الأحد يناير 25, 2026

ليعلم أن عداء الوهابية للمسلمين يتأكد من خلال فتوى ناصر الدين الألباني([1])، حين أفتى لأهل فلسطين بوجوب الخروج منها. ونتساءل من المستفيد من هذا؟ ولمن نترك فلسطين إذا أوجبنا على أهلها الخروج منها؟ وما هو ثمن هذه الفتوى؟ واللبيب يفهم من الإشارة.

وتنكر الوهابية أن يوصي شخص بقبره في مكان معين([2])، وكأن الوهابية تنكر على سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أرسل ابنه عبد الله رضي الله عنه يستأذن السيدة عائشة رضي الله عنها في أن يدفن بجوار الرسول الأعظم ﷺ.

وتحرم الوهابية قيام ليلة النصف من شعبان وصيام نهارها([3]) على اعتبار عندهم أنها محدثة، يعني: بزعمهم هي مردودة، وهذا رد لما ورد عن الرسول محمد ﷺ: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها، وصوموا نهارها»([4]).

وتحرم الوهابية الأذان الثاني يوم الجمعة. وتحرم سنة الجمعة القبلية حيث قال الألباني([5]): «قصد الصلاة بين الأذان المشروع والأذان المحدث تلك التي يسمونها سنة الجمعة القبلية لا أصل لها في السنة ولم يقل بها أحد من الصحابة والأئمة». مع أن الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كان (رسول الله ﷺ) يصلي قبل الجمعة أربعا، وبعدها أربعا»، كما ذكر الحافظ ولي الدين العراقي([6])([7]). وهذا من جملة ما يدل على قبح بضاعة ناصر الألباني في علم الحديث.

وكذلك الوهابية تمنع أن يقال في التشهد: «السلام عليك أيها النبي»، وإنما يقال عندهم: «السلام على النبي»([8])، مع أن سيدتنا عائشة رضي الله عنها كانت تقول في تشهدها: «أيها النبي». رواه الإمام مالك في الموطأ([9]).

وتمنع الوهابية الزيادة على إحدى عشرة ركعة في صلاة قيام رمضان([10])، ويكفي في الرد عليهم حديث رواه البخاري([11]) أن النبي ﷺ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى».

وتحرم الوهابية الدعاء جهرا عقب الصلوات الخمس، والسنن والرواتب([12]).

وتحرم الوهابية القنوت في صلاة الصبح([13]).

وتحرم الوهابية الصلاة في المساجد التي فيها قبور([14]).

وسأكتفي في الرد على هذه الشبهة بسؤال: بما أنكم أيتها الوهابية تحرمون الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فما حكم الصلاة في المسجد الحرام الذي دفن فيه سيدنا إسماعيل([15])؟!

وتقول الوهابية([16]): «من البدع أيضا في هذه الحلقات أن يحدد الشيخ أرقاما ليقولها الذاكر فيقول: قل: لا إله إلا الله ألف مرة مثلا.. أو صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف مرة، أو أكثر، وكل هذا لم يرد في شرعنا وهو من ابتداع الجاهلين، لقد خرج هؤلاء عن الذكر إلى ذكر يشرك بالله تعالى». نعوذ بالله من زيغ الوهابية وتمويههم.

وتقول الوهابية([17]): بعدم جواز تعليق الرقى على المرضى والأطفال – وإن كانت من القرآن – وبحرمتها، من باب سد الذرائع إلى الشرك. كيف تكون كتابة آيات من القرآن على ورقة موصلة إلى الشرك؟ ولو تعلمتم أيها الوهابية معنى العبادة في اللغة والاصطلاح لكفاكم ذلك عن بعثرة الأحكام على هواكم دون ما حجة ولا دليل.

فعن عمرو بن شعيب([18]) عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع، وفي رواية أخرى: «إذا فزع أحدكم فليقل: بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون». وكان عبد الله بن عمرو([19]) يعلمها من بلغ من بنيه، وأن يقولها عند نومه، ومن لم يبلغ كتبها ثم علقها في عنقه([20]).

