ مِنْ مُتابَعَةِ دعوتِه إلى الله سبحانه وتعالى ولم تُثْنِه عدمُ استجابةِ أبيه لنُصحِه ودعوتِه إلى عبادةِ الله وحدَه عن متابعةِ دعوتهِ لقومهِ إلى هذا الدينِ الحقِ العظيم وتركِ عبادةِ الكواكبِ والأصنام.  

أرادَ إبراهيمُ عليه السلام أن يُبَيِّنَ لِقَوْمِهِ أنّ عبادَةَ الكواكبِ باطلةٌ وأنها لا تصلُح للعبادةِ أبدًا لأنها مَخلوقةٌ مُسَخَّرَةٌ مُتغيرة تطلُعُ تارةً وتَغيبُ تارةً أُخرى، وأنها تتغيرُ من حال إلى حال وما كان كذلك لا يكونُ إلهًا، لأنها بحاجة إلى من يغيرُها وهو الله تبارك وتعالى الدائمُ والباقي الذي لا يتغيرُ ولا يزولُ ولا يفنى ولا يَموت، لا إله الا هو ولا ربَّ سِواه، فبَيَّن إبراهيمُ عليه السلام لقومِه أولًا أنّ الكوكبَ لا يصلُح للعبادة فقال لهم هذا ربي؟!!  أي على تقديرِ الاستفهامِ الإنكارِيّ فكأنَه قال: أهذا ربّي كما تزعُمون؟! هذا لا يستحق العبادة!!، لذلك لَمّا غابَ الكوكبُ قال: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي لا يَصْلُحُ أن يكونَ هذا الكوكبُ ربًا لأنه يأفُلُ ويَتَغَيرُ ومن كان كذلك لا يستحق العبادة، ولَمّا لم يفهموا مقصودَه وظلّوا على ما كانوا عليه، قال حينَ رأى القمرَ مِثلَ ذلك فلمّا لم يَجِد منهم بُغْيَتَهُ أظهرَ لهم أنه بريءٌ من عبادةِ القمر لأنّه لا يَصْلُحُ للعبادةِ ولا يصلُحُ للربوبية، ثم لما أشرقتِ الشمسُ وظهرَت قال لهم مثلَ ذلك، فلما لم ير منهم بُغيتَه أيضا وأنهم أصحابُ عقولٍ سقيمةٍ وقلوبٍ مُظلمةٍ مستكبرةٍ أيِسَ منهم وأظهرَ براءتَه من هذا الإشراكِ الذي وقعوا به وهو عِبادةُ غيرِ الله تعالى، وأما إبراهيمُ عليه السلام فهو رسولُ الله ونبيُه فقد كان مؤمنًا وعارِفا بربِه كجميعِ الأنبياءِ لا يَشُكُ بوجودِ الله طرفَةَ عين، وكان يعلمُ أنّ الربوبيةَ لا تكون إلا لله وأنه لا خالقَ إلا الله ولا معبودَ بحقٍ إلا الله.

ولم يكن كما يَفتري عليه بعضُ أهلِ الجهلِ والضلالِ من قولِهم إنه مرَّ بفَتَراتٍ وأوقاتٍ شكَّ فيها بوجودِ الله، لأنّ الأنبياءَ والرُسُلَ جميعَهم يَستحيلُ عليهمُ الكفرُ والضلالُ قبلَ النبوةِ وبعدَها، لأنهم بُعثوا هداةً مُهتدين ليعلّموا الناس الخير وما أمرهم الله بتبليغه، فقد كان إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام قبلَ مناظرتِه لقومِه وإقامةِ الحجةِ عليهم وقبلَ دعوتِهم إلى الإسلام والإيمان يعلم علمًا يقينًا لا شك فيه أنّ له ربًا وهو الله تبارك وتعالى الذي لا يشبه شيئًا وخالقُ كل شيء، وأنّ الأولوهيةَ والربوبيةَ لا تكونُ الا لله الموجود بلا مكان خالقِ السمواتِ والأرضِ وما فيهِما وهو مالكُ كلِ شيء وقادرٌ على كل شيء ولا يشبه شيئًا وعالمٌ بكلِ شيء ونافِذُ المشيئةِ في كلّ شيء، والدليلُ على ذلكَ من القرءان قولُه تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ}، وقوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}

 

واعلموا رحمكم الله أنه لا يجوز اعتقاد أنَّ إبراهيم عليه السلام شكّ في الله تعالى أو عبد غير الله، ومن اعتقد ذلك فقد وقع في الكفر والعياذ بالله تعالى ووجب عليه تصحيحُ عقيدته والنطقُ بالشهادتين للدخول في دين الإسلام.

