بسم الله الرحمن الرحيم
درس ألقاه المحدث الصوفي العالـم الفقيه الشيخ عبد الله بن محمد العبدري الحبشي رحمه الله تعالى في ألمانية وهو في بيان أن الولاية لا تحصل لمن لم يتعلم علم الدين. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد فإن الله تبارك وتعالى قال: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملآئكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾([1]).
الله تعالى وصف الأولياء في تلك الآية قال تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله﴾ أي الذين ءامنوا بالله أي عرفوا الله كما يجب ﴿ثم استقاموا﴾ ثم ثبتوا على طاعة الله لزموا طاعة الله أي عملوا كل ما هو فرض وتركوا كل ما هو معصية هؤلاء تتنزل عليهم الملائكة، الملائكة يبشرونهم قبل خروجهم من الدنيا أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. هذا شرط الولي. الاستقامة بطاعة الله أي لزوم طاعة الله أداء الواجبات واجتناب المحرمات بدون هذا لا يكون الإنسان وليا.
ثم الأولياء لهم وجود في الإنس وفي الجن لكن أولياء الإنس أكبر لأن الإنس أفضل خلق الله لوجود الأنبياء فيهم، لولا الأنبياء لكانت الملائكة أفضل من كل خلق الله لكن لوجود الأنبياء في البشر نقول البشر أفضل من الملائكة.
وأول شرط للولاية أن يعرف الله كما يجب، الله تبارك وتعالى موجود لا كالموجودات لا هو كالنور ولا هو كالظلام ولا هو كالجسم اللطيف ولا هو كالجسم الكثيف لا هو كالملائكة والجن والريح أي الهواء ولا هو كالروح ولا هو كأجسام الإنسان ولا هو كالجمادات الشمس والقمر والكواكب لا يشبه شيئا من الأشياء لو كان يشبه شيئا من الأشياء ما استطاع أن يخلق هذا العالـم، لو كان يشبه الإنسان ما استطاع أن يخلق الإنسان، لو كان يشبه النور ما استطاع أن يخلق النور. الله موجود بلا مكان، البشر لهم مكان والملائكة لهم مكان، السموات السبع مسكن الملائكة، كل سماء لا يوجد فيها موضع أربع أصابع فارغ ليس فيها موضع مثل هذا إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد ثم فوق ذلك العرش الكريم، فوق ذلك كله بعد الكرسي وبعد الجنة يوجد العرش هذا أكبر خلق الله. الله تعالى خلقه إظهارا لقدرته حتى يزداد الملائكة الذين هناك حول العرش علما بكمال قدرة الله. ومن الملائكة من خلقتهم عظيمة، بعضهم من شحمة أذنه إلى عاتقه مسافة سبعمائة عام باعتبار طيران الطير هؤلاء مع عظم خلقتهم لما يرون هذا العرش الذي هو لا يعلم حده إلا الله يزدادون خشية من الله وعلما بكمال قدرته. الله تبارك وتعالى لا كأولئك ولا كشيء من الأشياء يستحيل عليه اللون والشكل والحد، الله ليس له حد صغير ولا حد كبير ولا حد وسط، كل ما تتصوره أيها الإنسان ببالك الله تعالى لا يشبه ذلك الشيء لا تستطيع أن تتصور الله فماذا نفعل نقول الله موجود لا يشبه الموجودات بلا مكان وبلا شكل.