ولعل ابن باز ما بلغه هذا الحديث، فقد قال في صحيفة «المجلة» – كما ورد سابقا – إنه قرأ في كتب الحديث وما أكملها، ولكن الجهل بهذا أدى إلى رمي الناس بالشرك، فإلى الله المشتكى.

وتنكر الوهابية تسمية ملك الموت بعزرائيل([21])، بينما نقل القاضي عياض في كتاب «الشفا»([22]) الإجماع على أن اسم ملك الموت عزرائيل.

والوهابية تشجع على الزنا، فتقول: إن طلاق الثلاث يقع واحدة([23]).

وأجمع علماء المسلمين على أن طلاق الثلاث يقع ثلاثا، وثبت عن ابن عباس أنه أفتى بوقوع الطلاق بلفظ واحد ثلاثا. روى ذلك عنه ثمانية من كبار أصحابه الثقات، كما بين البيهقي ذلك في «السنن الكبرى»([24]).

الوهابية تقول([25]): إن خروج المرأة إلى العمل ضرب من ضروب الزنا. وهكذا فإن الوهابية تجعل المسلمات الشريفات العفيفات زانيات آثمات، بينما جاء في صحيح مسلم([26]) أن الرسول ﷺ كان يأمر بخروج النساء لصلاة العيد إلى المصلى([27]).

الوهابية تحرم كشف الوجه والكفين على المرأة لغير زوج أو محرم([28])، بينما نقل الحافظ المجتهد محمد بن جرير الطبري([29]) في تفسيره([30]) إجماع الأمة، أن عورة المرأة الأجنبية أمام الرجل الأجنبي جميع بدنها سوى وجهها وكفيها.

الوهابية تحرم لبس الذهب المحلق على النساء، حيث يقول ناصر الألباني([31]): «واعلم أن النساء يشتركن مع الرجال في تحريم خاتم الذهب عليهن، ومثله السوار والطوق من ذهب». وهذا مناقض لإجماع الأمة بجواز لبس الذهب للنساء، نقل الإجماع النووي([32])، حيث قال: «أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس الحلي من الفضة والذهب جميعا، كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال… وكل ما يتخذ في العنق وغيره، وكل ما يعتدن لبسه، ولا خلاف في شيء من هذا».

الوهابية تحرم التلفظ بنية الصلاة عند الصلاة([33])، ولا دليل لهم على ذلك، مع العلم أن التلفظ بها يعين المصلي على استحضار النية.

كل ذلك يحرمونه ويعتبرونه غير مشروع، تحت شعار: لم يفعله رسول الله ﷺ، ولو كان حسنا لفعله. نقول لهم: إن هناك أشياء كثيرة حدثت وحصلت بعد وفاة النبي ﷺ مما لم يفعله الرسول ﷺ ولا أصحابه الكرام رضوان الله عليهم، ومن أوضحها نقط القرآن الكريم، أي وضع النقاط عليه فوق الحروف وتحتها، ووضع علامة الجزء والحزب، وترقيم الآيات، ووضع الشكل والشدة، ونحو ذلك مما استحسنه علماء المسلمين، ويعمل به كل المسلمون.

فالوهابية تحرم ما تشاء وتحلل ما تشاء، وتفتي بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ومن ذلك فتاويها الفاسدة بتحريم كل ما استحدث بعد وفاة النبي ﷺ، تحت شعار كل ما استحدث بعد وفاة النبي ﷺ هو بدعة ضلالة، والعياذ بالله.

قال تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان اللـه} [الحديد: 27].

الله تعالى امتدح المسلمين الذين كانوا على شريعة عيسى u، لأنهم كانوا أهل رحمة ورأفة، ولأنهم ابتدعوا الرهبانية، وهي الانقطاع عن الشهوات المباحة زيادة على تجنب المحرمات، حتى إنهم انقطعوا عن الزواج، وتركوا اللذائذ من المطعومات والثياب الفاخرة، وأقبلوا على الآخرة إقبالا تاما، فالله امتدحهم عل هذه الرهبانية، مع أن عيسى u لم ينص لهم عليها.

