مجلس كتاب “سمعت الشيخ يقول” -82
أيوب وسليمان عليهما السلام وما حصل من العجائب والغرائب
قال فضيلة الشيخ الدكتور جميل حليم غفر الله له ولوالديه ومشايخه
*قال الإمام الهرري رضي الله عنه: أيوب كان له أربعة عشر ولدا سبع ذكور وسبع بنات، إبليس هدم عليهم البيت أبادهم وأتلف له ماله، أيوب كان غنيا، لما مرض من شدة صبره ما كان يدعو بالعافية ثم ذات يوم اثنان مرا بجانبه فقال أحدهما للآخر أنا أظن أن أيوب أذنب ذنبا ما أذنبه أحد (والعياذ بالله وهذا كفر لأنه تحقير وانتقاص لنبي الله أيوب عليه السلام) فلما سمع دعا فاستجاب الله دعاءه وأعطاه أولادا بدل الذين فقدهم وعوض عليه أعطاه ضعفا من الأولاد أربعة عشر (يعني كان مات له أربعة عشر ولدا سبعة من الذكور وسبعة من الإناث) وأربعة عشر وأمطر له جرادا من ذهب وجرادا من فضة كومة من ذهب وكومة من فضة ما كان يدعو بالشفاء لنفسه ولا بالمال لكن لما هذان الرجلان كسرا قلبه دعا، هذه حال الدنيا.
)هنا الآن نتوسع قليلا في أمر قصة أيوب عليه الصلاة والسلام، أولا ليعلم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قلوبهم ليست متعلقة بالدنيا ولا بالمال هم أزهد خلق الله عز وجل، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قلوبهم متعلقة بمحبة الله بطاعة الله بذكر الله، والأغنياء من الأنبياء قليل جدا، الذين عرفوا بالغنى من الأنبياء كسليمان عليه السلام وداود، إبراهيم في وقت من الأوقات، أيوب عليه السلام في وقت من الأوقات، وأما أكثر ومعظم الأنبياء والأولياء لم يكونوا من الأغنياء، معظمهم كانوا فقراء.
الأنبياء والأولياء إذا جاءهم المال لا يدخل إلى قلوبهم إنما يكون في أيديهم ويستعملونه في الخير يعني الدنيا ليس لها سبيل إلى قلوب الأنبياء والأولياء، لا يحبون الدنيا ليسوا مثلنا، نحن أهل الدنيا حالنا محزن أما الأنبياء والأولياء لا يحبون المال ولا الدنيا إنما يحبون الطاعات وقضاء حاجات الناس ومساعدة الفقير والمحتاج واليتيم والأرملة وطلبة العلم، يعني الخيرات هذه التي يحبها الأنبياء والأولياء، فإذا جاءهم المال لا يستحكم من قلوبهم لا يتسلط على قلوبهم.
ومن هنا ما جاء في الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام [لو أن لابن آدم واديا من ذهب لتمنى الثاني ولا يملأ فاه ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب]
قال العلماء هذا لا يدخل فيه الأنبياء والأولياء، معنى الحديث هذا حال أكثر بني آدم أكثر الناس، أما الأنبياء والأولياء مستثنون من ذلك لأنهم لو صاروا أغنياء قلوبهم تبقى منشغلة بطاعة الله ومحبته، قلوبهم لا تنصرف غلى الدينا والقسوة وتضييع الفرائض.
مثلا هذا سليمان عليه السلام كان قد دعا “رب هب لي من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعدي” والله أعطاه هذا الملك العظيم ومع ذلك كان زاهدا ما كان متعلق القلب بالدنيا.
هو لو أراد أن تطحن له المجوهرات واليواقيت لاستطاع لكن ما كان يفعل، كل هذه الأموال التي كانت تحت يديه كان يستعملها في وجوه البر والخير كان يوزع على الناس الغير مسلمين ليدخلهم في الإسلام، وعلى الفقراء والمحتاجين والضعفاء والأيتام والمرضى والأرامل يعطيهم وينفق على الجيوش.
الجيوش التي كانت عند سليمان ما كانت للظلم أو للاستبداد والاستعلاء على الرقاب بالبغي والفسق والفجور، إنما جيوشه كان يستعملها لفتح البلاد بالإسلام ينشر الإسلام ويدخل الناس في الإسلام، يخرجهم من الكفر، هذا الفتح العظيم.
كان يخرج بجيش جرار أكثر من مائة ألف مقاتل من فلسطين أو من بادية سورية تدمر إلى أفغانستان.
هذه البلاد كم هي بعيدة عن فلسطين أو تدمر، أقول فلسطين أو تدمر لأن بعض علماء السير والتفسير والتاريخ قالوا إن ديوان سليمان كان إما في بادية سورية في تدمر أو كان في فلسطين، فعلى أي القولين فأفغانستان بعيدة جدا.
كان يخرج بعد صلاة الفجر بهذا الجيش العظيم إلى تلك البلاد التي تحتاج من المسافة فقط إلى نحو شهر أو أكثر، قبل الظهر يكون في أفغانستان.
الله أعطاه معجزات باهرات، هذا بساط الريح الذي تسمعون عنه شىء يمده سليمان عليه السلام وكان يوضع عليه الكراسي للعلماء والأئمة والقادة وكان يضع عليه معدات القتال والخيول والجنود وكان كل ما يحتاجه من آلات الحرب يوضع على هذا البساط.
وكذلك يوضع كراسي حوله للإنس والجن وكان يطير بهم هذا البساط، تخيلوا مثلا مائة ألف إنسان مع كل ما يحتاجونه من معدات وعدة قتال وحتى الطباخين الذين يطبخون للجيش كل هذا على هذا البساط، ثلاثين ألف كرسي يوضع له ولمن حوله هذا غير الجيش، ثم يقول سليمان للريح ارتفعي بنا فترتفع الريح، يقول أسرعي فتسرع أبطئي فتبطىء، يقول انزلي بنا فتنزل.
تصوروا بلد مثلا فيها هذا العدد من البشر من المعدات كل هذا يطير في الهواء ربي قادر على كل شىء، ربي لا يعجزه شىء.
اليوم بعض الطائرات وبعض بواخر وسفن الشحن بلغني أن سفينة شحن قد تسع ثلاثين ألف كونتينير وأغراض، وعلى وجه الماء، هذا ليس بعزيز على الله وهو من الأمور العادية ليس خارقا للعادة، إذا كان مثل هذا الأمر العادي يحصل اليوم هل نتعجب مما كان خارقا للعادة وكان معجزة لنبي؟ لا، هذا كمشي الإنسان على الأرض العادية، كلاهما ليس بعزيز على الله، هذا تحت القدرة والمشية ربي قادر على كل شىء.
تخيلوا مدينة تطير في الهواء، ومائة وثلاثون ألف فرس يطيرون في الهواء وكراسي وعسكر وقدور الطبخ والنار متقدة، الله يفعل ما يشاء.
وتصوروا كان سليمان إذا أمر الريح يقول مثلا انزلي فتنزل وهم كلهم على هذا البساط، تصوروا هذا الحجم وهذه المساحة الواسعة الكبيرة الشاسعة مع الثقل والوزن الذي ينزل ويهبط كانوا إذا مروا فوق بستان لا يتحرك فيه النبات، ربي قادر على كل شىء.
ومرة كان سليمان عليه السلام بين الفضاء والأرض فلاح مزارع يعمل في الأرض فرأى موكب سليمان في الجو، فقال هذا البستاني: سبحان الله، ما أعظم ما أوتي آل داود!!!
سليمان وهو في الجو سمع هذا الفلاح، الريح نقلت هذه الكلمة من الفلاح إلى أذن سليمان عليه السلام فقال سليمان للريح انزلي بنا، نزلت ثم نزل سليمان عن البساط وجاء إلى هذا الفلاح وقال له: “لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك من الدنيا وما فيها” لكل ملك الدنيا ومتاع الأرض وكل هذا الملك العظيم.
رأيتم ذكاء الأنبياء وصفاءهم وطهارة قلوبهم ومنهجهم؟ رأيتم إلى هذه التربية العظيمة للنفوس والقلوب والإرشاد إلى طريق الآخرة؟
لماذا نزل سليمان وتكلف وجاء إلى هذا الفلاح؟ لأجل أن لا يعلق قلبه بما لا يقدر عليه ولأجل أن لا ينشغل عن ذكر الله، ولأجل أن يطلب الأعلى والأحسن.
