ماذا فعلَ الرسولُ في حَجّةِ الوداع؟
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين وصلّى اللهُ وسلّم على سيّدِنا محمّدٍ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ الطّيّبينَ الطاهرين.
اعْلَموا رَحِمَكُمُ اللهُ أنَّهُ لمْ يَقُلْ إمامٌ مِنْ أئِمّةِ المسلمين أنّهُ لا يجوزُ التّوسُّلُ بالأنبياءِ والصّالحين أوْ لا يجوزُ التّبَرُّكُ بهم. بلْ ثبَتَ بالأدلّةِ الصّحيحةِ القطْعِيّةِ عنْ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم ما يُفيدُ خِلافَ ذلك. فقدْ روى البُخاريُّ ومسلمٌ في صَحِيحَيْهِما أنّهُ صلّى اللهُ عليه وسلّم في حَجّةِ الوداعِ لمّا حلَقَ شعَرَهُ للنُّسُكِ أمَرَ أبا طلْحَةَ الأنْصارِيِّ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ لهُ: “اِقسِمْ بينَ النّاس” أي وَزِّعْ هذا الشعر بينَ النّاس. فصارَ الصّحابةُ يأخُذونَ هذا الشعرَ المُبارك الشّريف، هذا يأخُذُ شعرةً وهذا يأخُذُ شعْرَتَيْن أوْ أكثر، وبَقِيَ المسلِمونَ على التَّبَرُّكِ بِآثارِ الرسولِ صلّى اللهُ عليه وسلّم إلى يوْمِنا هذا.
فهذا إرشادٌ مِنْ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم إلى التّبرُّكِ بِأجْزائِهِ الشريفةِ، وهذا ما كانَ عليه الصّحابة والسّلفُ الصّالِحُ ومَنْ جاءَ بعْدَهُمْ مِنْ أئِمّةِ الإسلامِ.
فَلا يُقال إنَّ مُجَرّدَ نِداءِ غيرِ اللهِ تعالى أوْ مُجَرَّد نداءِ غير الحيِّ الحاضرِ أو مُجَرَّدَ التّبَرَّكِ بالصّالِح أو مُجَرَّدَ زيارةِ قبرِ الصالح، لا يُقالُ إنَّ هذا عِبادة لِغَيرِ اللهِ تعالى، ولا يُقالُ إنَّ هذا شِركٌ. العِبادةُ في اللغةِ العربيةِ هيَ الطاعةُ معَ الخُضوعِ، هيَ غايةُ التّذلُّلِ. غايةُ التّذَلُّلِ هذا لا يجوزُ صرْفُهُ إلّا للهِ تبارَكَ وتعالى.
فقدْ ثبَتَ أيضًا في الحديثِ الصّحيحِ الذي رواهُ الطبرَانيّ أنَّ رجلًا جاءَ إلى رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم وكانَ ضريرًا، فقالَ يا رسولَ اللهِ ادعُ اللهَ لي، فإنّهُ قدْ شقَّ عليَّ ذَهابُ بصَري، فقالَ لهُ الرسولُ صلّى اللهُ عليه وسلّم: “إنْ شئْتَ صبَرْتَ وإنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لك (وذلكَ لأنَّ الصبرَ على البلاءِ فيهِ تَكْفيرُ الخَطايا بالنسبةِ للمسلمِ العاصي ورفعُ الدرجاتِ بالنسبةِ للمسلمِ التّقيّ) فقال يا رسولَ اللهِ إنّهُ قدْ شقَّ عليَّ ذَهابُ بصَري وليسَ لي قائدٌ ليس لي مَنْ يُعينُني على أمري، فقالَ النبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم: “إيتِ الميضَأة فتَوضّأْ ثمَّ صلِّ رَكْعَتَين ثمَّ ادْعُ بهؤلاءِ الكَلِمات: “اللهُمَّ إنّي أسألُكَ وأتَوَجَّهُ إليكَ بِنَبِيِّكَ محمّدٍ نبيِّ الرّحمة، يا محمّد إنّي أتَوَجَّهُ بكَ إلى ربّي في حاجتي لِتُقْضَى لي”، راوي هذا الحديث عثمانُ بنُ حُنَيْف الصّحابيّ رضيَ اللهُ عنهُ قال: “فواللهِ ما تفَرَّقْنا ولا طالَ بِنا المجلِس حتّى دخلَ علينا الرّجلُ وقدْ أبْصَرَ كأنّهُ لمْ يكُنْ بهِ ضُرٌّ قطّ”.
وهذا الصّحابيُّ توَسّلَ بالرسولِ صلّى اللهُ عليه وسلّم بإرشادٍ منَ الرسولِ عليه الصلاةُ والسّلامُ. فعلَ ذلكَ في غيرِ حضْرةِ النّبيّ، لأنَّ الرّاوي يقولُ: “فواللهِ ما تفَرّقْنا ولا طالَ بنا المجلس حتى دخلَ علينا الرّجلُ وقدْ أبصَرَ” معناهُ توَسَّلَ بالرسولِ في غيرِ حضرةِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم. وهذا الحديث له تِتِمّة وهو أنَّ رجلًا في زمَنِ عُثمانَ بنِ عفّان رضيَ اللهُ عنهُ لَقِيَ هذا الرّاوي عُثمان بنَ حُنَيف قالَ لهُ: “لي حاجةٌ عندَ عُثمان لكنَّهُ لا يَنْظُرُ في حاجتي” فقالَ لهُ عثمان بنُ حُنَيف: “إيتِ الميضَأة ثمَّ توَضَّأ ثمَّ صلِّ رَكعَتَيْن ثمَّ ادْعُ بِهؤلاءِ الكلِمات (يعني التي سَمِعَها منَ الرسولِ يُعَلِّمَها الأعْمى) ففعلَ ذلكَ فذهبَ إلى سيّدِنا عُثمان فأُدْخِلَ عليه، فقالَ لهُ سيّدُنا عُثمان بعدَ أنْ أجْلَسَهُ على طُنْفِسَتِهِ (على السّجادة)، قالَ لهُ: ما حاجتك؟ قال: كذا وكذا. فقضَى حاجَتَهُ وقال لهُ: “ما كانَ لكَ مِنْ حاجةٍ فَعُدْ إلينْا”.
خرجَ الرّجُلُ لَقِيَ عُثمان بن حُنَيف قالَ له جزاكَ اللهُ خَيرًا، ما كانَ يَنْظُرُ في حاجتي حتّى كلَّمْتَهُ فِيّ، فقالَ واللهِ ما كلَّمْتُهُ فيك لكِنِّي شَهِدْتُ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم وقدْ أتاهُ رجلٌ ضريرٌ وحَكَى لهُ ما جَرى في زمنِ الرسولِ صلّى اللهُ عليه وسلّم.
فهذا توسُّـــــــلٌ بالرسولِ صلّى اللهُ عليه وسلّم بعدَ وفاتِه، فهذا جائزٌ عندَ كلِّ أئِمّةِ الإسلامِ لا بَأسَ بهِ ليسَ حرامًا وليسَ شرْكًا وليسَ عِبادةً لِغَيْرِ اللهِ. واللهُ سبْحانَهُ وتعالى أعلَمُ وأحْكَمُ.