قصة تكسير إبراهيم للأصنام:

بعد أن ذكرنا ما حصل مع سيدنا إبراهيمَ مع من كانوا يعبدون النجوم والكواكب من قومه. نواصل كلامنا إن شاء الله بذكر ما لاقاه مع من يعبدون الأصنام منهم. لما رأى إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام أنهم ما زالوا متعلقينَ بأوهامهم متمسكين بعبادة أصنامهم عَقَد النيةَ على أن يَكيدَ أصنامَهم ويفعلَ بها أمرًا يُقيمُ الحجةَ به عليهم لعلَهم يَفيقونَ من غَفلتِهم ويَصحُونَ من كَبْوَتِهِم، وكان من عادةِ قومِه أن يُقيموا لهم عيدًا، فلمَّا حلَّ عليهم عيدُهم وهمّوا بالخروجِ إلى خارج بلدِهم دعَوْهُ لِيَخْرُجَ معهم قال لهم {إِنِّي سَقِيمٌ} أي سيلحَقُني المرض وليس هذا كذِبا منه عليه السلام.

فلمّا مضى قومُه ليحتفِلوا بعيدهم ذهب إبراهيمُ إلى بيت الأصنام الذي كان فيه قومُه يعبدون هذه الأصنام، فإذا هو في بَهْوٍ عظيمٍ واسع وفيه صنمٌ كبيرٌ وإلى جانبه أصنامٌ صغيرة بعضُها إلى جنب بعض، وإذا هُم قد صَنعوا لها طعامًا وضعوهُ أمامَ هذه الأصنام، فلما نظرَ إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام إلى ما بينَ أيدي هذه الأصنام من الطعام الذي وضَعه قومُه قُربانًا لها ورأى سخافةَ عقولِهم، خاطبَ هذه الأصنام وقال لها على سبيل التَهَكُّمِ والازدراء: {أَلا تَأْكُلُونَ}، فلما لم تجبه قال لها أيضا على سبيل الاحتقار: {مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ}.

ثم أمسكَ بيده اليُمنى فأسًا وأخذَ يهوي على الأصنام يُكَسِّرُها ويُحَطِّمُ حِجارتَها وما زال كذلك حتى جعلَها كُلَها حُطامًا إلا كبيرَ هذه الأصنام فقد أبقى عليه وعَلَّقَ الفأسَ في عنُقِهِ ليرجِعوا إليه فيُظهِرَ لهم أنها لا تنطِق ولا تعقِل ولا تدفَعُ عن نفسِها ضررًا، وبذلك يُقيمُ سيدُنا إبراهيمُ عليه السلام الحجةَ على قومِهِ الكافرين الذين يعبُدونها على غيرِ بُرهانٍ ولا هُدى تقليدًا لآباءهم. ولما رجَعَ قومُه من عيدهم ووَجدوا ما حلَّ بأصنامِهم بُهِتوا واندهشوا وراعَهم ما رأَوا في أصنامهم، وبلغ ذلك الخبرُ الملكَ نُمرودَ الجبار ملكَ البلاد وحاكمَها وأشرافَ قومه، وأجمعوا على أن يُحضروا إبراهيمَ ويَجمعوا الناسَ ليشهدوا عليه ويَسمعوا كلامَه وكان اجتماعُ الناسِ في هذا المكانِ الواحدِ مقصِدَ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ليُقيمَ على قومِهِ الحجةَ على بُطلان ما هم عليه من عبادةِ الأصنام التي لا تَضُرّ ولا تنفع،

 وتقاطَرَتِ الوفودُ وتكاثرت جمُوعُ الكافرين كلٌّ يريدُ الاقتِصاصَ من إبراهيمَ نبيِ الله الذي أهانَ أصنامَهم واحتقَرَها، ثم جاءوا بإبراهيمَ عليه الصلاة والسلام إلى هذا الجمعِ الزاخِرِ منَ الكافرين أمامَ ملِكِهِمُ الظالم نمرود فقالوا له ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ وهنا وجد نبي الله إبراهيمُ الفرصةَ سانِحة ليُقيمَ الحجةَ عليهم وليُظهرَ لهم سُخْفَ معتَقَدِهِم وبُطلان دينهم {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} والمعنى بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم. 

وهذا إلزامٌ للحجة عليهم بأنّ الأصنام جمادٌ لا تقدِر على النُطق، وأنَّ هذه الأصنام لا تستحقُ العبادة فهي لا تَضُرُّ ولا تنفع، ولا تملِكُ لهم نَفعًا ولا ضُرًا ولا تُغني عنهم شيئًا. فعادوا على أنفسهم فيما بينهم بالملامة لأنهم تركوها من غير حافظ لها ولا حارس عندها، ثم عادوا فقالوا لإبراهيمَ عليه السلام لقد علمتَ يا إبراهيمَ أنّ هذه الأصنامَ التي نعبدُها لا تنطِق. فلما أَقروا على أنفسهم بأنّ أصنامَهُمُ التي اتخذوها ءالهةً من دون الله عاجزةٌ عن الإصغاءِ والنُطق واعترفوا أنها عاجزة لا تُدرِك ولا تقدِر ولا حياةَ لها، عند ذلك أقامَ إبراهيمُ عليه السلام الحجةَ عليهم وأفحَمهم.

