مختصر قصة سيدنا ءادم عليه السلام
سيدُنا ءادمُ عليه السلام هو أبو البشر وأولُ إنسان.
وكان خلقُه عليه السلام في الجنةِ ءاخرَ ساعةٍ من يومِ الجمعةِ من الأيامِ الستِ التي خلقَ الله فيها السمواتِ والأرضَ كما جاءَ في حديثِ مسلم، وروى مسلمٌ وغيرُه أيضًا عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “خيرُ يومٍ طلَعَت فيه الشمسُ يومُ الجمعة فيه خُلِقَ ءادم”.
أمّا كيف خُلِقَ ءادم عليه الصلاة والسلام، فالجواب: أمرَ الله تعالى مَلكًا من ملائكته الكرام أن يأخذ من جميع أنواعِ ترابِ الأرضِ من أبيضِها وأسودِها وما بين ذلك، ومن سهلِها وحَزْنها أي قاسيها وما بينَ ذلك، ومِن طيّبِها ورديئها ومما هو بينَ ذلك، فجاءَ بنو ءادمَ على قدرِ الأرض، فجاء منهمُ الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبينَ ذلك، والسهلُ والحَزْنُ وبينَ ذلك، والخبيثُ والطيّبُ وبين ذلك. يعني جاءت أحوالُ وألوانُ ذُريةِ ءادمَ عليه السلام مختلفةً بسببِ هذا الترابِ المختلفِ الذي خُلقَ منهُ ءادمُ عليه الصلاة والسلام.
أَخَذَ الملكُ التُّرَابَ وَصَعِدَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَعَجَنَهُ بِمَاءٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَصَارَ طِينًا وَجَعَلَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِنَا ءَادَمَ.
بَعْدَ فَتْرَةٍ صَارَ الطِّينُ صَلْصَالًا أَىْ طِينًا يَابِسًا ثُمَّ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ فَتَكَلَّمَ وَكَانَ أَوَّلَ مَا قَالَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِى ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الْمَعْرِفَةَ وَالإِيـمَانَ وَعَلَّمَهُ بِأَنَّ لَهُ رَبًّا خَالِقًا خَلَقَهُ وَخَلَقَ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ وَأَنَّ هَذَا الرَّبَّ هُوَ الَّذِى يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَلا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ غَيْرُهُ الْعِبَادَةَ.
وقيل سُمِيَ ءادمُ بهذا الاسمِ لأنه من أديمِ الأرض أي من وجهِ الأرض.
واعلموا رحمكم الله أنّ معنى قولِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم “إنّ الله خلقَ ءادمَ على صورته”، يجوزُ أن يكونَ معنى هذا الحديثِ: “إنَّ الله خلق ءادم على صورته” أي على صورةِ ءادمَ الأصلية التي خلقه الله عليها طولُه سِتون ذراعًا وعرضُه سبعةُ أذرُعٍ فيكونُ الضميرُ في “صورته” عائدًا إلى ءادمَ عليه السلام،
ويجوز أن يكون الضميرُ في “صورتِه” عائدًا إلى الله فيكونُ التقديرُ على الصورةِ التي خلقَها الله تعالى وجعلَها مُشرّفةً مكرّمةً، وتُسمّى هذه الإضافةُ إضافةَ الْمِلك والتشريفِ لا إضافةَ الجزئيةِ لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يوصفُ بالجسميةِ والجزئيةِ فليس هو جسمًا كبيرًا ولا صغيرًا ولا أصلًا لشيء ولا هو فرعًا عن شيء ولا يتحيّز في جهة ومكان سبحانه، هو الله الموجودُ بلا مكان الذي لا يشبه شيئًا من المخلوقات سبحانه وتعالى.
خلقَ الله سيدَنا ءادمَ عليه السلام جميلَ الشكل والصورة وحسنَ الصوتِ لأنّ جميعَ أنبياءِ الله الذين بعثَهمُ الله تعالى لهدايةِ الناسِ كانوا على صورةٍ جميلةٍ وشكلٍ حسنٍ وكذلكَ كانوا جميلي الصوتِ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “ما بعثَ الله نبيًا إلا حسنَ الوجهِ حسنَ الصوتِ وإنّ نبيَكم أحسنُهم وجهًا وأحسنُهم صوتًا”.
