(و)للقضاء ءاداب منها أنه (يستحب أن يجلس) وفي بعض النسخ أن ينزل أي القاضي (في وسط البلد) إذا اتسعت خطته ليتساوى أهله في القرب إليه فإن كان البلد صغيرا نزل حيث شاء إن لم يكن هناك موضع معتاد تنزله القضاة ويكون جلوس القاضي (في موضع) فسيح (بارز) أي ظاهر (للناس) بحيث يراه المستوطن والغريب والقوي والضعيف مصون من أذى حر وبرد بأن يكون في الصيف في مهب الريح وفي الشتاء في كن ونحوه مما يناسب الحال (ولا حجاب) بكسر أوله مصدر حجب إذا منع أو ضمه وتشديد المعجمة من أسفل جمع حاجب بأن لا يكون (له) م، يحول بينه وبين الناس فلو اتخذ حاجبا أو بوابا كره. نعم إن وظف نقيبا لترتيب الخصوم والإعلام بمنازل الناس أو اتخذ حاجبا وقت خلواته أو لأجل الزحمة لم يكره.
(ولا يقعد للقضاء في المسجد) صيانة له عن اللغط وارتفاع الأصوات الواقعين بمجلس القضاء عادة فإن قضى فيه بلا عذر كره والعذر كأن احتاج إلى المسجد للوقاية من المطر ونحوه وكأن اتفق وقت حضوره في المسجد لصلاة أو غيرها خصومة فلا يكره فصلها فيه حينئذ. فإن جلس فيه مع الكراهة أو دونها منع الخصوم من المشاتمة ونحوها ولم يدخل الخصوم جميعا بل يقعدون خارجه وينصت من يدخل عليه خصمين خصمين. ولا يلحق بالقضاء مجالس الفتوى وتعليم القرءان والعلم فلا تكره في المسجد. ويستحب أن يشاور القاضي عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الأدلة الفقهاء الأمناء الذين يقبل قولهم في الإفتاء بما فيهم أعمى وعبد وامرأة حيث كانوا كذلك.
(ويسوي) القاضي وجوبا (بين الخصمين في ثلاثة أشياء) أحدها (في المجلس) فيجلس القاضي الخصمين بين يديه إذا استويا في الإسلام ولو اختلفا في الفضيلة أو يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره والأول أولى فإن كان أحدهما مسلما والآخر ذميا رفع المسلم على الذمي بغجلاسه أقرب إليه مثلا. (و)الثاني التسوية في استماع (اللفظ) والكلام الواقع منهما فلا يسمع كلام أحدهما جون الآخر لئلا يكسر قلبه. (و)الثالث التسوية في (اللحظ) أي النظر فلا ينظر لأحدهما دون الآخر لئلا يكسر قلبه كما مر في الذي قبله. وكذلك لا يدخل عليه أحدهما دون الآخر ولا يقوم لأحدهما دون الآخر ويرد السلام عليهما معا فإن سلم أحدهما فلا بأس أن يقول للآخر سلم لأرد عليكما أو يصبر حتى يسلم فيجيبهما جميعا وبالجملة فإنه لا يخص أحدهما دون الآخر بشىء من الإكرام.
(ولا يجوز) للقاضي (أن يقبل الهدية من أهل عمله) وهم أهل محل ولايته وإن لم تكن للمهدي خصومة إن لم يعتد الهدية للقاضي قبل القضاء فإن اعتادها ولم تكن له خصومة لم يحرم قبولها إن كانت بقدر العادة وكذا لو أهدى له من هو م، غير محل ولايته في محل ولايته بأن دخل بها في محل ولايته وكذا لو أرسلها مع رسول ولم يدخل بها فإنه يحرم قبولها على الصحيح. ويستثنى م، ذلك هدايا أبعاضه فيجوز قبولها لعدم نفاذ حكمه لهم. ولا يحرم عليه القبول فيما لو كانت الهدية في غير محل ولايته من غير أهله. ومتى حرم قبولها لم يملكها القاضي ويجب ردها لمالكها.
(ويجتنب) القاضي (القضاء) أي يكره له ذلك (في عشرة مواضع) وفي نسخة (أحوال) هي (عند الغضب) غير الشديد الذي لا يخرجه عن حالة الاستقامة وأما الشديد الذي يخرجه عن حالة الاستقامة فيحرم عليه القضاء عنده (و)عند (الجوع) والشبع المفرطين وذلك لتشويش فكره عند الغضب (و)عند (العطش) المفرط (وشدة الشهوة والحزن والفرح المفرط) كل منهما وفي بعض النسخ المفرطين (وعند المرض) المؤلم (ومدافعة الأخبثين) البول والغائط اجتماعا أو انفرادا (وعند) غلبة (النعاس و)عند (شدة الحر و)شدة (البرد) وطذا عند الخوف الشديد والملل أي السآمة ونحوهما. والضابط الجامع أنه يكره للقاضي القضاء في كل حال يسوء خلقه ويشوش فكره ويتغير كمال عقله ومع ذلك فإنه إذا حكم في حال مما تقدم نفذ حكمه.
(و)إذا جلس الخصمان بين يدي القاضي أي حضرا عنده (لا) يجوز أن (يسأل) القاضي (المدعى عليه إلا بعد كمال) أي بعد فراغ المدعي من (الدعوى) الصحيحة ففي ابتداء حضورهما يسكت القاضي عنهما حتى يتكلما أو يقول ليتكلم المدعي منكما فيذكر المدعي دعواه فإذا صحت بأن استكملت شروطها الستة وأولها أن تكون الدعوى معلومة بأن يفصل المدعي ما يدعيه مما يختلف به الغرض كقوله قتل فلانا عمدا أو خطأ أو شبه عمد منفردا أو بالاشتراك مع غيره فإن أجمل سن للقاضي استفصاله وثانيها أن تكون ملزمة فلا تسمع دعوى هبة شىء أو بيعه أو إقرار به حتى يقول المدعي في الهبة وقبضته بإذن الواهب ويقول في الآخرين ويلزم البائع أو المقر التسليم إلي وثالثها تعيين المدعى عليه ورابعها أن يكون المدعي مكلفا ملتزما قوله (أن يكون المدعي مكلفا ملتزما) ولا يضره كونه جنينا أو صبيا أو مجنونا حالة القتل قبل ادعائه إذا كان بصفة الكمال عند الدعوى فإنه قد يعرف الحال بالتسامع ويمكنه أن يحلف في مظنة الحلف إذا عرف ما يحلف عليه بإقرار الجاني أو بالسماع ممن يثق به. قاله في الشرح الوجيز فلا تسمع الدعوى من الصبي والمجنون ولا من الحربي والخامس أم يكون المدعى عليه مكلفا فلا يدعى على صبي ولا مجنون وسادسها ألا يسبقها ما يناقضها ويكذبها كأن ادعى على شخص أنه منفرد بالقتل ثم ادعى على ءاخر أنه شريك في القتل أو منفرد به لم تسمع دعواه الثانية فإذا تحققت الشروط قال القاضي للمدعى عليه اخرج من دعواه أي انفصل عنها إما بإقرار أو بإنكار فإن أقر بما ادعى عليه به لفظا أو حكما أي بأن طلب من المدعى عليه اليمين فنكل فردها القاضي على المدعي فحلف اليمين المردودة لزمه ما ادعي به عليه وقام ذلك مقام إقراره لزمه ما أقر به ولا يفيده بعد ذلك رجوعه وإلا إن أنكر فللقاضي أي من غير وجوب عليه أن يقول للمدعي ألك بينة أو شاهد مع يمينك إن كان الحق مما يثبت بشاهد ويمين (ولا يحلفه) أي لا يحلف القاضي المدعى عليه (إلا بعد سؤال المدعي) القاضي تحليفه له فلو حلفه قبل طلب المدعي لم يعتد به كما لو حلف المدعى عليه بعد طلب المدعي وقبل تحليف القاضي. ولو طلب المدعي تحليف المدعى عليه مع قولع لي بينة أو شاهد مع اليمين مكن لأن المدعى عليه قد يقر عند عرض الحلف عليه فيستغني المدعي عن إقامة البينة.