سليمان كان نبيا وكان قد ملكه الله الدنيا يعني يحكم بين مطلع الشمس ومغربها، فكان فيه هذه القوة والسلطان لنصرة الدين لنصرة الإسلام.
كان كل يوم يذبح ثلاثين ألف رأس بقر ومائة ألف رأس غنم، كم يحتاجون من المساحة؟
يطعم الناس والجيوش التي تنصر الإسلام وتنشر الدين وتنتقل في البلاد، ثم يطعم الناس الكبد واللحوم والخبز الذي خبز من خلاصة الدقيق الأبيض الصافي، أما لأهله يطعمهم من خبز الحنطة العادية ليس الدقيق الأبيض الصافي قرصة النقى، أما لنفسه أقل مما يطعم أهله والناس كان يأكل من خبز الشعير اليابس الذي مضت عليه مدة ويغمسه في اللبن الحامض فيأكله، هذا طعام سليمان، وكان إذا أراد أن تطحن له الجواهر لاستطاع لكن قلوب الأنبياء ليست متعلقة في الدنيا مثلنا بالطعام والشراب واللباس والجاه الدنيوي حاشاهم، هم لو وصلت الدنيا إلى أيديهم ينفقونها في سبيل الله يستخدمونها في الخير.
فالحاصل أن الأنبياء عليهم السلام قلوبهم ليست متعلقة في الدنيا وسليمان نبي كريم.
بعض الكفرة من أدعياء العلم ينسبون إليه أنه اعترض على الله عندما مات ابنه وبقي غاضبا على ربه إلى سنة، وحاشى، سليمان نبي كريم فمن نسب إليه هذا فقد كفر بالله لأنه نسب الكفر إلى سليمان، لأن الاعتراض على الله كفر.
سليمان عليه السلام لو مات أهله كلهم لا يعترض على الله بل يكون راضيا مسلما. وبعض الناس أيضا في بعض كتب التفسير من التخريفات والتحريفات والتزييفات يقولون الشيطان تسلط على ملك سليمان وعلى خاتم سليمان وعلى سليمان وجاء وأخذ الخاتم كان سليمان دخل ليغتسل وترك الخاتم مع زوجته فجاء الشيطان متشكلا بصورة سليمان فضحك عليها وأخذ منها الخاتم وصار يتصرف في الملك على خلاف أوامر سليمان وصار يدخل على زوجات سليمان، وكل هذا كذب وافتراء ولا يليق ولا يحصل مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
سليمان نبي كريم ليس كما تقول اليهود، يذمونه ويتكلمون عنه بالسيئات وبالفواحش كما يتكلمون عن لوط يقولون زنا بابنتيه فحملت الكبرى منه، وهذا كفر صريح.
وإن مدحوه يقولون الملك سليمان وهيكل سليمان الذي يزعمون لأجل أن يدوسوا على رقاب أتباعهم، فسليمان برىء منهم كما أن موسى برىء منهم.
الحاصل سليمان نبي مسلم مؤمن جاء بالإسلام والتوحيد وأمر بعبادة الله. وسليمان ما علم الناس السحر ولا أمر الناس بالسحر ولا كان ساحرا، الذي يقول عن سليمان ساحر فهو كافر، إنما سليمان كانت الشياطين تخافه، الله أعطاه سلطة على الشياطين وكان يشغلهم بصناعة هياكل وعمل الأوعية والجرار ويشغل الغواصين منهم بإخراج اللآلىء من البحار لينفقها في الخير، وكان الذي يخالف أمره ينزل عليه البلاء من السماء يهلكه، الشياطين تخاف منه.
{وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا}[البقرة/١٠٢] الله يقول، سليمان كان يحذر من السحر. بعض العلماء يقول سليمان كان قد أخذ الكتب التي فيها السحر ودفنها تحت كرسيه لأجل أن لا يستطيع الساحر أو الشيطان الوصول إليها لكن هو لا يعمل في السحر، فلما مات الشياطين ضحكوا على الناس قالوا لهم تعالوا احفروا هنا تحت كرسي سليمان وانظروا بماذا كان يحكمكم، فعلى زعمهم ظنوا أن سليمان كان يشتغل بالسحر فمن يقول عن سليمان ساحر هذا كافر.
وهذا قول لبعض العلماء ليس حديثا، وهناك أقوال أخرى في هذه القصة.