ولقد كانَ طولُ سيدِنا ءادمَ عليه الصلاة والسلام سِتينَ ذراعًا، شبّهَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الطولِ بالنخلةِ السَّحوقِ، فلما خلقهُ الله تعالى قال: اذهب فسلم على أولئك – نفرٍ من الملائكة جلوس- فاستمِع ما يُحَيُّونكَ فإنها تحيتُك وتحيةُ ذُريتِك، فقالَ: السلامُ عليكم، فقالوا: السلامُ عليكَ ورحمةُ الله، فزادوهُ: ورحمةُ الله.
وكلُّ مَن يدخُلُ الجنةَ يكونُ على صورةِ ءادمَ في الطولِ فقد وردَ في مسندِ الإمام أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرةَ عن النبيِ صلى الله عليه وسلم أنّ أهلَ الجنةِ يدخلون الجنةَ على خَلْقِ ءادم ستين ذراعًا في عرضِ سبعةِ أذرع.
و روى الإمامُ أحمدُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الله عزّ وجلّ لما صوّرَ ءادم تركَهُ ما شاءَ الله أن يترُكَهُ فجعلَ إبليسُ يُطيفُ به فلما رءاهُ أجوفَ عرفَ أنه خلقٌ لا يتمالك” (أي ليسَ كالملائكةِ ولا كالجماداتِ بل هو أضعفُ من ذلك)، وعند أبي يعلى: “فكان إبليسُ يمرُ به فيقول: لقد خُلِقتَ لأمرٍ عظيم”.
ففي هذا الحديثِ الصحيحِ دليلٌ على أنَّ إبليسَ كانَ في الجنة لما خُلِقَ ءادمُ وذلكَ قبلَ أن يكفرَ ولأنه كان مسلمًا يتعبدُ مع الملائكة ولم يكن منهم من حيثُ الجنسُ والأصلُ لأنَّ الملائكةَ أصلُهمُ النور وإبليسُ أصلُه من مارجٍ من نار أي لهيبِ النار، وفيه أنَّ إبليسَ كان يدورُ حولَ هَيكلِ ءادم وذلك قبلَ أن يُنفَخَ فيه الروحُ فرءاهُ أجوفَ أي شيئًا غيرَ مُصمَتٍ بل له جوف، فعَرفَ أنه خلقٌ لا يتمالكُ أي ليسَ كالملائكةِ ولا كالجماداتِ بل هو أضعفُ من ذلك.
وأمرَ الله تبارك وتعالى الملائكة بالسجودِ لآدم عليه السلام فامتثَل الملائكةُ لأمرِ الله وسجدوا كلُّهم لأنّ الملائكةَ كما وصفَهم الله تعالى: {لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. وأما إبليسُ فقد استَكبرَ واعترضَ على الله ولم يمتثلْ لأمرِه وقال أنا خيرٌ منهُ خلقتني من نارٍ وخلقتَهُ من طينٍ فكفرَ وظهرَ منه ما قد سبقَ في علمِ الله تعالى ومشيئتِهِ من كفرِه واعتراضِه باختيارِه، وقد وردَ في الأثرِ أنه قبلَ كفرِه كان يُسمّى عزازيل. ثم بعد أن عرفَ إبليسُ اللعينُ أنه ملعونٌ طلبَ من الله تعالى أن يؤخِرَه إلى يومِ البعثِ أي يومِ الخروجِ من القبورِ ولكنَّ الله لم يجبه إلى ذلكَ بل أخرَّه إلى النفخةِ الأولى ليذوقَ الموتَ الذي حكمَ الله به على خلقِه أي إلى زمنِ نفخةِ الإهلاكِ وهي نفخةُ إسرافيلَ في البوقِ فيموتُ كلُ حيٍ من الإنس والجن من هولِ ذلك الصوت. وقد كان إبليسُ قبلَ ذلكَ الوقتِ مسلمًا مؤمنًا من الجنِ يعبُد الله معَ الملائكة، وذلك قبلَ أن يكفرَ ويعترضَ على الله، وليسَ صحيحًا أنّه كانَ طاووسَ الملائكةِ ولا رئيسًا لهم كما يزعُمُ بعضُ الجهال، قالَ الحسنُ البِصريُ: لم يكنْ إبليسُ منَ الملائكةِ طرفةَ عينٍ قطّ، وقال شهرُ بنُ حَوْشب: كانَ منَ الجنِ، ويدلُ على ذلك قولُه تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} ثم لو كانَ مِنَ الملائكةِ لم يعصِ ربَه لأنّ الله تعالى وصفهم في القرءان بقولِه: {لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. ومما يدلُ أيضًا على أنّ إبليسَ ليس من الملائكةِ بل هو من الجنِ قولُه تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} ففي هذه الآيةِ دليلٌ على أنّ إبليسَ مخلوقٌ من نار، بخلافِ الملائكةِ فإنهم خُلِقوا من نور كما جاءَ في صحيحِ مسلم وغيرِه عن عائشةَ رضي الله عنها وعن أبيها عن سيدنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: “خُلِقَتِ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ من مارِجٍ من نار، وخُلِقَ ءادمُ مما وُصِفَ لكم”.
