ليلة المغفرة
إن ليلةَ القدر المباركة هي الليلة التي يُفْرَق فيها كل أمر حكيم، وتنزل فيها الملائكة من السماء، وتكثر فيها الخيرات والمصالح والنعم. من قامها إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من الذنوب، ومن فرّط فيها وحُرِم خيرها فهو الملوم المحروم.
أخفاها الله تعالى فلم يُبَيّن عينها ليتزود الناس في جميع الليالي من التهجد والقراءة والإحسان، وليتبيّن بذلك النشيط في طلب الخيرات من الكسلان. فإن الناس لو علموا عينها لاقتصر أكثرهم على قيام تلك الليلة دون ما سواها، ولو علموا عينها لما حصل كمال الامتحان في علو الهمة وأدناها. فاطلبوها رحمكم الله بجدٍّ وإخلاص، واسألوا الله فيها الغنيمة من البر والخيرات والسلامة من الإفلاس. فإذا مررتم بآية رحمة فاسألوا الله من فضله، وإذا مررتم بآية وعيد فتعوذوا بالله من عذابه.
سماها الله تعالى ليلة القدر وذلك لعظم قدرها وجلالة مكانتها عند الله، ولكثرة مغفرة الذنوب وستر العيوب فيها، فهي ليلة المغفرة كما في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قامَ ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه» رواه البخاري ومسلم. فقولُه: «إيمانًا واحتسابًا»، أي تصديق بوعد الله بالثواب وطلبًا للأجر لا لرياء أو قصد آخر.
وقد خص الله تعالى هذه الليلة بخصائص منها:
نزول القرآن فيها: قال ابن عباس وغيرُه إنزل الله القرآن جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
البركة والكثرة في الملائكة: تنزل فيها الملائكة والروح، أي يكثر تنزّل الملائكة لكثرة بركتها، ويحيطون بحلق الذكر ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق وتعظيم.
السلامة: فهي ليلة سلام، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا، وتكثر فيها السلامة من العقاب والعذاب بما يقوم العبد من طاعة الله.
تقدير كل أمر حكيم: {فيها يفرق كل أمر حكيم}، أي يُفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق إلى آخرها.
خيرها العظيم: {ليلة الْقدر خير من ألف شهر}، أي إحياؤها بالعبادة فيها خير من عبادة ثلاث وثمانين سنة، وهذا فضل عظيم لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وفيه ترغيب للمسلم وحث على قيامها ابتغاء وجه الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتمس هذه الليلة ويتحراها مسابقةً إلى الخير وهو القدوة للأمة.
اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغنا حبك، وأعنّا على القيام والصيام، آمين يا رب العالمين.