ماذا حصلَ بعدَ موتِ الصَّحابيَّةِ التي أُقيمَ عليها الحَدّ
تابَتْ توْبةً لوْ تابَها صاحِبُ مَكْسٍ لغُفِرَ له.
النّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم في زمانِه أُقيمَ حدُّ الزّنا على امرأةٍ صَحابيَّةٍ مسلمةٍ عاصِيةٍ، فلمّا رُجِمَتْ وقُتِلَتْ أُقيمَ عليها هذا الحدّ قامَ بعضُ الناسِ وتكَلَّموا عليها، فالنّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم أرادَ تَنْفِيرَ الناسَ مِنَ الكلامِ عليها. لا يجوزُ بعدَ أنْ أُقيمَ عليها الحدّ أنْ يُتَكلّمَ عليها بهذا الذي قيل. فالنّبيُّ عليه الصلاة والسلام قالَ لهمْ “إنّها تابَتْ توْبةً لوْ تابَها صاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ له”. وصاحِبُ المَكْسِ هو الذي يأكلُ مالَ التُّجّارِ بِغَيْرِ حقٍّ. شَبَّهَ هذا بِهذا لِتَنْفِيرِنا مِنْ هذهِ المَعْصية. وهكذا في أحاديث كثيرة عنْ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم يُشَبِّهُ مَعصيةً بِمَعْصِية، بِذَنْبٍ لِيَنْفُرَ النّاسَ مِنْ هذا الذّنْب.
قالَ عليه الصّلاةُ والسّلامُ: “عَدَلَتْ شهادةُ الزُّورِ الإِشراكَ باللهِ” (ليسَ معناهُ أنَّ مَنْ شهِدَ زورًا خرَجَ منَ الإسلام، لا)، وإنّما المرادُ أنّ هذا الذي شَهِدَ زورًا أيْ كذَبَ، مَعْصِيَتُهُ تُشْبِهُ الإِشْراكَ بالله، يعني قارَبَ الكُفرَ والعِياذُ باللهِ تبارَكَ وتعالى. هذا معنى “عَدَلَتْ شهادةُ الزورِ الإشراكَ باللهِ”.
وكذلك أيضًا قال صلّى اللهُ عليه وسلّم: “إنَّ أَرْبَى الرِّبا إسْتِطالَةُ الرّجلِ في عِرْضِ أخيهِ المسلم”، يعني حرامٌ أنْ تغْتابَ المسلم أنْ تتكلّمَ على المسلمِ بغيْرِ حقٍّ بِما لا يَرْضَى في خَلْفِه.
فشبَّه الرسولُ صلّى اللهُ عليه وسلّم هذا الذنب بأشدِّ الرِّبا “إنَّ أرْبَى الرِّبا إسْتِطالةُ الرَّجلِ” أيْ أنْ يتَطاولَ في ذِكْرِ أخيهِ المسلمِ بغيْرِ حقٍّ.
وقال صلّى اللهُ عليه وسلّم “بيْنَ العبدِ والكفرِ ترْكُ الصّلاة” ما مَعنى هذا الحديث؟ ليسَ معناهُ مُجَرّد أنَّ الإنسانَ تركَ الصّلاةَ كسلًا يكونُ كافرًا خارجًا منَ الدّينِ، لا، وإنّما أرادَ النّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم في هذا الحديثِ أنّ الذي يَتركُ الصلاةَ قارَبَ الكُفرَ، هوَ في خطرٍ. الصلاةُ عَمودُ الدّينِ وهذا الإنسانُ أهْمَلَ هذهِ الفريضةَ التي هيَ أفضلُ الأعمالِ بعدَ الإيمانِ باللهِ ورسولِه صلّى اللهُ عليهِ وسلّم.
وقالَ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم: “سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ وقِتالُهُ كفرٌ”. ليسَ مُجَرَّد قاتَلْتَ أخاكَ أو قَتَلْتَهُ بِغيرِ حقٍّ تكونُ كفَرْتَ، لا، ما معنى هذا التّشْبيه هنا؟ هذا التّشْبيه هنا أيْ هذا الإنسان الذي قَتَلَ أخاهُ المسلمَ أو قاتَلَهُ بِغَيْرِ حقٍّ قارَبَ أيضًا الكفر.
وهكذا أحاديثُ كثيرة يُبَيِّنُ فيها النّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم عظيمَ هذه المعصية حتى نَجْتَنِبَها. يعني في حديثٍ آخرَ قال صلّى اللهُ عليه وسلّم”ما ءامَنَ بي مَنْ باتَ شَبْعان وجَارُهُ إلى جَنْبِهِ جائِعٌ وهو يَعلَمُ بِه” ما ءامَنَ بي ليسَ معناهُ كفَرَ، وإنّما معناهُ لا يكونُ كاملَ الإيمانِ مَنْ حَصَلَ منهُ ذلك.
وقالَ صلّى اللهُ عليه وسلّم “لا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لهُ ولا إيمانَ لِمَنْ لا أمانةَ لهُ” معناهُ لا يكونُ كاملًا في دينِه مَنْ لا يحفَظ العُهود، نحن مأمورون بحِفظِ العهود. “ولا إيمان” أيْ لا يكونُ كامِلَ الإيمانِ مَنْ لا يَحْفظ الأمانةَ، هذا الذي لا يَحْفَظُ الأمانةَ لا يكونُ كاملًا في دِينِه. هذا معنى “ولا إيمانَ لِمَنْ لا أَمانةَ له”.
نسألُ اللهَ تعالى أنْ يَعْصِمَنا منَ الذُّنوبِ والخَطايا وآخِرُ دَعْوَانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.