الحاصل أن سليمان عليه السلام هو من الأنبياء الأغنياء لكن ما كان ينشغل بهذا الطعام والشراب والذهب والمال عن طاعة الله حاشى، بل قلوبهم متعلقة بطاعة الله، وهكذا داود وإبراهيم في وقت من الأوقات.
من الأنبياء الأغنياء أيوب عليه السلام، كان في نواحي حوران من أرض سوريا في بلاد الشام، وكان غنيا له بساتين ومزارع وضياع بأكملها وله غلة كبيرة جدا من الزراعة وله ماشية وأموال وكان ينفق هذه الأموال في سبيل الله على الفقراء والضعفاء وطلبة العلم ويدخل الكفار في الإسلام، أما لنفسه كان زاهدا إلى حد بعيد ما كان يتتبع الملذات والنعيم بهذا المال.
وكان أيوب عليه الصلاة والسلام في بيته أو قصره كما قال بعض المفسرين وعلماء التاريخ، وأبناؤه كانوا في قصره.
وابتلي أيوب عليه السلام في جسده ثمانية عشر عاما، هذا ثابت في الحديث عند الحافظ ابن حبان في الصحيح، مدة بلائه ثمانية عشر سنة، لكن نوع المرض ما ورد في الحديث هل كان مثلا الحمى الشديدة –والحمى ليست نقصا فلا تعارض منصب النبوة ولا تنفر الناس- قال بعض العلماء احتمال أن تكون الحمى الشديدة تعتريه دائما لكن ليس حديثا، لكن الأمراض المنفرة لا تجوز على أيوب ولا على غيره كخروج الدود من الجسد كالروائح العفنة القذرة الكريهة لا من أجسامهم ولا من ثيابهم ولا من أفواههم عليهم الصلاة والسلام بل أرواحهم طيبة وروائحهم زكية.
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا قعدوا في مكان إذا مروا في السوق إذا دخلوا المسجد الناس يعرفون من طيب رائحة المكان أن النبي مر.
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل إلى المسجد الناس تعرف أن الرسول جاء من طيب رائحة المكان، الرائحة الزكية الطيبة العطرة تملأ المسجد تملأ السوق تملأ الطريق فيعرف الناس، بل كان بعض الصحابة يأخذون عرقه ليتطيبوا فيه.
وفي بعض الأحاديث أن الصحابية أم سليم رضي الله عنها كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينام عندها في النهار على أديم –جلد، مثلا جلد الخروف- والرسول صلى الله عليه وسلم كان من طبعه أنه كان غزير العرق وعرقه أحلى وأجمل من حب اللؤلؤ وأطيب وأزكى من رائحة المسك والعنبر، فالرسول وهو نائم على الجلد صار يتصبب عرقا فجاءت هذه الصحابية الجليلة رضي الله عنها وهي أم أنس بن مالك، أخذت وعاء وصارت تجمع فيه هذا العرق الشريف الذي يتقاطر من الرسول وهو نائم، استيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم فرآها ما تفعل، قال [ما تصنعون به؟] قالت: -في بعض الروايات- نضعه على الطيب فيزيد الطيب طيبا.
وأما الرواية التي في صحيح مسلم قالت: “ندخره رجاء بركته لصبياننا”
الرسول صلى الله عليه وسلم ما أنكر ما اعترض ما كفرها ما فسقها ما بدعها ما انتهرها كما تفعل الأجلاف المشبهة المجسمة الذين يضربون الناس ويقولون يا مشرك لا تشرك، إذا لمسوا الشبيكة الشريفة والمواجهة الشريفة، الرسول قال لها [أصبتم] ما قال كفرتم ما قال أشركتم ما قال فسقتم ما قال عصيتم.
الرسول كان يعرف أن الصحابة كانوا يتبركون به وبعرقه وبآثاره، بل هو علمهم ذلك وكان يشجعهم وكان يعطيهم من آثاره.
فالحاصل هذه حادثة، وحادثة أخرى أن صحابيا كان له عدة زوجات كلما دخل على واحدة تتطيب بأجمل ما عندها من الطيب، فالرسول صلى الله عليه وسلم وضع يده على هذا الصحابي لأنه أصيب بمرض، فجاء إلى الرسول وشكا إليه فقال له: تجرد –يعني من فوق السرة- فكشف عن ظهره، ووضع الرسول يده الشريفة على ظهر هذا الصحابي فعبق الطيب من يد الرسول في ظهر هذا الصحابي، فصار كل ما يذهب إلى واحدة من زوجاته وتتطيب بأجمل ما عندها يغلب أثر طيب الرسول الذي في ظهر زوجها، من المكان الذي وضع الرسول يده عليه، يغلب على طيبها ويغتسل فلا تذهب هذه الرائحة وعاش زمنا والرائحة في ظهره إلى أن مات.
