الأربعاء يناير 28, 2026

 

 

كان من عباد الله الشاكرين
مع ما أعطاه الله عز وجل من نعم كثيرة

كان سليمان عليه السلام، نبيا من أنبياء الله، ومع ذلك كان ملكا من ملوك الأرض في زمانه، وفوق كل هذا فقد من الله عليه، وعلمه لغة الحيوان والطير، فكان يفهم ما تتخاطب به هذه الحيوانات والطيور…

يقول الله تعالى: {ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} [النمل: 15]. في هذه الآية اعتراف داود وسليمان عليهما الصلاة السلام بنعمة الله عليهما بالعلم النافع، ونسبتهم الفضل إلى الله تعالى. وفي بيان هذا الفضل: {وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين} [النمل: 16]. هذا هو التواضع لله، ها هو سليمان الذي علمه الله منطق الطير فضلا عن ألسن الخلق، وفهم كلمات النمل، وآتاه الله من كل شيء يرد الفضل لصاحب الفضل جل وعلا، ويعترف بنعمة الله عليه، وفضله لديه.

يقول الله تبارك وتعالى: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون} [النمل: 17] يخبرنا الله تبارك وتعالى عن عبده ونبيه سليمان عليه السلام أنه ركب يوما في جيشه المؤلف من الجن والإنس والطير {حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} [النمل: 18].

فهذه النملة تكلمت بصوت أمرت فيه أمة النمل في ذلك الوادي أن يدخلوا مساكنهم حذرا من أن يحطمهم سليمان عليه السلام وجنوده أثناء سيرهم واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور، وقد ألهم الله عز وجل تلك النملة معرفة نبيه سليمان عليه السلام كما ألهم النمل كثيرا من مصالحها، فمن ذلك أنها عندما تجد حبوبا رطبة تحملها وتجففها في الهواء الطلق وتحت أشعة الشمس ثم تقوم بعد ذلك بتدخيرها في مساكنها تحت الأرض. ومن ذلك أنها تكسر كل حبة تدخرها قطعتين لئلا تنبت، إلا الكزبرة فإنها تكسرها أربع قطع لئلا تنبت، لأن الكزبرة تنبت إذا كسرت قطعتين ولا تنبت إذا كسرت أربع قطع، فسبحان من ألهمها هذا وسبحان الخالق الحكيم.

والمقصود أن سليمان عليه الصلاة والسلام سمع كلام النملة وفهم ما خاطبت به تلك النملة أمة النمل وما أمرت به وحذرت، {فتبسم ضاحكا من قولها} [النمل: 19] وتبسم من قولها على وجه الفرح والسرور بما أطلعه الله عز وجل عليه من كلام النملة دون غيره، ولهذا قال متضرعا إلى خالقه: {رب أوزعني} [النمل: 19]، أي: ألهمني {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} [النمل: 19] فطلب عليه الصلاة والسلام من ربه وخالقه أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى والديه، وعلى ما خصه به من نعم دون غيره من الناس وأن ييسر له العمل الصالح، وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين.

وقد استجاب الله تعالى دعاء عبده سليمان بن داود عليهما السلام فكان من عباد الله الشاكرين مع ما أعطاه الله عز وجل من نعم كثيرة وملكا لا ينبغي لأحد من بعده.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك