الخميس يناير 29, 2026

للصائم فرحتان

يا أيها الصائمون ابشروا بوعد الله الذي وعدكم، فلا يخلف في وعده {إن الله لا يخلف الْميعاد} [سورة آل عمران: 9]؛ لأن الكذب مستحيل عليه. ابشروا، فإن صيامكم مضاعف أجره، وإن لكم فرحة يوم لقاء ربكم حين تجدون أعمالكم، حين تجدون ثواب صيامكم مدخرًا لكم أحوج ما تكونون إليه. ابشروا بفضل الله وكرمه وجوده، واشكروا الله على مزيد فضله وإنعامه.

فقد ورد الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «كل عمل ابن آدم يُضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولكل فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة».

أما فرحته في الدنيا عند فطره، عندما يستكمل صيام اليوم، فهي فرحة بنعمتين: نعمة الله عليه بالصيام، أن وفقه فصام هذا اليوم، ونعمة تناول الطيبات التي أحلها الله من الأكل والشرب والنكاح.

وأما الفرحة الثانية فهي عند لقاء ربّه في الآخرة، عند الحساب، عندما يُكلم الله العباد بكلامه ويسألهم عن أعمالهم، وليس شرطًا أن يكون الصائم تقيًا، بل يشترط أن يكون صومه صحيحًا متجنبًا لما يذهب ثواب الصيام. يفرح بما يجد من النعيم المقيم في دار السلام، يوم يدعى الصائمون من أحد أبواب الجنة المخصص للصائمين يقال له: الريان، فيُنادى: أين الصائمون؟ فإذا دخلوا أُغلق ذلك الباب فلم يدخل معهم غيرهم، كما ورد في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل غيرهم فإذا دخلوا أُغلق ولم يفتح لغيرهم».

وهناك الفرحة الكبرى والفوز العظيم حين يُقال لهم: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} [سورة الحاقة: 24]، حين يجدون ثواب الصيام وهم أحوج ما يكونون إليه، قال الله تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} [سورة آل عمران: 30].

هاتان الفرحتان حصيلة الاحتساب والصبر والطاعة لله طوال يوم معاناة وحبس للنفس عن الشهوات. تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فرحة عند لقاء ربه»؛ فهي فرحة كبيرة بلغت غاية الفرحة ونهايتها. وما حمله العبد في الدنيا من همّ وغم وكرب لا أعظم منه هم الوقوف بين يدي الله، فإذا كان الصائم بين يدي الله في فرحة، يجدها أحوج ما يحتاج إليها يوم القيامة.

روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «{يوم يقوم الناس لرب العالمين} [سورة المطففين: 6] حتى يغيب أحدهم في رَشحه إلى أنصاف أذنيه» والرشح: العرق.

ومن هنا يستبشر الصائم وهو يقرّب فطره بعاجل الفرحة التي تذكره بالفرحة العظمى عند لقاء الله، فلا يملك عند فطره إلا أن يلهج بالدعاء لربه أن ينجيه في الآخرة وأن يتمم له تلك الفرحة بين يدي ربّه. فدعاء الصائم عند الإفطار لا يُرد، فهي ساعة رحمة.

نسأل الله بعزته وجلاله أن يجعل لنا ولكم أوفر الحظ والنصيب منها. فإذا حزن الناس يوم الحزن، فرح الصائمون، وإذا أصاب السوء الناس يوم المساءلة، وجد الصائم الإحسان من ربه.

اللهم إنا دعوناك فاستجب لنا دعاءنا
فاغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا واكفنا ما أهمنا