قالَ لهم أفتعبدونَ مِن دونِ الله ما لا يَنْفَعُكُم شيئًا ولا يَضُرُّكُم؟! أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون، عند ذلك غُلِبوا على أمرِهم وألزمهم نبيُ الله إبراهيمُ الحجةَ عليهم فلم يَجدوا حُجَةً يحتجون بها عليه. والله أعلم وأحكم.

بعد أن أقامَ إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام الحجةَ على قومِه بعد أن حطّم أصنامَهم، اغتاظوا منه وأحضروه أمام ملِكهم النمرود وأشرافِ قومِه، فأخذ النمرود يُنكر على إبراهيمَ عليه السلام دعوتَه إلى دين الإسلام وأنّ الله تعالى هو ربُّ العالمين لا ربَّ سواه، وأخذ يدَّعي عنادًا وتكبرًا أنه هو الإله وقال لإبراهيم: أخبِرني الذي تعبُده وتدعو إلى عبادتِه ما هو، فقال له إبراهيمُ عليه السلام: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} فقال النمرودُ الجبارُ المستكبر: أنا أحيي وأميت أي أنا أُحيي من أشاءُ بالعفوِ عنه بعد أن يكونَ صدرَ الحكمُ عليه بالقتل فيَنعَمَ بالحياة، وأنا أميت من أشاءُ بأمري وأقضي عليه بِحُكمي، وقال: ءاخُذُ رجلين قد استوجبا القتلَ فأقتُل أحدَهما فأكونُ قد أمتُه وأعفو عن الآخر فأكونُ قد أحييتُه. ظَن نُمرودُ بمقالتِه هذه البعيدةِ عن الحقيقةِ أنه على صوابٍ وأرادَ الْمُراوغَة والاستكبارَ والعناد،

فأرادَ إبراهيمُ عليه السلام أن يُفحِمَهُ بالحجةِ القويةِ ويُضَيِّقَ عليه الخِناق ويُظهرَ له جَهلَهُ وسُخْفَ عقلِهِ أمامَ قومِه، فأعطاهُ دليلًا قويًا على أنّ الله تعالى هو الخالقُ المدبّرُ لهذا العالم، وأنّ ما ادعاهُ عنادًا واستِكبارًا باطل فقال له: {فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} أي أنّ هذه الشمسَ مسخرةٌ كلَ يومِ تَطْلُعُ من المشرق كما سَخَّرَها الله الذي هو خالقُها وخالقُ كل شيء، فإن كنت كما زعمتَ باطلًا أنك تُحيي وتُميت فأت بهذه الشمسِ من المغرب، فإنّ الذي يُحيي ويُميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يُمانَع ولا يُغالَب، وأمامَ هذه الحجةِ الساطعة وقف نُمرودُ مبهوتًا مبغوتًا أمام قومه.

 وأرادَ قومُ إبراهيمَ عليه السلام أن ينتقموا من إبراهيمَ عليه السلام لما كسَّرَ أصنامَهم وحطمَها وأهانها، فلمَّا غلبَهم بحجتِه القويةِ الساطعةِ أرادوا مع ملِكِهم هذا أن ينتقِموا منه فيَحرِقوهُ في نارٍ عظيمةٍ فيتخَلصوا منه قال تعالى مُخْبِرًا عن قولهم: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا ءالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} فشرَعوا يَجمعونَ الحطبَ من جميع ما يمكنُهم من الأماكن ليُلقوه بها، وهذا يدلُ على عُظمِ الحقدِ المتأججِ في صدورِهم ضِدَ إبراهيمَ عليه السلام.

 ثم عَمدوا إلى حُفرَةٍ عظيمةٍ فوضعوا فيها ذلك الحطب وأضرموا النارَ فيها فتأجَجَت والتَهَبَت وعلا لها شرَرٌ عظيم لم يُرَ مثلُه، وكانوا لا يستطيعون لقوةِ لهيبِها أن يتَقدموا منها، ثم لما كانوا لا يَستطيعونَ أن يُمسكوا إبراهيمَ عليه السلام بأيديهم ويرموهُ في هذه النارِ العظيمةِ لشدةِ وهْجِها، صنعوا الْمنجنيق ليرموهُ من مكانٍ بعيد، فأخذوا يُقَيِدون إبراهيمَ عليه السلام وهو عليه الصلاةُ والسلام مُتَوَكِّلٌ على الله تعالى حقَّ توكُلِه، فلما وضعوه عليه السلام في كَفةِ هذا الْمنجنيق مقيدًا مكتوفًا وألقُوه منه إلى وسط النار قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل” كما روى ذلك البخاري عن ابن عباس.