هكذا الأنبياء، فإذا كان هكذا من حيث الرائحة فهل يخرج منهم الدود؟ حاشى، هل تخرج منهم أمراض منفرة؟ حاشى، لا جنون ولا خرف ولا البرص ولا الجذام ولا الجدري، الروائح الكريهة من الفم لا تخرج، الروائح الكريهة من الأبدان لا تخرج، ثيابهم لا تعلق بها الروائح الكريهة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قضى حاجة فضلاته ليس لها رائحة كريهة بل بوله كان أحيانا لا يميز عن الماء، وكان إذا قضى حاجة انشقت الأرض وابتلعت تلك الفضلات التي ليس لها رائحة كريهة ولا منظر مزعج، فإذا كان هكذا بالفضلات فهل يخرج من بدنهم ما هو منفر؟ لا.
ثم خروج الدود من الجسد لا يحصل للأنبياء لا في قبورهم ولا بعد موتهم فكيف في حياتهم؟
إذا كان النبي بعد موته لا يخرج منه الدود فهل يخرج منه في حياته؟ لا، إذا كان النبي بعد موته لا يأكله الدود فهل يأكله في حياته؟
أليس الله يقول عن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون؟ أليس قال الرسول صلى الله عليه وسلم [الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون]؟ رواه البيهقي
أليس قال صلى الله عليه وسلم [إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء]؟ رواه أبو داود
إذا كان التراب لا يأكلهم وهذا بعد موتهم فكيف بالدود؟ يعني هذا أبعد لا يصير بالمرة لا في حياتهم ولا بعد مماتهم.
فأيوب عليه السلام لم يخرج منه الدود ولا أصيب بمرض منفر لأن الأمراض المنفرة لو أصابت الأنبياء لابتعد الناس عنهم ولانفضوا من الاستماع إليهم لا يقبلون إليهم ولا يستمعون إليهم ولا منهم ولا يقعدون معهم ولا يخالطونهم، وإذا كان هكذا كيف يبلغون الدعوة؟
إذا الأمراض المنفرة القبيحة البشعة كخروج الدود من الجسد لا تجوز على الأنبياء، الجذام لا يحصل لهم، الجرب مرض منفر بالنسبة لبعض الناس لا يقبلونه لا يلمسونه لا يصافحونه، هذا لا يحصل للأنبياء.
الله يقول عن الشهداء {أحياء}[آل عمران/١٦٩] كيف بالأنبياء؟ من الشهداء أمام الأنبياء؟ الله يقول {أحيآء عند ربهم يرزقون}[آل عمران/١٦٩] عند ربهم: يعني في المكان المشرف عند ربهم وهو الجنة أما الله فلا يسكن الجنة ليس حالا في الجنة ليس قاعدا في الجنة ولا في السماء ولا في العرش ولا في العرش لا في مكان واحد ولا في كل الأماكن لأنه ليس جسما ليس حجما ليس جسدا ليس شكلا ليس صورة ليس كمية، الله منزه عن كل صفات ومعاني الحدوث والتغير، فالله تعالى لا يتحيز في السماء ولا في الأرض ولا في الجنة.
الذي يقول أن معنى هذه الآية الله حال في الجنة فماذا يقول المشبه الآخر الذي يقول هو بذاته على العرش، لأن داخل الجنة غير على العرش، فإذا كان هنا بذاته وهنا بذاته صار تناقضا، رأيتم كيف تقع المجسمة في الكفر وفي التناقض؟
وإذا أخذ ثالث بظاهر قول الله تعالى عن الحجارة التي نزلت على قوم لوط {مسومة عند ربك}[الذاريات/٣٤] هل يزعمون أن الله كان في مكان في السماء وهذه الحجارة مكومة عنده ثم نزلت؟ لا
معنى {مسومة عند ربك}[الذاريات/٣٤] معلمة وهذا في تقدير الله، لأنه سبق في تقدير الله أن تنزل هذه الحجارة على قوم لوط الذين كفروا فكان ينزل الحجر وعليه اسم مرميه فيدخل من رأسه ويخرج من دبره، عند هنا يعني في تقديره وحكمه، {أحيآء عند ربهم}[آل عمران/١٦٩] في المكان المشرف عند ربهم وهو الجنة، و{ابن لي عندك بيتا في الجنة}[التحريم/١١] في المكان المشرف عندك، وهكذا عندية المكان والتحيز والانتقال في الجهات والأماكن هذا مستحيل على الله.