ومن الكذبِ الظاهرِ ما شاعَ من نظريةٍ ابتدعَها بعضُ الكفارِ وهي أنّ أصلَ البشِر قردٌ أو يُشبه القردَ وهذا فيه تكذيبٌ لقولِه تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} فسيدُنا ءادمُ عليه الصلاة والسلام هو أولُ إنسانٍ خلقَه الله تعالى، ولم يكن أصلُه قردًا ثم تَرقّى حتى صار إنسانًا! فنظريةُ داروين التي تقول إنّ الإنسانَ أصلُه قردُ ثم ترقّى بسببِ العواملِ المجهولةِ حتى صارَ هذا الإنسان، هي نظريةٌ باطلةٌ لا تقومُ على أساسٍ علميٍ وتردُها دلائلُ النقلِ وإن تلقَّفَها الْمَفتونونَ بكلِ جديدٍ ولو كان سخيفًا باطــلًا.
وما جاءَ في القرءانِ من مَسخِ بعضِ اليهودِ قِردةً وخَنازير فهو حالةٌ نادرةٌ جعلَها الله تبارك وتعالى عذابًا لليهودِ الذينَ اعتدَوا في السبتِ وعصَوا الله تبارك وتعالى وموعظةً وعبرةً للمتقين، على أنَّ أولئك الذينَ مسخَهم الله تعالى قردةً لم يعيشوا طويلًا بل عاشوا ثلاثةَ أيام ثم ماتوا ولم يتركوا نَسلًا من جِنسِ ما مُسخوا إليه.
خَلقُ حواءَ عليها السلام:
خلقَ اللهُ سبحانه وتعالى سيدَتَنا حواءَ من ضِلَعِ ءادمَ الأيسرَ الأقصرَ، قيل لذلكَ سُميت حواءُ بهذا الاسمِ لأنها خُلقت من شيءٍ حيّ، ولم يخلقِ اللهُ تبارك وتعالى حواءَ طِفلةً صغيرةً ثم طوّرَها إلى الكِبَرِ، بل خلَقها على هيئتِها التي عاشت عليها كبيرةً طويلةً مُناسبةً لطولِ ءادمَ عليه السلام، قالَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}. وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} وقد زوَّج الله تعالى ءادمَ حواءَ وجعلَها له حلالًا في الجنة ثم كانا كذلك في الأرض.
أمرَ الله سيدَنا ءادم وزوجتَه حواء أن يسكُنا الجنة، وهي جنةُ الخلدِ التي سيدخلُها المؤمنونَ يومَ القيامة. وقد أباحَ الله لآدم وحواء سُكنى الجنةِ والأكلَ من ثمارِها والشربَ من مياهها والتنعمَ بنعيمها من غيرِ مشقةٍ ولا تعبٍ يلحَقُهما في الحصولِ على ما يُريدان من طعامٍ وشراب، إلا شجرةً واحدة حرّمها عليهما ونهاهما عن الأكلِ منها، وحذّرَهما من عداوةِ إبليسَ وإغوائِه لهما، ولم يَرِد في القرءانِ الكريم ولا في الحديثِ الثابتِ الصحيحِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ما هي هذه الشجرة، لذلك اختلفَ العلماءُ في تعيينها فقيلَ هي التفاح، وقيل هي النخلة، وقيل التين، وقيلَ غيرُ ذلك، فقد تكونُ والله أعلم واحدةً من هذه وقد تكونُ مِن غيرِها.
وسكنَ ءادم وحواءُ الجنة وصارا يتنعمانِ بما فيها من نعيم وما فيها من كل ما تشتهي الأنفسُ وتَلَذُ الأعين، فكان يتنقلُ بين أشجارِها ويقطِفُ من ثمارِها ويتنعمُ بفاكهتها ويشربُ من عَذْبِ أنهارِها ومياهِها.