فلما أُلقِيَ إبراهيمُ لم تَحْرِقْهُ النار ولم تُصِبْهُ بأذًى ولا ثيابَه، لأنَّ النارَ لا تُحرِقُ بذاتِها وطبعِها وإنما الله يخلُقُ الإحراقَ فيها، قال الله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}. فكانت هذه النارُ الهائلةُ العظيمةُ بردًا وسلامًا على إبراهيمَ فلم تَحرِقْهُ ولم تَحْرِقْ ثِيابَه، وقيل: لم تَحرِق سوى وِثاقِه الذي وَثّقوا وربطوا به إبراهيمَ عليه السلام. ولما خبا سعيرُ هذه النارِ العظيمةِ وانقَشعَ دُخانُها وجدوا إبراهيمَ سليمًا مُعافى لم يُصبه أيُ أذى فتَعجبوا لأمره ونجاته، ومع أنهم رأوا هذه المعجزةَ الباهرةَ ظلوا على كفرِهم وعنادِهم ولم يُؤمنوا بنبيِ الله إبراهيمَ عليه السلام، ولقد أرادوا أن ينتَصِروا لكُفْرِهم فخُذِلوا، يقولُ الله تعالى في القرءان الكريم: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}.

وأصرَّ قومُ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام على الكفرِ والضلالِ ولم يؤمن بهِ إلا نَفَرٌ قليلٌ منهم، ولما لم يَجد إبراهيمُ عليه السلام منهم إقبالًا إلى الهدى والايمان أرادَ أن يُهاجر إلى بلدٍ يتمكنُ فيه من عبادةِ الله ودعوةِ الناسِ فيه إلى الايمانِ والإسلام العظيم، علَّهُ يجدُ هناك ءاذانًا صاغيةً وقلوبًأ واعية تَقبلُ الحقَ والإيمان وتُقِرّ بوَحدانيةِ الله الملكِ الديّان مالكِ السمواتِ والأرض. قال الله تعالى حكاية عن نبيِه إبراهيمَ عليه السلام: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} وذلك حين أرادَ هجرةَ قومِه بعد هذا الإصرارِ والعنادِ منهم على كفرِهم وضلالهِم، أي إني ذاهبٌ إلى حيث أمرني ربي عزّ وجلّ وهو الشام، أو المعنى إلى حيث أتمكن فيه من عبادة ربي عزّ وجلّ. وهاجر سيدُنا إبراهيمُ عليه السلام مع زوجته سارة وابنِ أخيه لوط إلى أرضِ الشام، وبعثَ الله تعالى سيدَنا لوطًا رسولا إلى أهلِ سَدوم في أطرافِ الأردن،

وكان في هجرةِ إبراهيمَ عليه السلام إلى برِ الشام بأمرِ الله خيرٌ وبركة، فلقد وهبَه الله تبارك وتعالى بهجرته هذه في سبيل الله الأولادَ الصالحين وجعلَ في ذريتِه النبوةَ والكتاب. والحمد لله على نعمه.

 

رحلةِ إبراهيمَ عليه السلام إلى مصر ومولدِ إسماعيل عليه السلام وقصة ماء زمزم :

يقال إنه لما ضاقت سبُلُ العيش في الشام وعمَّ القحطُ رحلَ إبراهيمُ عليه السلام إلى مصر وكانت معه زوجته سارة، وكان على هذه الأرض ملكٌ كافرٌ جبارٌ متسلّط، وكان قابضًا على زِمام الحكمِ في هذه البلاد، وكان من جملةِ الفسادِ الذي عند هذا الملكِ الخبيث أنه كان إذا دخلت إلى بلدتِه وأرضِه امرأةٌ متزوجةٌ جميلةٌ يأخذونها إليه ليفعلَ الفاحشةَ بها، فلما دخلَ إبراهيمُ عليه السلام مع زوجتِه سارة إلى أرضِ هذا الجبار العنيد وكانت سارة من أحسن وأجمل النساء، وُصف حسنُها وجمالُها عليها السلام لهذا الملكِ الجبارِ الخبيث فأرسل إلى إبراهيمَ فقال له: من هذه المرأة التي معك؟ ففطِن إبراهيمُ عليه السلام إلى مقصده الخبيث ومأرَبه فلم يُرِد أن يُخبِرَهُ أنها زوجتُه حتى لا يُبيِّت له الشرَ فيقتُلَه ليتخلصَ منه فيستأثرَ بسارة من بعده، فقال له إبراهيمُ: أختي أي أختي في الاسلام وهذا صدقٌ ما فيه كذب، فظن الملك الجبار أنها غيرُ متزوجة،