والسيدة مريم قالت عن الرزق الذي تأتيها به الملائكة {من عند الله}[آل عمران/٣٧] هل يعني الله بين الأشجار وتنزل الفاكهة من عنده؟ لا، الله موجود بلا مكان، معنى {من عند الله} يعني من الغيب، الملائكة تأتيني بهذا الطعام بأمر من الله، كانوا يحضرون لها طعام الصيف في الشتاء وطعام الشتاء في الصيف وهذه كرامة للسيدة مريم الطاهرة البتول رضي الله عنها وأرضاها.
الأنبياء بعد موتهم لا يأكلهم الدود ولا التراب فكيف يقول بعض الكذبة الفجرة إن أيوب كانت تقع منه الدودة ويردها إلى جسده ويقول لها كلي من رزقك يا مخلوقة الله.
وبعض البهائم في الضيع يقولون كان يقول لها كلي من رزقك يا مباركة، أنت الجهول لا تفعل ذلك فكيف النبي يفعل ذلك بزعمك؟
تعرفون هذا الكلام ما معناه؟ نسبة كبيرتين لأيوب عليه السلام، نسبة الجهل ونسبة فعل الكبيرة وهي الإضرار بالنفس، ومن نسب هذا لنبي فهو كافر.
أليس الرسول صلى الله عليه وسلم يقول [لا ضرر ولا ضرار]؟ كيف يضع الدودة على جسده ويقول لها كليني؟ أعوذ بالله من مسخ القلوب، هذا من دسائس اليهود الذين لا يرون احتراما للأنبياء.
أيوب عليه السلام بعد هذه المدة من المرض ماتت الماشية كان عنده ماشية كثير، احترق الزرع ذهبت الأموال، تصدع القصر ووقع على أولاد أيوب عليه السلام سبعة من الذكور وسبعة من البنات، ماتوا في يوم واحد، أيوب صابر مسلم محتسب كل هذا البلاء وشدته لا يزيده إلى رضا عن الله، يتلذذ بالصبر وبعبادة الله وبطاعة الله ليس كما يقول بعض الحمقى أكله الدود ووضعته زوجته بالسلة وأخذته على الزبالة وذاب كله أكله الدود ما بقي منه إلا لسانه يعمل بالذكر، ما هذا التحريف والتخريف والتزييف؟؟؟ حاشى.
زوجته العالمة الفقيهة الزكية حفيدة نبي الله يوسف هل تضع نبي من أنبياء الله على الزبالة؟ حاشى، لعنة الله على من قال ذلك في أيوب وفي السيدة رحمة زوجته، كيف تفعل هذا على زعمك؟ ثم كيف يليق هذا بنبي من أنبياء الله على زعمكم؟
كان بلاء عظيما جدا المال ذهب الزرع احترق الماشية ماتت الطعام نفد لم يبق في بيته لقمة تؤكل ومات له أربعة عشر ولدا في وقت واحد.
إذا قلت لي قرأت هنا وقال الشيخ إبليس تسلط عليهم فهدم عليهم البيت فمات أولاده كلهم في وقت واحد وأفناهم وأبادهم، كيف هذا؟ أقول لك: هنا يتكلم عن أولاد أيوب وليس عن أيوب، اليس هناك كفارا من البشر تسلطوا على أنبياء فعذبوهم وسجنوهم وذبحوهم وقتلوهم وقطعوهم؟ إبليس كافر وهؤلاء كفار يفعلون ذلك بالأنبياء، وهنا إبليس أوقع البيت على أولاد أيوب، والكفار ذبحوا يحيى وزكريا، هذا لا ينتقص من الأنبياء ولا يطعن في منصب النبوة.