ثم من شرط الولي أن يكون تعلم العلم الضروري إما قراءة على عالم أو تلقيا شفويا من عالم أي بأن يسمع أمور الدين من إنسان عالم بدون قراءة في كتاب يسمع منه يتعلم منه ما هو حرام ما هو حلال ما هو فرض ثم يطبق ذلك يطبق ما تعلمه، يؤدي كل الواجبات ويجتنب كل المحرمات، ليس شرطا للولي أن يكون عالما بل شرطه أن يكون تعلم القدر الذي لا بد منه من علم الدين القدر الذي يميز به الحلال من الحرام من الكلام والنظر والمشي والأكل والشرب والمال، كل هذا يكون تعلمه ما أحل الله وما حرم الله وأعمال القلوب حلالها وحرامها تعلم من أهل العلم من أهل المعرفة. الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه كان تلقى العلم من المشايخ ثم تجرد للعبادة وصار يسيح في البراري قضى أربعين سنة في السياحة ثم رجع إلى الـمدن يتعلم من العلماء بعد أن صار وليا صار يتعلم، وقبل أن يصير وليا كان تعلم من المشايخ علم الدين الضروري الذي يعرف به ما أحل الله من كلام ومشي وأكل وشرب ولباس لأنه ليس كل لباس حلالا بل من اللباس ما هو حلال ومنه ما هو حرام، ومن المال، المال ليس كله حلالا بل منه حرام ومنه حلال. الذي تعلم هذه الأشياء الضرورية من أهل العلم لو بالمشافهة بأن يسمع منه فقط ولو لم يقرأ في كتاب على شيخ ثم طبق ما تعلمه أقام الواجبات واجتنب المحرمات كلها وزاد على ذلك السنن هذا ولي الله. أما من ليس كذلك فليس وليا، لا يجوز أن يقال له ولي لا يجوز، لو كان أبوه قطب عصره لا يقال له ولي إلا إذا سلك مسلك أبيه تعلم علم الدين الضروري ثم عمل بالواجبات كلها واجتنب ما حرم الله كله وأكثر من السنن عندئذ يصير وليا كأبيه كجده، بغير هذا فلا، مستحيل مستحيل. قال الإمام الشافعي ويروى عن أبي حنيفة رضي الله عنهما ما اتخذ الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه([2]) اهـ أما مجرد أن جده أو أباه ولي لا يكفي، لا بد أن يتعلم هو كما تعلم أبوه الولي أو جده الولي علم الدين من المشايخ يتعلم هو، ثم يعمل بهذا العلم يؤدي الواجبات التي تعلمها ويجتنب المحرمات ويكثر من السنن فيكون مثل أبيه أو جده وليا. أما إذا كان ما تعلم من أهل المعرفة لا من أبيه الولي ولا من جده الولي ولا من شيخ ءاخر ثقة يعرف علم الدين بل اكتفى بمجرد أنه ابن الشيخ الفلاني الولي أو حفيد الشيخ الذي هو معروف بالولاية هذا لا يكفي، هذا مستحيل أن يكون وليا مستحيل مستحيل مستحيل.
الله تبارك وتعالى خلق عباده أشكالا وألوانا، بعض الأنبياء طلع منهم ذرية أنبياء، إبراهيم ولد إسحاق، إسحاق ولد يعقوب، يعقوب ولد يوسف، هؤلاء كلهم أنبياء انظروا إبراهيم ثم إسحاق ثم يعقوب ثم يوسف هؤلاء أنبياء، وخلق أناسا على خلاف هذا نوح عليه السلام أول الرسل الذين أرسلوا إلى أهل الأرض أي بعد انتشار الناس في الأرض ءادم أرسل لأولاده نبيا رسولا وكذلك ابنه شيث أرسل رسولا كذلك بعد شيث إدريس عليه السلام أرسل نبيا، بعد إدريس كان الناس قد انتشروا في الأرض وحدث فيهم الكفر فأرسل إليهم رسول الله نوح وكان له أربعة أولاد ذكور ثلاثة مؤمنون والرابع كافر غرق مع الكفار الله تعالى أهلكه مع الكفار بطوفان الماء الذي أغرق البشر الكفار وسلم منه الذين ءامنوا بنوح وكانوا نحو ثمانين شخصا من ذكور وإناث هؤلاء نجوا لأنهم كانوا مؤمنين تبعوا نوحا أطاعوه أما ابنه الذي خالف أباه هذا طلع كافرا هلك مع الكفار. لا تغتروا بأن فلانا أبوه ولي أو أن جده ولي لا يغرنكم هذا، إن لم يسلك سبيل أبيه أو جده الذي هو ولي لا تعتبروه وليا إن رأيتموه يخالف الشريعة أنكروا عليه إن رأيتموه يعمل المعصية قولوا له اتق الله لا تقولوا هذا ابن فلان الولي أو هذا حفيد فلان الولي، هذا جهل، لو كان الأب لا يطلع منه إلا ولي كان أولاد نوح كلهم أولياء لكن الله تعالى شاء في الأزل أن يخلق ثلاثة ذكور مؤمنين من أبناء نوح وءاخر كافرا.