 ودخلت سارةُ عليه بعد أن قامت وتوضأت ودعتِ الله تعالى أن يكفيَها شره، فلما رءاها أُعجب بها ومدَّ يده إليها ليتناولها لكنه أُخِذ ويَبِست يدُهُ فقال لها: اِدعي الله لي ولا أضرُك، فدعتِ الله تبارك وتعالى فانفَكَتْ يدُه بعد يُبسها وعادت إلى طبيعتِها، ولكن هذا الخبيثَ طاوَعَ نفسَه الخبيثة وأمرَته أن يَمُدَ يدَه إلى سارة ليتناوَلها مرًة ثانية، فلما أهوى إليها يَبِست له مثلَ المرةِ الأولى أو أشد، فقال لها: ادعي الله لي ولا أضُرُكِ فدعت سارةُ الله تعالى فأطلق الله يده، فلما رأى هذا الخبيثُ ما رأى ردها إلى إبراهيمَ عليه السلام، ودعا بعضَ خدمه فقال لهم: إنكم لم تأتوني بإنسان إنما أتيتموني بجنية، ووهب لسارة وأخدَمها هاجر، فأقبلت سارةُ عليها السلام بهاجرَ إلى زوجها إبراهيمَ عليه السلام وهو قائمٌ يصلي،

ثم لما سألها إبراهيمُ عمّا جرى معها قالت له: كفاني الله كيدَ الكافرين وأخدمني هاجر. وقد مكث إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام مع زوجتِه سارة في فلسطين واستقر بها وكانت سارةُ عقيمًا لا تلِد وكان يَحزُنُها أن ترى زوجَها ليس له ولد. قيل: كان قد بلَغ من العمُر ستًا وثمانينَ سنة وهي قد جاوزت السبعين، فوهبت سارةُ هاجر وأعطَتْها لزوجِها إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام، فقبل إبراهيمُ ذلك فلما أعطت سارةُ هاجرَ لإبراهيمَ عليه السلام صارت مِلكه وحلالا له في شريعة الله لأنها كانت أَمَةً مملوكة، فلمّا دخل إبراهيمُ بهاجر ولدت له غلامًا زكيًا هو سيدُنا إسماعيل عليه السلام الذي كان من نسلِه سيدُنا محمد صلى الله عليه وسلم، ففَرِحَ إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام بهذا المولودِ الجديد وكذلك فرِحت زوجتُه سارة لفرحه،

ولَمَّا بلغ إبراهيمُ مع ابنه إسماعيل وأمهِ هاجر مكة وكانت هاجرُ تُرضِعُ ابنَها إسماعيل، وضعها إبراهيمُ مع ابنه هناك وليس بمكة يومئذ أحدٌ ولا بُنيانٌ ولا عُمرانٌ ولا ماءٌ ولا كلأ، تركَهما هناك وتركَ لهما كيسًا فيه تمرٌ وسِقاءً فيه ماء، ثم لما ارادَ العودةَ إلى بلادِ فلسطين وقَفَّى راجِعًا لحِقَتْهُ هاجرُ أمُ إسماعيل وهي تقولُ له: يا إبراهيمَ أين تترُكُنا في هذا المكان الذي ليس فيه سميرٌ ولا أنيس؟ ءالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت له بلسانِ اليقين وبالمنطِقِ القويم: إذًا لا يُضَيِّعُنا، ثم رَجَعت.

ولما ابتعدَ إبراهيمُ عن ولدِه وأمِ إسماعيل قليلًا وعندَ الثَنِيّة التفَتَ جِهَةَ البيتِ ووقفَ يدعو الله تبارك وتعالى لهم بخير.

مكثت هاجرُ أمُ إسماعيل مع ولدِها إسماعيل حيث وضعَهُما إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام وصارت تُرضِعُ ولدَها إسماعيل وتشربُ من ذلك الماءِ الذي تركَه لهما إبراهيم، حتى إذا نفَذَ ما في السِقاء عطِشت وعطِشَ ابنُها وجَعلَ يبكي ويتلوى من شدة العطش، وجعلت تنظرُ إليه وهو يتلوى، وانطلقت من مكانها كراهيةَ أن تنظُرَ إليه في هذه الحالة وصارت تُفَتِشُ له عن ماء، فوجدت الصفا أقربَ جبلٍ في الأرضِ يليها فصَعِدت عليه، ثم استقبَلَتِ الوادي تنظُرُ هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبَطَت من الصفا حتى بلغتِ الوادي وصارت تَسعى سَعيَ الْمَجهود حتى وَصَلَت إلى جبلِ المروة، فصَعِدَت عليه ونظَرت فلم تَجد احدًا، فأخذت تذهبُ وتجيء ُبين الصفا والمروة سبعَ مرات، فلما أشرَفَت على المروة سمِعت صوتًا، فقالت: أغِثنا، فرأت مَلَكًا وهو جبريلُ عليه السلام يضرِبُ بقدمِهِ الأرض حتى ظهرَ الماءُ السلسبيلُ العذبُ وهو ماء زمزم، فجعلت أمُ إسماعيل تُحَوِّط الماء وتغرِفُ منه بسِقائِها وهو يَفور، وجعل جبريلُ يقولُ لها: لا تخافي الضَياع فإنّ لله هَهُنا بيتًا وأشارَ إلى أَكَمَةٍ مرتفعةٍ من الأرض يبنيه هذا الغلامُ وأبوه.