لما يقول هنا الشيخ أن إبليس فعل بهم ذلك يعني أوقع عليهم القصر أبادهم هذا ليس فيه انتقاص ولا طعن بمنصب النبوة ولا يقدح في عصمة أيوب، كما أن هناك أنبياء قتلهم الكفار، قال تعالى {وقتلهم الأنبياء}[آل عمران/١٨١] ءايات كثيرة تحكي لنا أن الكفار قتلوا الأنبياء، فهل هذا يقدح في عصمة الأنبياء؟ لا، في منصب النبوة؟ لا، في شرف الأنبياء؟ لا، بل هذا يزيدهم رفعة ومقامات وثوابا وأجرا في الآخرة.
لعنة الله على المشايخ الذين نشروا بين الناس أن أيوب خرج منه الدود، هذا شىء مؤسف محزن، طعنوا في الأنبياء فلا نحترمهم، نسبوا ما لا يليق بالأنبياء من هذا الكلام السخيف أن الدودة صارت تقع منه ويعيدها إلى جسمه ويقول لها كليني، ما هذا الجهل ما هذه الكبيرة ما هذا الفسق والغباء؟ من نسبه لنبي فهو كافر، لذلك أقول لعنة الله على هؤلاء المشايخ.
هؤلاء يتممون وظيفة إبليس ويساعدونه، هم لم يستحوا من الله فلماذا نستحي منهم؟ لم يستحوا من الأنبياء لماذا نستحي منهم؟ بل ينبغي أن نحقرهم في وجوههم لأنهم حقروا الأنبياء، هؤلاء لا قيمة لهم ولا عبرة بهم، هم طعنوا في أنبياء الله.
ثم الرسول صلى الله عليه وسلم قال [إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء] التراب لا يأكل الأنبياء كيف يأكلهم الدود؟
لو قلت مثلا أن نبيا دفن من عشرة آلاف سنة وانهدم قبره الآن يكون جسده كما هو، إذا كان رؤي ذلك على الشهداء بعد سنين طويلة، حصل أن بعض الشهداء بعد ستمائة سنة رأوهم كما هم لم يتغيروا لم يتعفنوا لم ينتنوا لا خرج فيهم الدود ولا أنتنت أبدانهم، فإذا كان الشهداء هكذا فكيف الأنبياء؟ فإذا كانت الأرض لا تأكلهم كيف يأكلهم الدود؟ حاشى وكلا
ثم أيوب كان صابرا شاكرا، ماتت الماشية احترق الزرع ذهبت الأموال مات له أربعة عشر ولدا في يوم واحد لم يبق في بيته لقمة تؤكل.
أشد واحد فينا فقرا اليوم إن كان في لبنان أو خارج لبنان يكون في بيته طعاما أقل شىء خبز، بصل، تمر [ما أفقر بيت فيه خل]
لقمة تؤكل لم يبق في بيت أيوب، السيدة رحمة كانت من أجمل نساء زمانها وكان لها شعر طويل جميل، من شدة خوفها وفزعها على نبي الله أيوب أن يلحقه الضرر من الجوع أخذت قرنا –ضفيرة- من شعرها وقطعته ثم باعته من بعض بنات الملوك لتشتري طعاما لزوجها النبي الذي لا يوجد في بيته ما يأكله، وجاءت بهذا الطعام ووضعته أمام أيوب عليه الصلاة والسلام فرفض أن يأكل منه ما أكل ولا لقمة من هذا الطعام.
بعد ما مات أولاده وهو يزداد شكرا وذكرا وصبرا وطاعة وعبادة لا يتضجر ولا يتأفف ولا يعترض حاشاه، بل يزداد صبرا وشكرا وذكرا ثمانية عشر سنة في الفراش لم يدع بشفاء نفسه، جاء اثنان خبيثان وقفا أمام داره وصارا يتكلمان مع بعضهما فقال واحد للآخر: أنا أظن أن أيوب أذنب ذنبا لم يذنبه أحد، وفي بعض العبارات يقولون إنه قال: ما ظنك في أيوب لولا أنه أذنب ذنبا عظيما ما ابتلاه الله هذه المدة؟ هذا كفر، لأن إساءة الظن بالأنبياء والطعن بالأنبياء وانتقاص الأنبياء والكلام في مثل هذا في الأنبياء كفر مخرج من الإسلام، أيوب سمع هذا فانكسر قلبه عند ذلك دعا بشفاء نفسه، عندما دعا الله استجاب فرفع عنه البلاء.