نحن نعرف أناسا لم يسلكوا مسلك ءابائهم، ءاباؤهم تعلموا علم الدين من أهل المعرفة من الثقات من العلماء الأتقياء فطلعوا أولياء، جدوا في طاعة الله فصاروا أولياء خالفوا أهواءهم واتبعوا رضوان الله الشيء الذي يحبه الله فصاروا أولياء، أما الذين لم يتبعوا ءابائهم الأولياء لأنهم ما تعلموا العلم كما تعلم ءاباؤهم الأولياء أو تعلموا العلم لكن ما تبعوا العلم بل تبعوا أهواءهم، غلب عليهم حب الدنيا حب المال، هؤلاء لا يتعتبرون كآبائهم وأجدادهم الذين هم أولياء، ولا تقولوا هذا ابن فلان الولي حفيده، يغضب له إذا نحن تكلمنا عليه إذا نحن حذرنا منه بما يستحقه من التحذير جده يغضب له لا تقولوا، جده لو كان حيا لحاربه، كان أمره بأن يتعلم علم الدين ألزمه بأن يتعلم علم الدين لكن الأب أحيانا يموت والولد طفل، هذا الطفل إما أن يسلك مسلك أبيه ويتعلم علم الدين ويعمل بعلم الدين يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات فيصير وليا وإما أن يطلع على خلاف ما كان عليه أبوه أو جده فيطلع من العاصين بعيدا من الولاية.
رجل اسمه زين العابدين كان في ديار بكر ثم انتقل إلى إسطنبول، قبل ست سنوات أنا رحت إلى إسطنبول فقيل لي إن زين العابدين حفيد الشيخ رمضان ابن ابنه هناك يسكن في طرف إسطنبول الشرقي قصدناه زرناه فبمجرد ما دخلنا صار هو يتكلم، لو كان يتكلم بحق لكان كلامه على العين والرأس لكن ماذا قال؟ قال ليس كمثله شيء وهو عين الأشياء اهـ معناه الله تعالى هو الإنسان هو البقر هو السماء هو الجبل هو الحجر هو الماء هو الظلام هو الضوء هو الملائكة والبهائم هو النار هذا معناه وهو عين الأشياء معناه هو كل شيء. نهيناه ما انتهى، ثم تركناه فذهبنا ثم بعد عامين زرت إسطنبول أرسلت إليه بضعة أشخاص منهم الشيخ نعمة الله شيخ جليل تركي كبير السن ومحمد فته من أهل معصرتي وثلاثة أشخاص ءاخرين أرسلت إليه خمسة أشخاص أرسلتهم إليه ليكلموه بتلك الكلمة. صاروا يكلمونه ساعتين وزيادة ما كان يرجع عنها في الأخير قال لهم إن كانت كفرا فقد رجعنا عنها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. ثم قال أنا أزور الشيخ في الغد. أنا كنت نزلت في ترابيه بعيدا من محله، محله ءاخر إسطنبول تحت الجبل سفح الجبل أنا في وسط إسطنبول كنت نازلا، ما جاء ما زارني قال أزور الشيخ في الغد ما زارني. مثل هذا الذي حمل اسم جده الشيخ رمضان وادعى الولاية، بعض أتباعه قال لي في إسطنبول إن معه مائة ألف مريد، وهو ضال لا يعرف علم الدين لا يعرف علم العقيدة ما عرف الله، الذي يقول الله كل شيء هذا ما عرف الله، جعل البشر جزءا منه والجن والملائكة والماء والشجر والحجر كلها أجزاء من الله، هذا مثال لهذه القضية مثال واحد لهذه القضية. وأمس منذ جئت إلى هنا محمد يونس وشاب ءاخر اسمه وليد علي خان قالا كنا عند نور الدين ابن الشيخ رمضان، فقال الذي يرمي المصحف في القاذورة لا يكفر لكن الذي يزني ويسرق هذا الكافر عكس دين الله، الزاني والسارق إذا ماتا على الإسلام الله تعالى يغفر لهما إن شاء الله لمن مات على الإسلام إن شاء يغفر له ولو مات على غير توبة إن شاء يغفر له وإن شاء يعذبه ثم يخرجه لأنه مسلم، أما إن مات بعد التوبة فكأنه ما عمل تلك المعصية أما الذي يرمي المصحف في القاذورة كافر، في المذاهب الأربعة هو كافر عدو الله مثل اليهودي والنصراني وإن كان في قلبه لم يعتقد أن المصحف ليس حقا، هذا من شدة جهله قلب الحقيقة عكس الحقيقة بدل أن يقول الذي يرمي المصحف في القاذورات كافر أما الزاني والسارق مسلم فاسق قال قولا ضد الدين، مثل هذا لا يغتر به، ثم قال لمحمد بن يونس ومن معه قال أنا شيخ وأنت شيخ فلنضرب بالشيش كأن الشيش هو حجة الولاية ومنشور الولاية، الشيش ما لها دخل، ثم هؤلاء الذين يضربون بالشيش يتمرنون على ضرب هذا الموضع، يطوون هذه الجلدة يغرزونها أو هذا الجلد الذي في الجنب يطوى ثم يغرز يوهمون الناس أنهم أولياء لهم الكرامات هيهات هيهات ليس ضرب الشيش من شرط الولاية.