شَرِبَت هاجَرُ من ماءِ زمزم، وارتوت وأرضعت ولدَها إسماعيل شاكرةً الله الكريمَ اللطيفَ على عظيم فضله ورحمته وعنايته، ثم بدأت الطيورُ ترِد ذلك الماءَ وتحومُ حوله، ومرَّت قبيلةُ جُرهُم العربية فرأوا الطيورَ حائمةً حولَ ذلكَ الماء، فاستدَلوا بذلك على وجودِ الماء، فوصلوا إلى ماءِ زمزم واستأذنوا من أم إسماعيل أن يضربوا خيامَهم حولَ ذلك المكانِ قريبًا منه فأذِنت لهم واستأنست بوجودِهم حولَها، ثم أخذَ العُمرانُ يتكاثرُ ببركةِ هذا الماءِ المبارك الذي خلقَه الله في ذلك المكانِ من هذه البقعةِ المباركةِ الطيبة.

شَبَّ إسماعيلُ عليه السلامُ ولَدُ إبراهيمَ بينَ قبيلةِ جُرهُمٍ العربية وتعلّمَ منهمُ العربية وتَرَعْرَعَ بينَهم، ولما أعجبَهم سيرتُه وخُلقُه زوجوه امرأةً منهم، وأصبحت مكةُ مأهولةً بالسكان منذ ذلك الحين بعد أن كانت جَرداء، وكان سيدُنا إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام بعدَ أن رجَعَ إلى فِلسطين بعد كلِ مُدةٍ وحين، يذهبُ إلى مكةَ بالبُراق يَتَرَدَّدُ إليهم وينظُرُ إليهم ويتفقَدُهُم صلواتُ الله وسلامُه عليه.

 

قصةُ الذبيحِ إسماعيل وبناءُ البيت:

 إنَّ الله إذا أمرَ بشىء يكونُ حسنًا، فالله يُبيحُ ما يشاء ويُحرِمُ ما يشاء، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. وليُعلم أنّ أمرَ الله لإبراهيم بذبحِ ولدِه إسماعيل فيه حكمة وهي إظهارُ كمالِ انقيادِ إبراهيمَ وإسماعيل لله تعالى.

 

رأى إبراهيمُ عليه السلام في منامِه رؤيا أنَّ الله تعالى يأمرُهُ بذبحِ ولدِه إسماعيل ورؤيا الأنبياءِ وحي، فما كان مِن نبي الله إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام بعد أن استيقظَ من النوم إلا أن سارَعَ لتنفيذِ أمرِ الله تبارك وتعالى دونَ تَردُد، فقد قيل: لما أرادَ إبراهيمُ عليه السلام ذبحَ ولدِه إسماعيل قالَ له: انطلِق فنقرِّبُ قُربانًا إلى الله عزّ وجلّ، فأخَذَ سِكينًا وحَبلًا ثم انطلقَ معَ ابنِه إسماعيل حتى إذا ذَهبا بينَ الجبال قالَ له إسماعيل: يا أبتِ اينَ قُربانُك؟ فقالَ لهُ إبراهيمُ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}. ويقالُ: عرضَ إبراهيمُ ذلك على إسماعيل ليكونَ أطيبَ لقلبِه وأهونَ عليه من أن يأخُذَهُ قَسرًا ويَذبَحَهُ قهرًا، فبادرَ إسماعيل الحليمُ أباهُ بقوله يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، 

 فكان جوابُ إسماعيل لأبيه إبراهيمَ في غايةِ السدادِ والطاعةِ لأبيه إبراهيمَ عليه السلام. وأرادَ إسماعيل أن يُخَفِفَ عن أبيه لَوعَةَ الثُكْلِ ويُرشِدَهُ إلى أقربِ السُبل ليصلَ إلى قصدِه فقال لأبيه إبراهيمَ: يا أبتِ اجعل لي وِثاقًا وأحكِم رِباطي حتى لا أضطرِب، واكفُفْ عني ثيابَك حتى لا يَنْتَضِحَ عليكَ من دمي فتراهُ أمي فتَحزن، وأسرِع مَرَّ السكينِ على حلقي ليكونَ أهونَ للموتِ عليّ فإذا أتيتَ أمي فاقرأ عليها السلامَ مني، فأقبلَ عليهِ إبراهيمُ برأفةِ وحنانِ الآباء يُقبِلُهُ ويبكي ويقولُ له: نِعْمَ العونُ أنت لي يا بُني على أمرِ الله عزّ وجلّ،

فَلَمَّا استسلما لأمرِ الله وألقاهُ على وجهِه، وقيل: أرادَ إبراهيمُ أن يذبَحَهُ من قفاهُ لِئلا يُشاهدَه في حالِ الذبح. وأمرَّ إبراهيمُ السكينَ على رَقَبَةِ ولدِه إسماعيل فلم تقطع شيئًا لأنّ الله تبارك وتعالى لم يشأ لها أن تَقطع، لأنّ السكينَ لا يَقطعُ بطبعِهِ وبذاتِهِ وإنما خالقُ القطعِ هو الله تعالى وحدَه، والسكينُ سببٌ للقطعِ فلا تَقْطَعُ إلا بمشيئةِ الله فالله تبارك وتعالى خالقٌ للسكينِ وخالقٌ للقطعِ أي خالقٌ للسبَبِ والمسبَب، فالأسبابُ لا تخلُق شيئًا وإنما الخالقُ هو الله تعالى وحدَه.