فالبدعة نوعان: بدعة حسنة، وبدعة سيئة. قال ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»([34]).

فأفهم هذا الحديث أن الرسول ﷺ هو الذي علم أمته أن البدعة على ضربين: بدعة ضلالة: وهي المحدثة المخالفة للقرآن والسنة. وبدعة هدى: وهي المحدثة الموافقة للقرآن والسنة. فإن قالت الوهابية: هذا معناه من سن في حياة رسول الله ﷺ، أما بعد وفاته فلا؛ فالجواب أن يقال: لا تثبت الخصوصية إلا بدليل. وهنا الدليل يعطي خلاف ما تدعون من كلام، حيث إن الرسول محمدا ﷺ قال: «من سن في الإسلام»، ولم يقل: من سن في حياتي، ولا قال: من عمل عملا أنا عملته فأحياه، ولم يكن الإسلام مقصورا على الزمن الذي كان فيه رسول الله ﷺ، فبطل زعمهم. فإن قالت: الحديث سببه أن أناسا فقراء شديد الفقر جاؤوا، فتمعر([35]) وجه رسول الله لما رأى من بؤسهم، فتصدق الناس حتى جمعوا لهم شيئا كثيرا، فتهلل وجه رسول الله ﷺ فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها»، فالجواب أن يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو معروف عند علماء الأصول.

وقد ورد عن أبي داود في سننه([36]) في كتاب الصلاة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يزيد في التشهد «وحده لا شريك له» ويقول: «أنا زدتها».

كل هذه لم تكن في زمان رسول الله ﷺ، فهل سيمنعها المانعون للمولد في أيامنا هذه أو أنهم سيتحكمون فيستبيحون أشياء ويحرمون أشياء؟! وقد فعلوا ذلك فإنهم حرموا المولد وأباحوا نقط المصحف وتشكيله، وأباحوا أشياء كثيرة مما لم يفعلها الرسول ﷺ كالرزنامات – مواقيت الصلوات – التي لم تظهر إلا قبل نحو ثلاثمائة عام، وهم يشتغلون بها وينشرونها بين الناس.

وذكر السيوطي في كتابه «الحاوي للفتاوي»([37]) استحسان عمل المولد النبوي الشريف، وأن من البدع ما هو مباح وما هو خير. فحسبنا من الحق بيانه، وأما من ضل فلا يلومن إلا نفسه، وكل نفس بما كسبت رهينة.

[1])) الألباني، فتاوى الشيخ الألباني ومقارنتها بفتاوى العلماء، ص18.

[2])) علي عبد الحميد، الموت عظاته وأحكامه، ص35.

[3])) ابن العثيمين، الكتاب المسمى فتاوى مهمة لعموم الأمة، ص57.

[4])) ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في ليلة النصف من شعبان، ج1، ص443. ومع أن الحديث ضعيف، إلا أنه يعمل به في فضائل الأعمال.

[5])) الألباني، الكتاب المسمى الأجوبة النافعة، ص41.

[6])) أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمٰن بن أبي بكر بن إبراهيم، قاضي القضاة ولي الدين أبو زرعة، الحافظ العراقي الشافعي، واعتنى به والده الحافظ زين الدين عبد الرحيم وأسمعه الكثير، برع في الفقه والأصول والعربية والحديث. له تآليف كثيرة، من ذلك: «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل». مولده في ثالث ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة، توفي يوم الخميس سابع وعشرين شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة، عن خمس وستين سنة. أبو المحاسن جمال الدين، المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، ج1، ص332.

[7])) ولي الدين العراقي، طرح التثريب، ج3، ص41.

[8])) محمد ناصر الألباني، الكتاب المسمى صفة صلاة النبي…، ص126، 127.