(ولا يلقن) القاضي (خصما حجة) يستظهر بها على خصمه أي لا يجوز له ذلك فلا يقول لأحد الخصمين قل كذا وكذا وأيضا لا يلقن شاهدا الشهادة بخلاف تعريفه كيفية أدائها فيجوز أما استفسار الخصم فجائز كما تقدم كأن يدعي شخص قتلا على شخص فيقول القاضي للمدعي قتله عمدا أو خطأ. (ولا يفهمه كلاما) أي لا يعلمه كيف يدعي أو كيف يجيب في إقرار أو إنكار لأن في ذلك إعانة له على خصمه وذلك حرام. (ولا يتعنت بالشهداء) أي لا يجعل أمر الشهادة صعبا عليهم ولا يستقصي منهم أمورا تشق عليهم كأن يقول للشاهد لم شهدت وما هذه الشهادة أو كيف تحملت ولعلك ما شهدت ولا يجوز له أن يصرخ على الشاهد أو يزجره.
(ولا يقبل الشهادة إلا ممن ثبتت عدالته) الباطنة أي ثبتت عند حاكم سواء كان هو أو غيره من الحكام فإن عرف القاضي عدالة الشاهد أو فسقه عمل بعلمه فيقبل شهادته إن علمه عدلا وكان القاضي مجتهدا من غير حاجة إلى تعديل وإن طلبه الخصم ويردها إن علمه فاسقا فإن جهل حاله بأن لم يعرف عدالته ولا فسقه طلب منه التزكية وتكون بشهادة اثنين أنه عدل فيقول المزكي أشهد أنه عدل ولا يكفي في التزكية قول المدعى عليه أن الذي شهد علي عدل بل لا بد مما مر. ويعتبر في المزكي شروط الشاهد من العدالة وعدم العداوة وغير ذلك ويشترط كذلك معرفته بأسباب الجرح والتعديل وخبرة باطن من يعدله بصحبة أو جوار أو معاملة. وقد يتخذ القاضي مزكيين عدلين يعلمهما كيف يبحثان عن حال الشهود ثم يبعث كل واحد منهما سرا ولا يعلم أحدهما بالآخر ليسأل عن حال الشاهد من العارفين ذوي الخبرة بباطن حاله بسبب صحبة وطول معاشرة خصوصا في السفر الذي يسفر عن أخلاق الرجال أو لجوار يعرف به صباح الشخص من مسائه أو معاملة في الدراهم والدنانير تبين حاله من السهولة والصعوبة والأمانة والخيانة فيسأل كل منهما الذين ذكروا عن حال الشاهد في قبول شهادته في نفسه وهل بينه وبين المشهود له أو عليه ما يمنع شهادته ثم يأتي كل منهما إلى القاضي ويخبره بما علمه من حال الشاهد بلفظ أشهد عل شهادة المزكين أن الشاهد عدل فيعتمد القاضي ذلك لتزكية الشاهد وقبول شهادته.
(ولا يقبل) القاضي (شهادة عدو) عداوة دنيوية ظاهرة (على عدوه) وهو من يفرح لحزنه ويحزن لفرحه ويكتفي بما يدل عليها كالمخاصمة اكتفاء بالمظنة وخرج بالدنيوية العداوة الدينية فتقبل شهادة السني على المبتدع وعكسه ما لم يكفر ببدعته كالمجسم وهو الذي يعتقد أن الله تعالى جسم أو يدعي أن له طولا وعرضا أو لونا وشكلا ولو لم يتلفظ بلفظ الجسم وتكفير أمثاله هو الحق الذي لا محيد عنه فإنه المنقول عن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم كما نص على كفره الإمامان الأشعري والماتريدي أيضا رحمهما الله والقدري فسر إمامنا الشافعي وغيره من الأئمة القدري بأنه الذي يدعي أن الشرور تحصل في هذا العالم غصبا عن مشيئة الله وأن الله تعالى ليس هو خالق أعمال العباد وإنما العباد يخلقونها وربما وصل بعضهم إلى نفي علم الله بما يعمل العبد قبل أن يعمله وقد أطبق السلف على تكفيرهم بلا تردد فلا تقبل كشهادة من أفضت به العداوة إلى الفسق ومثال من تقبل شهادته من المبتدعة الخارجي الذي يكفر مرتكب الكبيرة فتقبل شهادته إن لم يكن فيه سبب ءاخر يمنع من ذلك باستثناء الخطابية