 وعندما أمرَّ إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام السكينَ على رقَبةِ إسماعيل عليه السلام فلم تَحْكِ شيئًا ولم تقطع أرسلَ الله تعالى لإبراهيمَ فِداءً لإسماعيل بذِبحٍ وهو كَبِشٌ عظيم، وكان هذا الكبِشُ أبيضَ عظيمًا أقرن ذبَحه إبراهيمُ بمنى فداءَ ابنه إسماعيل عليه السلام.

و لما أراد إبراهيمُ ذبحَ إسماعيل تنفيذًا لأمرِ الله ظهرَ له إبليسُ ثلاثَ مرات عندَ موضِعِ الجمراتِ الثلاثِ اليوم، وذلك ليوسوسَ له بالمعصيةِ فرماهُ سيدُنا إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام عند هذه المواضعِ بالحصى إهانةً له، فأمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أُمروا بهذا الرميِ إحياءً لسنةِ نبيِ الله إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام، وفي ذلكَ رمزٌ لمشروعيةِ مُخالفةِ الشيطانِ وإهانتِه وليس معنى الرجمِ أن الشيطانَ يسكُن هناك. 

بناءِ البيت:

أمرَ الله تبارك وتعالى إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ببناءِ البيتِ الحرام أيِ الكعبِة وبَوّأهُ الله مكانَه أي أرشَدَهُ إليهِ ودَلَّهُ عليه، وقيلَ إنّ الذي دلّه على موضِعِ البيتِ هو جبريلُ عليه السلام، فسارَ إبراهيمُ عليه السلامُ إلى مكةَ المكرمة، فلما وصلَ إلى مكةَ وجدَ إسماعيلَ يُصلِحُ نبلًا لهُ وراءَ زمزم فقال له: يا إسماعيل إن الله قد أمرني أن أبنيَ بيتًا، قال له إسماعيل: فأطِع ربك، فقال له إبراهيم: قد أمرَكَ أن تُعينَني على بنائه، قال: إذن أفعل،

فقام إبراهيمُ إلى مكانِ البيت، فجعلَ يَبني وإسماعيلُ يناولُه الحجارة، وكلما أنهيا بناءَ صفٍ منها ارتفَعَ مقامُ إبراهيمَ بهِ حتى يَبني الذي فوقَه، وهكذا حتى تَمّت عِمارتُها. ومقامُ إبراهيمَ هو حَجَرٌ كان يقفُ عليه إبراهيمُ عندَ بناءِ الكعبة وضعَه له ابنُه إسماعيلُ ليرتفِعَ عليه كلما ارتفعَ البناء،

 وهكذا بنى إبراهيمُ الخليلُ أشرفَ المساجِدِ في أشرفِ البِقاعِ في وادٍ غيرِ ذي زَرع، ودعا لأهلِها بالبركةِ وأن يُرزَقوا من الثمرات معَ قِلةِ المياه وعدَمِ الأشجارِ والزروعِ والثمار وأن يَجعلَه الله حرمًا ءامنًا. كذلك سألَ إبراهيمُ عليه السلام الله تعالى أن يبعَث فيهم رسولًا منهم أي من جِنسِهم وعلى لُغَتِهِمُ الفصيحةِ البليغةِ يعلمُهُمُ الكتابَ والحكمةَ ويُزكّيهم ويطهِرُهُم.

وقدِ استجابَ الله تعالى دعوةَ نبيِه إبراهيمَ فبعثَ في العربِ وفي أشرفِ القبائلِ منهم رسولًا عظيمًا وهو سيدُنا محمدٌ سيدُ الأولينَ والآخرين.  

 

مولدُ إسحاق وموتِ إبراهيمَ عليه السلام:

قال الله تعالى في حقِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}. كان إبراهيمُ عليه السلام يذهبُ بعد كلِ مدةٍ إلى مكةَ المكرمة يتفقدُ ولدَه إسماعيل وأمَّه هاجرَ عليهمُ السلام وقد صارَ إسماعيلُ عليه السلام بعدما تزوَجَ هناك نبيًا. وبعدَ أن بلغَت زوجتُهُ سارةُ سِنَ اليأس وهو السِنُ الذي لا تلِدُ المرأةُ فيه عادةً وكانت امرأةً عقيمًا وكان عُمرُها تِسعينَ سنة رزَقَها الله ورَزَقَ زوجَها إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ابنًا نجيبًا عليمًا وهو إسحاقُ عليه السلام الذي صارَ بعد ذلك نبيًا كأخيه إسماعيل عليهما السلام.