[9])) مالك، موطأ مالك، باب: الصلاة، ص60.

[10])) الألباني، الكتاب المسمى قيام رمضان، ص15.

[11])) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الوتر، باب: ما جاء في الوتر، ج1، ص337.

[12])) ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين، الكتاب المسمى فتاوى إسلامية، ج1، ص239.

[13])) عبد الرحمٰن عبد الصمد، أسئلة طال حولها الجدل، ص80.

[14])) ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين، الكتاب المسمى فتاوى إسلامية، ج1، ص53.

[15])) القرطبي، تفسير الجامع لأحكام القرآن، ج2، ص130.

[16])) حسام العقاد، حلقات ممنوعة، ص25.

[17])) ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين، الكتاب المسمى فتاوى إسلامية، ج1، ص27.

[18])) عمرو بن شعيب بن محمد السهمي القرشي، أبو إبراهيم، من بني عمرو بن العاص، من رجال الحديث. كان يسكن مكة وتوفي بالطائف سنة 118هـ. الزركلي، الأعلام، ج5، ص79.

[19])) أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المقعد، الإمام، الحافظ، المجود، البصري، واسم جده: ميسرة، حدث عن عبد الوارث بن سعيد، وأبي الأشهب العطاردي جعفر بن حيان، وملازم بن عمرو، حدث عنه: البخاري، وأبو داود، وحجاج بن الشاعر، والفضل بن سهل، وغيرهم، قال أحمد بن زهير عن يحيـى بن معين: «هو ثقة، ثبت». توفي سنة 224هـ. الذهبي. سير أعلام النبلاء، ج7، ص665 – 667، رقم الترجمة: 1887.

[20])) أحمد، مسند أحمد، ج2، ص181.

[21])) علي عبد الحميد، الموت عظائه وأحكامه، ص12.

[22])) القاضي عياض، الشفا، ج1، ص303.

[23])) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج33، ص7.

[24])) البيهقي، السنن الكبرى، كتاب الخلع والطلاق، باب: من جعل الثلاث واحدة…، ج7، ص355.

[25])) ابن باز، جريدة القبس، (مقال)، الجمعة 27 محرم، عدد 8252.

[26])) مسلم، صحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب: ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال، ج2، ص605.

[27])) لعل الوهابية نسيت تاريخ الأمة المحمدية التي فيها خروج رفيدة الأسلمية ونسيبة بنت كعب المازنية وخولة بنت الأزور، وجهادهن في سبيل الله.

[28])) ابن باز وابن العثيمين، الكتاب المسمى فتاوى وأذكار لإتحاف الأخيار، ص16.

[29])) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، الإمام العلم المجتهد عالم العصر، أبو جعفر الطبري، صاحب التصانيف البديعة، من أهل آمل طبرستان. كان من أفراد الدهر علما وذكاء وكثرة تصانيف، له: «أخبار الأمم وتاريخهم»، و«التفسير»، و«تهذيب الآثار»، قرأ القرآن ببيروت على العباس بن الوليد، ولد 224هـ، وتوفي عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة 310هـ، الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج9، ص484 – 492، رقم الترجمة: 2834.

[30])) الطبري، تفسير ابن جرير الطبري (جامع البيان في تفسير القرآن)، ج18، ص94.

[31])) الألباني، الكتاب المسمى آداب الزفاف في السنة المطهرة، ص132.

[32])) النووي، المجموع، ج6، ص40.

[33])) ابن باز وابن العثيمين وابن جبرين، الكتاب المسمى فتاوى إسلامية، ج1، ص283.

[34])) مسلم، صحيح مسلم، كتاب العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، ج4، ص2058.

[35])) «أرى في وجهه سفعة من غضب وهو تمعر لونه إذا غضب». الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج1، ص5312.

[36])) أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: التشهد، ج1، ص367.

[37])) السيوطي، الحاوي للفتاوي، ج1، ص251، 252.