ما هو العصر ولماذا أقسمَ اللهُ به؟
بسمِ اللهِ والحمدُ للهِ وصلّى اللهُ وسلّمَ على سيِّدِنا محمَّدٍ رسولِ اللهِ وعلى ءالِهِ وصحْبِهِ الطَّيِّبينَ الطاهرين ومَنْ والاه.
اللهُمَّ لا سَهْلَ إلّا ما جَعَلْتَهُ سَهْلًا وأنتَ تَجْعَلُ الحَزْنَ إذا شئْتَ سَهْلًا.
اللهُمَّ ارزُقْنا الإخْلاصَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمين.
أمّا بعْدُ أحْبابي، فإنَّ الصّحابةَ الكِرام رِضْوانُ اللهِ عليهمْ كانوا إذا اجْتَمَعوا قرَأوا سورةَ العصرِ فيما بيْنَهُمْ:
بسمِ اللهِ الرَّحمـٰن الرَّحيم
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}.
هذهِ السُّورةُ العظيمةُ لِما فيها منَ المَعاني كانوا إذا الْتَقَوْا قَرَأُوها. وهذهِ السُّورة أقسمَ اللهُ تعالى فيها بالعصر.
ما هوَ العصر؟ قالَ بعضُ العُلَماء “العصرُ” هوَ الدّهر. فاخْتِلافُ الليلِ والنّهارِ عَلامةٌ على وجودِ الصَّانِعِ الخالِقِ تبارَكَ وتعالى.
الواحِدُ مِنّا إذا تَفَكَّرَ في الشَّمسِ، في القمرِ، في نفْسِهِ، يَسْتَدِلُّ على وجودِ الصّانِعِ عزَّ وجلّ. ولذلكَ الإمامُ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ في الدّليلِ على وجودِ اللهِ “ورَقةُ التُّوت تَدُلُّ على وجودِ الصّانِعِ” كيفَ هذا؟ إذا أكلَها الماعِزُ خرجَ منهُ اللَّبَن، وإذا أكَلَها النَّحلُ خرَجَ منهُ العسل، وإذا أكلَها الغزال اجْتَمَعَ عندَ سُرَّتِهِ المِسك، وإذا أكَلَها الجَمَل خرجَ منهُ البَعْر. فإذًا هناكَ مَنْ خَصَّصَ الغزالَ بالمِسكِ، والجمَلَ بالبَعرِ، والماعِز باللبَنِ، هذا الخالِقُ تبارَكَ وتعالى لا يُشْبِهُ المَخلوق.
فإذًا هذا العالَمَ سُمِّيَ عالَمًا لأنَّهُ عَلامةٌ على وجودِ الخالِقِ تبارَكَ وتعالى.
فأقْسَمَ اللهُ بالعصرِ لاخْتِلافِ الليلِ والنّهار الدالّ على وجودِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
ونحنُ كما قالَ سيِّدُنا عبدُ اللهِ بنُ عبّاس: “تَفَكَّروا في كلِّ شىءٍ ولا تَفَكَّروا في ذاتِ الله”، لأنَّ الذي يتَخايَل صُوَرًا وأشْكالًا وهيئات ويَظُنُّها الله، هذا ما عَرَفَ الله.
نحنُ نَتَفَكَّرُ في المَخلوقِ ولا نتَفَكَّرُ في الخالِقِ. أمَّا مَعرِفَتُنا باللهِ فهيَ تكونُ بِمَعرِفةِ ما يَليقُ بهِ وما لا يَليقُ بهِ، ما يَجِبُ لهُ، وما يسْتَحيلُ عليه، وما يَجوزُ في حَقِّهِ تبارَكَ وتعالى.
وقالَ بعضُ العُلَماءِ “العصر” المُرادُ بهِ صلاةُ العصرِ، وكلُّنا يَعْلَمُ كَمْ للصّلاةِ مِنْ أهمِّيَّةٍ في دينِ اللهِ، الصّلاةُ عَمودُ الدّينِ.
اللهُ يُثَبِّتُنا على المُحافَظةِ على الصّلَواتِ الخَمسِ.
ثمَّ بيَّنَ اللهُ تبارَكَ وتعالى أمرًا عظيمًا وهوَ أنَّ الإنسانَ في خُسْران إلّا مَنِ اجْتَمَعَتْ فيهِ هذهِ الصِّفاتُ الأربعة. ما هيَ؟
{إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ • إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}
والخَصلةُ الأولى هيَ الأصلُ، الإيمانُ الإسلامُ الذي دعا إليْهِ كلُّ النَّبيِّين عليهمُ السّلامُ. وهذا الإيمانُ هوَ الشّرْطُ الأساسُ لِقَبولِ الأعْمالِ الصّالحةِ، وذُكِرَ أوَّلًا لأنّهُ الأصلُ.
“إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”: والعمَلُ بالصّالِحاتِ لا بُدَّ أنْ يَسْبِقَهُ علْمٌ، وبعِلْمِ الدّينِ تَعرِفُ كيفَ تكونُ الصّلاةُ صحيحة، وكيفَ يكونُ الحَجُّ صحيحًا، وكيفَ تكونُ الزّكاةُ صحيحة، وكيفَ يكونُ عَمَلُكَ مَقْبولًا لكَ ثوابٌ عليه. أمَّا بِدونِ العِلْمِ فالإنسانُ كالضّائِعِ التَّائهِ يَميلُ معَ كلِّ ريحٍ، لذلِكَ بعِلْمِ الدّينِ يَعرِف الإنسان كيفَ يَعْملُ الصّالِحات. “وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ”: أي أمَروا بَعْضَهُمُ البَعض بالخيرِ وَنَهَوا عنِ المُنْكَر، أمَرُوا بالمَعْروفِ ونَهَوا عنِ المُنْكَرِ.
وهنا أحْبابَنا أَنْصَحُكُم لِأنَّ النّصيحةَ لا تُطْلَبُ مِنْ أيِّ إنسانٍ. فقدْ قالَ سيِّدُنا عمرُ بنُ الخَطّاب أميرُ المؤمنينَ رضيَ اللهُ عنهُ وأرْضاهُ “لا يُسْتَنْصَحُ إلّا الأمين ولا أمينَ إلّا مَنْ يَخافُ الله”.
لذلِكَ الذي يخافُ اللهَ هذا الذي يُطْلَبُ منهُ النَّصيحة، هذا الذي يُسْتَنْصَح.
“وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”: فالصّبرُ بأنْواعِهِ ضِياءٌ للقلوبِ، وَمَنْ ترَكَ الصّبرَ هَلكَ.
اللهُمَّ اجْعَلْنا منَ الذينَ يعمَلونَ بهذهِ الخِصالِ الأربَعةِ، اللهُمَّ اجْعَلْنا منَ الآمِرينَ بالمعروفِ النّاهينَ عنِ المُنْكرِ الصّابِرينَ المُحْتَسِبينَ وآخِرُ دَعْوانا أنِ الحَمْدُ للهِ ربِّ العالَمين.