أما كيفَ جاءَ إبراهيمَ وزوجتَه سارةَ البِشارَةُ بهذا الولدِ الطيّب، فقد ذكرَ الله تبارك وتعالى أنَّ ثلاثةً من الملائكةِ الْمُكرّمينَ عندَه قيل هم: جبريل وميكائيل وإسرافيل لما وَفدوا على نبيِ الله إبراهيمَ الخليل حَسِبَهم أولًا ضُيوفًا ولم يكن يعلم أنهم ملائكة، فعامَلَهُم مُعامَلَةَ الضيوف وشوى لهم عِجلًا سمينًا من خِيارِ بقرِه، فلما قرَّبَهُ إليهم وعرضَ عليهم لم يرَ لهم هِمَّةً إلى الأكلِ لأن ملائكةَ الله الكرام لا يأكلون ولا يشربون ولا يتعبون ولا يتوالدون وليسَ فيهم حاجةٌ إلى الطعام، ثم لَمّا علم إبراهيمُ عليه السلام أنهم ملائكة وأنهم في طريقهم إلى مدائنِ قومِ لوطٍ الكافرين ليُدمِروهم ويُنزلوا بهمُ العذابَ لكفرهم وفُجورِهم، إستبشرت سارةُ غضبًا لله عليهم، وكانت قائمةً على رءوسِ الضيوفِ كما جرت بهِ عادةُ الناسِ من العربِ وغيرِهم، وضَحِكَت استبشارًا بذلك ثم بشرَتها الملائكةُ بإسحاق، عند ذلك أقبلَت سارةُ في صَرخَةٍ وصَكَّت وجهَها كما يفعل النساءُ عند التَعجُب وقالت: كيف يَلِدُ مثلي وأنا امرأةٌ كبيرةٌ وعقيمٌ وزوجي شيخٌ كبيرٌ، وكذلك تعجبَ إبراهيمُ استبشارًا بهذه البِشارةِ فرحًا بها. فأكدوا لإبراهيم هذه البِشارة وبشروه وزوجتَه سارة بغلامٍ عليمٍ وهو إسحاق أخو إسماعيل عليهما السلام.

 

قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}. وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}، فقيل: كلُّ كتاب أُنزِلَ من السماءِ على نبيٍ من الأنبياءِ بعد إبراهيمَ الخليلَ فعلى ذريتِه وهذه منزلةٌ عاليةٌ ومرتبةٌ عليّة، وذلك أنه وُلِدَ لإبراهيمَ الخليل لصُلبِه ولدانِ ذكرانِ عظيمان صارا نبيينِ ورسولين وهما: إسماعيل من هاجر، ثم إسحاقُ من سارة، ووُلِد لإسحاقَ يعقوب وهو إسرائيل الذي كثُرت جدًا في ذريتِه النبوة بحيثُ لا يعلمُ عددَهم إلا الله تبارك وتعالى الذي بعثَهم، حتى خُتِموا بعيسى ابنِ مريم من بني إسرائيل.

وأما إسماعيلُ عليه السلام الذي نشأ في قبيلةِ جُرهُمٍ العربية وتعلمَ منهمُ اللغةَ العربية وتزوَجَ منهم، فلم يوجد من سُلالَتِهِ من الأنبياء سِوى خاتَمِ الأنبياء على الإطلاق وسيدِهم وسيدِ الأولين والآخرين وهو سيدُنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ المطلب بنِ هاشمٍ القرشيُ الذي وُلدَ بمكة وهاجرَ إلى المدينة.

وقد مدحَ سيدُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم إبراهيمَ عليه الصلاةُ والسلام عدّةَ مرات ومنها قولُه صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الكريمَ ابنَ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ خليلِ الله”.

وقد تُوُفِيَ سيدُنا إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام ولهُ من العُمُرِ مِائتا سنةٍ كما يُفهَمُ ذلك من حديثِ ابنِ حبان، وقيل: عاش سيدُنا ابراهيم مائةً وخمسًا وسبعينَ سنة. وقد عاشَ عليه الصلاة السلام بعدَ هجرته من العراق في فلسطين وقد استقر بها، وكان يترددُ إلى مكةَ المكرمة من حين لآخر ليتفقَدَ ولدَه إسماعيلَ وأمَه هاجر عليهما السلام.

 وقد دفنه ابناهُ إسماعيل واسحاقُ عليهما السلام في المغارةِ التي كان قد دَفَنَ فيها إبراهيمُ الخليلُ زوجتَه سارة بقريةِ حَبرون وهو البلدُ المعروفُ اليوم بالخليل، وهذا مُتَلَقَّى بالتَواتُر أمةً بعد أمةٍ وجيلًا بعد جيل من زمنِ بني إسرائيلَ إلى زماننا هذا. والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.