خرج أيوب من البيت مستعينا بالسيدة رحمة إلى مكان ابتعد فيه عن أعين الناس، فوضعته السيدة رحمة ورجعت، هناك في ذاك الموضع أوحى الله إليه أن اضرب الأرض برجلك، فركل الأرض برجله فأنبع الله له عينين ماء من الأرض ماء عذبا فراتا للشرب والاغتسال، أيوب عليه السلام أوحى الله له أن اشرب من واحدة اغتسل من الثانية، عندما شرب تعافى باطنه وعندما اغتسل من العين الثانية تعافى ظاهره فعاد صحيحا معافى قويا كما كان قبل أن يمرض، وأرسل الله له غمامتين فأمطرت واحدة جرادا من ذهب على البيادر التي كانت للحنطة والغيمة الثانية أمطرت الفضة على بيادر الشعير، فصار له من الذهب والفضة كالتلال.
السيدة رحمة كانت وصلت إلى سن عادة لا تلد فيه النساء وربي لا يعجزه شىء، أليس إبراهيم عليه السلام عندما ولد له من سارة عليها السلام كان عمره على قول بعض علماء التفسير والتاريخ مائة سنة وبعضهم يقول مائة وعشرون، وسارة كان عمرها تسعون سنة، وغير هذه حوادث كثيرة، الله أرجع رحمة إلى شبابها ورزق أيوب منها من جديد 26 مولود ذكر، وهكذا عوض الله عليه الأولاد فصار له أولاد أكثر وصار أغنى من الأول وصحيحا قويا معافى هذا كله في الدينا فكيف في الآخرة؟ كيف في الجنة؟ أعظم وأكبر.
لذلك فلنقتد بالأنبياء والأولياء ولنتعلم منهم الصبر ولنستحضر دائما أن الدنيا درا بلاء وهي ليست الجنة.
إذا كان الأنبياء لا يحفظ منه الأنبياء في الدنيا فهل تحفظ أنت يا أخي أو أنا من البلاء في الدنيا؟ لا، والأنبياء يكثر عليهم البلاء لترتفع مقاماتهم أكثر وتكثر حسناتهم أكثر وترتفع درجاتهم أعلى وأعلى، هذا بالنسبة للأنبياء دائما يسلم لهم الدين وتكثر عليهم المصائب في الدنيا.
وهذا المكان الذي نبع فيه الماء لأيوب عليه السلام في حوران معروف إلى الآن وزرناه وحصلت بعض الأمور الغريبة لبعض المرضى الذين هم من الطريق الجديدة، ومن أراد أن يعرف القصة بتفاصيلها فليذهب إلى أخينا الحاج محمد شعبان هو حكى لي عن مريضة كانت موجودة في الرحلة، والشيخ زار هذا المكان وهناك يوجد قبر زرناه يقولون عنه قبر أيوب عليه السلام والماء موجود إلى الآن، والبلد وما فيه من آثار تنسب لنبي الله أيوب ما زالت إلى الآن.
الذي يخرج من دمشق ويذهب إلى طريق حوران أو الداخل من الحدود اللبنانية يريد دمشق قبل أن يصل يجد لوحات مكتوب عليها إلى حوران ثم يصل إلى مكان يقال له نوى، بلدة الإمام النووي رحمه الله، وبين نوى يوجد قرية بعيدة عنها اسمها قرية الشيخ سعد، قبر أيوب وهذا الماء في قرية الشيخ سعد، لعلهم يقصدون به الصحابي الجليل سعد بن عبادة -الذي قتله الجن- على أن الأرجح أن قبر سعد في غوطة دمشق لكن له مقام هناك.
الإنسان إذا اقتدى بالأنبياء وعرف أن هذا حالهم في الدنيا فمن نحن العوام؟ ثم نحن أحيانا يكون البلاء علينا بسبب ذنوبنا، الله يتوب علينا ويغفر لنا.
الأتقياء ينزل عليهم رفعة لدرجاتهم أما بعض العامة يكون بسبب ذنوبهم ينتقم منهم في الدنيا قبل الآخرة.
الله يتوب علينا ويغفر لنا ويرحمنا ويرزقنا كمال الاقتداء بأنبيائه الكرام عليهم الصلاة والسلام
والحمد لله رب العالمين