فلا تقبل شهادة خطابي لمثله إلا إذا ذكر فيها ما ينفي اعتماده على قوله إذ إن أحدهم يشهد لمثله اعتمادا على قوله فقط لاعتقاده أنه لا يكذب فإن قال رأيته أقرضه أو سمعته يقر له قبلت شهادته لزوال المانع وعلى هذا يحمل قول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية اهـ وخرج بالظاهرة العداوة الباطنة إذ لا يعلمها إلا مقلب القلوب. وأما شهادة العدو لعدوه فتقبل إذ لا تهمة في ذلك وقديما قيل والفضل ما شهدت به الأعداء. (ولا)يقبل القاضي (شهادة والد) وإن علا (لولده) وإن سفل (ولا) شهادة (ولد لوالده) وإن علا حتى لو كانت لأحد أصليه أو فرعيه على الآخر. وأما الشهادة عليهما أي على الأصل والفرع فتقبل لانتفاء التهمة إلا إن كان بينه وبين كل منهما عداوة فلا تقبل عندئذ لا لهما ولا عليهما. ويقبل شهادة نحو الأخ لأخيه وعليه وشهادة أحد الزوجين للآخر وعليه إلا شهادة الزوج على زوجته بالزنا فلا تقبل لأنه عندئذ مدع خيانتها لفراشه. وتقبل شهادة الصديق لصديقه وعليه.
(ولا يقبل كتاب قاض إلى قاض ءاخر في الأحكام) ولا يعمل القاضي المكتوب إليه بمجرد الكتاب (إلا بعد شهادة شاهدين) عدلين (يشهدان) على القاضي الكاتب (بما فيه) أي الكتاب عند المكتوب إليه فإنه يقبل عندئذ ولو قربت المسافة بينهما. فإذا ادعى شخص على غائب بمال مثلا وثبت المال عليه فإن كان له مال حاضر قضاه القاضي منه وإن لم يكن له مال حاضر وسأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب أجابه لذلك وفسر الأصحاب إنهاء الحال بأن يشهد قاضي بلد الحاضر عدلين بما ثبت عنده من الحكم على الغائب. وصفة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم حضر عندنا عافانا الله وإياك فلان وادعى على فلان الغائب المقيم في بلدك بالشىء الفلاني وأقام عليه شاهدين وهما فلان وفلان وقد عدلا عندي وحلفت المدعي وحكمت له بالمال وأشهدت بالكتاب فلانا وفلانا اهـ وقوله وحلفت المدعي يعني به يمين الاستظهار وذلك واجب احتياطا للغائب بعد إقامة الحجة فيحلف المدعي أن الحق ثابت على الغائب يلزمه أداؤه. وإن كانت الحجة عند القاضي الكاتب غير الشاهدين كشاهد ويمين أو يمين مردودو نص على ذلك في الكتاب ليعرفها المكتوب إليه فقد لا يرى بعض ذلك حجة. ويشترط ظهور عدالة شهود الكتاب والحكم وهم الذين شهدوا أن الحاكم الأول حكم بطذا عند القاضي المكتوب إليه فلا تثبت عدالتهم عنده بتعديل القاضي الكاتب إياهم. وفي هذا الأمر تغاصيل أخرى تطلب من مظانها. ومثل كتاب الحكم كتاب إنهاء سماع البينة أي إيصال شهادتها إلى قاض ثان فإنه يقبل فيما فوق مسافة العدوى لا فيها وفيما دونها لسهولة إحضارها في القرب دون البعد. ومسافة العدوى هي ما يرجع منها المسافر مشيا و بسير الإبل المحملة المبكر في ابتداء سفره فيصل إليها ثم يرجع في اليوم نفسه إذا كان معتدلا أي هي مسير نصف يوم معتدل وسميت بذلك لأن القاضي يعدي من طلب غحضار خصمه منها أي يعينه على إحضاره فلو عسر إحضار البينة فيه لمرض ونحوه قبل إنهاء سماعها. وإذا خالف الشاهد بشهادته عند الحاكم المكتوب إليه ما في الكتاب قبلت شهادته لأن الاعتماد عليها لا على الكتاب وإنما الكتاب تذكرة مندوب إليه جرى رسم القضاة وعادتهم به. والله تبارك وتعالى أعلم.