هؤلاء الأولياء الذين طار صيتهم في الشرق والغرب الشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ أحمد الرفاعي والشيخ أحمد البدوي والشيخ إبراهيم الدسوقي ومن قبلهم كالإمام الحسن البصري ومن لا يحصون من أولياء الله هؤلاء كلهم تعلموا علم الدين من أهل المعرفة ثم جدوا في العمل في طاعة الله خالفوا الهوى خالفوا أهواءهم أهواء نفوسهم وءاثروا محاب الله تعالى وأعرضوا عن أهوائهم فصاروا أولياء، الولاية ليست بالنسب الولاية بالعلم والعمل.
هذا الشيخ عبد القادر الجيلاني عاش نحو تسعين سنة، قبل أن يسيح في البراري تعلم العلم من أهل المعرفة من العلماء في بغداد ثم غلب عليه الحال حب الطاعة حب العبادة صار يسيح في البراري ليتعبد الله من غير أن يشغله أحد ظل يدور في البراري سنين طويلة ثم عاد إلى بغداد ثم طلب العلم مرة ثانية من المشايخ وهكذا كان يتعلم من وقت إلى وقت يزداد علما ما قال أنا صرت صاحب حال أنا أسير في البراري ولا أخاف من السباع ولا من الثعابين أنا أنست بذكر الله أينما كنت أنا قلبي مطمئن مستأنس بذكر الله تعالى لا أحتاج إلى أن أزداد علما لا، الرسول عليه السلام الله تعالى قال له: ﴿وقل رب زدني علما﴾([3]). كل إنسان لا يهتم للعلم اعلموا أنه بعيد من الله ولو كان أبوه قطب الأقطاب لو كان أبوه قطب الأقطاب.
الشخص الذي ما له عناية بتعلم الدين من أهل المعرفة هذا اعلموا أنه بعيد من الله ولا ينفعه كونه ابن ولي من أولياء الله أو حفيد ولي من أولياء الله لا ينفعه.
الأولياء يخفون كراماتهم لا يظهرونها إلا لضرورة أو لحكمة شرعية. الإمام أحمد الرفاعي قال الأولياء يتسترون من كراماتهم كما تتستر النساء من الحيض.
أساس الإسلام الإيمان بالله ورسوله أن يصدق أن كل ما جاء به سيدنا محمد حق بقلبه وأن الله موجود ولا أحد يستحق أن يعبد إلا هو هذا أساس الإسلام ثم بعد ذلك فرائض يجب تأديتها وهناك محرمات يجب تجنبها، المسلم الكامل هو الذي ءامن بالله ورسوله وأدى الواجبات كلها واجتنب الحرام كله هذا مسلم كامل أما الذي ءامن بالله ورسوله ولا يؤدي الفرائض ويرتكب المعاصي فهو مسلم ناقص لكنه مسلم.
انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.
[1])) سورة فصلت/الآية 30.
[2])) ذكره الملا علي القاري في مقدمة مرقاة المصابيح عند ترجمة الإمام الشافعي.
[3])) سورة طه/الآية 114.