الإثنين مارس 2, 2026

لا مَغْفِرَة لِمَنْ مات كافرا:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ الله لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ ما لَمْ يَقَعِ الحِجَابُ” قالوا: وما وقوع الحِجَابِ يا رسولَ الله؟ قال: “أنْ تموتَ النفسُ وهي مُشْرِكَة” رواه أحمد. فالكُفر بجميع أنواعِه هو الذنْبُ الذي لا يَغْفِرُه الله لِمَنْ مات عليه وهذا يُؤخذ مِن قَوْله تعالى: “إن الذين كفروا وصَدُّوا عَن سبيل الله ثم ماتوا وهم كُفار فَلَنْ يَغْفِرَ الله لهم”. أمّا مَن قال لكافر “الله يغفر لك” وقصد أنْ يغفرَ الله له وهو كافر مع مُواظبته على الكفر حتى يموت على ذلك كَفَر، وأمّا إنْ قصدَ أن يغفرَ له بالإسلام فلا يكفر، قال الله تعالى: “ما كان للنّبيّ والذين ءامنوا أن يَسْتَغْفِروا لِلمُشْرِكين ولَوْ كانوا أُولي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّن لهم أنّهم أصْحابُ الجحيم” فالإنسان ما دام كافرا لا يجوز له أن يَطْلُبَ المَغْفِرَةَ مِن الله تعالى. فإنْ قال قائِل أليسَ كان نوح يقول لِقَوْمِه الذين هُمْ على عِبادة الأوْثان: “اسْتَغْفِروا ربَّكُمْ إنّه كانَ غَفَّارا” فالجواب أنّ قولَه “اسْتَغْفِروا ربَّكُمْ” معناه اطْلُبوا مَغْفِرَة الله بالدُّخول في الإسلام لأن الإسلام يَمْحو الله به الكُفرَ، وليسَ المُرادُ قولَ أسْتَغْفِرُ الله. أمّا قَوْل “اللهمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤمِنين والمُؤمنات” فمعناه يا ربِّ اغْفِرْ لِبعض المؤمنين كُلَّ ذنوبهم ولبعضٍ بَعْض ذنوبهم. وأمّا الدُّعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع الذنوب وبعَدَمِ دُخولهم النار فلا يجوز لأنه ردّ للنُصوص وردّ النُصوص كُفْر كما قال النسفي في عقيدته المشهورة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَخْرُجُ ناسٌ مِن النار بشفاعة محمّد” رواه البخاري، ومِن هذا الحديث ونحوه يُعْلَمُ أنه لا بُدّ أن يَدْخلَ بَعْض عُصاة المسلمين النار، فلا يجوز الدُّعاء بنجاة جميع المسلمين مِن دُخول النار. وأما اسْتِغْفار الرسول فمعناه طَلَبُ رَفْعِ الدرجات فكأنّ الرسولَ حِين يَسْتَغْفِرُ الله يقول اللهمَّ ارْفَعْ درجتي مِمَّا أنا فيه إلى أعْلى فقد روى النسائي في عَمَلِ اليوم والليلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنِّي لأسْتَغْفِرُ الله عزّ وجلّ وأتوبُ إلَيْهِ في اليوم مِائةَ مرَّة”. فقوله صلى الله عليه وسلم “إنِّي لأسْتَغْفِرُ الله” للترقِّي مِن مَرْتَبة إلى مَرْتَبة وليس معناه أنه كان يُذْنِبُ الذنْبَ ثم يَطْلُبُ المَغْفِرَة حتى إنه كان يُذْنِبُ في اليوم مِائة مرَّة، لا. فالاسْتِغْفار يكون أحيانا للترقِّي في المَقام وأحْيانا لِمَحْوِ المَعْصِيَة وأحيانا لِمَحْوِ أثَرِ القبيح كاسْتِغْفار الصغير الذي هو دون البُلُوغ وهذا ليس معناه أنه سَبَقَ له ذَنْبٌ لأن الصغيرَ الذي هو دون البُلُوغ لا معاصي عليه بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “رُفِعَ القَلَمُ عَن ثلاث: عن النائِمِ حتّى يَسْتَيْقِظ وعن الصبيِّ حتى يَحْتَلِم وعن المَجْنون حتى يَعْقِل” رواه الإمام أحمد، فالطِفْل إذا قال أستغفرُ الله معناه أذْهِبْ عنِّي الخِصال القبيحة. وليس الدُّعاء بالمَغْفِرَة خاصّا بالبالِغ بل يكون لِلصغير أيضا بمعنى اللهمَّ امْحُ عن الصغير أثَرَ القبائِح، وقد ثبتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اللهمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا ومَيِّتِنا وشاهِدِنا وغائِبِنا وصغيرِنا وكبيرِنا وذَكَرِنا وأُنْثانا”، رواه ابن حِبّان والبَيْهَقِيّ وغيرهما.