والسببُ في خروجِ ءادمَ من الجنةِ أن ءادم خالفَ النهيَ الذي نهاه الله لأنه أعلمَه بالمنعِ من أكلِ شجرةٍ واحدةٍ من أشجارِ الجنة وأباح له ما سواها فوسوس الشيطانُ له ولحواء أن يأكلا منها، فأكلا منها فأخرجهما الله تعالى من الجنة، وكان ذلك قبلَ أن تنزِلَ عليه النبوةُ والرسالةُ لأنّه إنما نُبئ بعد أن خرجَ من الجنة ثم تابا من تلك المعصية، ولا تُعدُ تلك المعصيةُ معصيةً كبيرةً كما يقول بعض الكفار.
قال الله تعالى: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ورُويَ عن مجاهدٍ قال: “الكلماتُ: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي إنك خيرُ الراحمين، لا إله إلا أنتَ سبحانك وبحمدِك، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فتُب عليَّ إنك أنت التوابُ الرحيم”، وروى البيهقيُ بإسناده عن عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “لما اقترفَ ءادمُ الخطيئةَ قال: “يا ربّ أسألك بحقِ محمدٍ إلا ما غفرتَ لي، فقالَ الله: كيف عرفت محمدًا ولم أخلقْه بعد؟ فقال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك (أي بعنايتك) ونفخت فيَّ من روحِك (أي الروحِ المشرفةِ عندك)، رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائِمِ العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ الله، فعلمتُ أنك لم تُضِف إلى اسمِك إلا أحبَّ الخلقِ إليك”.
اختلفَ العلماءُ في مقدار مُقام ءادم عليه السلام في الجنة فروى الحاكم في مستدركه أنّ ءادم لم يمكث في الجنةِ إلا ما بين العصرِ إلى الغروب، والأقوى أنّه مكث مائةً وثلاثينَ سنةً في الجنةِ ثم أكملَ الألفَ في الأرض كما يُفهمُ ذلك من بعضِ الآثار. وقد وردَ أنّ اليومَ الذي أُخرجَ فيه ءادمُ عليه السلام من الجنةِ وهَبطَ فيه إلى الأرضِ كان يومَ الجمعة، فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “خيرُ يومٍ طلَعت فيه الشمسُ يومُ الجمُعة فيه خُلِق ءادم وفيه أُدخلَ الجنة وفيه أُخرج منها” رواه مسلم.
وأمَرَ الله سيدَنا ءادمَ وحواءَ بالهبوطِ من الجنة إلى الأرض، وأمرَ إبليسَ بالهبوطِ إليها أيضًا، وأخبرَهما أنَّ العداوةَ بينهما وبين إبليسَ اللعين ستظلُ قائمةً وبالتالي ستكونُ بينَ إبليسَ وبني ءادم. ويروى أنّ ءادمَ عليه السلام نزلَ في أرضِ الهندِ في أرضٍ تُسمى سرنديب على أشهرِ الأقوال، ونزلت حواءُ عليها السلام في أرضٍ أُخرى قيل إنها جُدة، وأما إبليسُ اللعينُ فقيل إنه نزل بالأبُلَّةِ بأرضٍ في العراق.
ثم بعدَ خروجِهما من الجنةِ تناسلا فعلّمَ ءادمُ أولادَه أمورَ الإسلام فكلُ ذريتِه كانوا على الإسلام، ثم نُبئَ بعدَ ءادمَ ابنُهُ شيث، ثم بعدَ وفاةِ شيثٍ نُبئ إدريسُ ثم كفرَ بعضُ البشرِ بعبادةِ الأصنامِ فبعثَ الله الأنبياءَ بالتبشيرِ لمن أطاعَهم بالجنةِ والإنذارِ بالنارِ لمن خالفهم بعبادةِ غيرِه وتكذيبهم.
ثم بعد أن نزلا إلى الأرض علمَه الله تعالى أسبابَ المعيشة وعلّمَه كيف يَبْذُرُ وكيفَ يحصُدُ وكيفَ يعمَلُ للأكل. فآدمُ عليه السلامُ له فضلٌ كبيرٌ على البشرِ لما له عليهم من حقِ الأبوّةِ وتعليمِ أصولِ المعيشةِ فلا يجوزُ تنقيصُه، فمن نقصَّه فهو كافر.
ثم أمر الله ءادم عليه السلام أن يبنيَ البيتَ الحرام فقدِم مكة وبنى البيتَ فلما فرغَ من بنائِه أرسلَ الله لهُ ملكًا علمَه المناسكَ، ثم بقيَ البيتُ كذلك حتى أَغرقَ الله قومَ نوحٍ عليه السلام فرُفِع البيتُ وقيل هُدِم وبقيَ أساسُه فجاءَ سيدُنا إبراهيمُ عليه السلام فبناه.
قصةُ هابيل وقابيل التي ذُكرت في سورةِ المائدة: خُلاصةُ هذه القصةِ أنّ حواءَ عليها السلام وَلدت أربعينَ بطنًا وكانت تلِد في كلِ بطن ذكرًا وأنثى، وكان سيدُنا ءادم عليه السلام يُزوجُ ذكر كلِ بطنٍ بأنثى من بطنٍ ءاخر، ويقال إنّ هابيل الطيب أراد أن يتزوج بأخت قابيل التي كانت أجملَ من أخت هابيل لكنَّ قابيلَ أراد أن يستأثرَ بها، فأمره ءادمُ عليه السلام أن يزوجَهُ إياها فأبى، فأمرَهما أن يُقرّبا قربانًا وهو ما يُتقربُ به إلى الله تعالى ثم ذهبَ ءادمُ إلى مكةَ ليحُجَّ، وقرّبَ كلُ واحدٍ منهما قربانَه بعد ذهابِ أبيهم ءادمَ عليه السلام ، فقرَّبَ هابيلُ جَذَعَةً سمينةً وكان صاحبَ غنم، وأما قابيلُ فقرّبَ حُزمةً من زرعٍ رديءٍ وكان صاحبَ زرع، فنزلت نارٌ فأكلت قربانَ هابيل وتركت قربانَ قابيل، فغضِب قابيلُ غضبًا شديدًا وقالَ لأخيه هابيل لأقتُلنَّك حتى لا تنكِحَ أختي. وذات ليلة أبطأ هابيلُ في المرعى فبعثَ سيدنا ءادمُ عليه السلام – وكان قد رجعَ من الحج- أخاهُ قابيل لينظُر ما أبطأ به، فلما ذهب إذ هو به، فقال له: تُقُبِّل منك ولم يُتَقَبَلْ مني، فقال له هابيل: إنما يتقبلُ الله من المتقين، فغضِب عندئذ قابيل، ثم أتاه وهو نائمٌ فرفَع صخرةً فشَدَخَ بها رأسه، وقيل خنقَه خنقًا شديدًا.
وليعلم أنّ ابنَ ءادمَ قابيل الذي قتلَ أخاه هابيل كان مسلمًا مؤمنًا ولم يكن كافرًا، وإنما ارتكب معصيةً كبيرةً بقتله أخاه هابيل ظلمًا وعُدوانًا. وروى أحمد في مسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تُقتَلُ نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابنِ ءادمَ الأولِ كِفلٌ من دمِها لأنّه أولُ من سنَّ القتل” أي ظلمًا، فعُلم من ذلك أنّ قابيلَ ما تابَ من قتلِه لهابيل.
وعاش سيدُنا ءادمُ عليه السلامُ ألفَ سنة قيل: قضى منها مائةً وثلاثين سنةً في الجنةِ وبقيةَ الألف عاشها على هذه الأرضِ التي نزل إليها، ولما مات عليه السلام بقيت ذريتُه على دينِ الإسلامِ يعبدون الله تعالى وحدَه ولم يُشركوا به شيئًا، فعاش البشرُ ألفَ سنة أُخرى على دينِ الإسلام ولم يكن فيهم كفرٌ ولا شركٌ وإنما حصلَ الكفرُ والشركُ بعد نبيِ الله إدريسَ عليه الصلاة والسلام فكان سيدُنا نوحٌ عليه السلام أولَ نبيٍ بُعِثَ إلى الكفار.
وقد ورد في الأثرِ أنّ ءادم عليه السلام دُفنَ في مكةَ أو في منى قربَ مسجدِ الخيفِ حيثُ دفن سبعون نبيًا، وقبورُهم مُخفاةٌ ولا يوجد علاماتٌ تدلُ عليها، وقيل دُفن ءادم عليه السلام عند الجبلِ الذي أُهبطَ عنده في الهند، وقيل بجبل أبي قبيس. والله تعالى أعلم وأحكم.
ويروى أنّ حواء عليها السلام عاشت بعد سيدِنا ءادم عليه السلام سنةً ثم ماتت ويقال إنها دُفنت في جُدة. والله أعلم وأحكم.