قال المفسر اللغوي النحوي أبو حيان أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي في كتابه «التفسير الكبير البحر المحيط» ما نصه([1]): «هو القرءان؛ سماه نورا لكشف ظلمات الشرك والشك، أو لأنه ظاهر الإعجاز».اهـ
قال المفسر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرءان» ما نصه([2]): «قد جاءكم من الله نور أي: ضياء؛ قيل: الإسلام».اهـ
وقال المفسر أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري في كتابه «الوسيط في تفسير القرءان المجيد» في شرحه على هذه الآية ما نصه([3]): «وقوله: «قد جاءكم من الله نور» ضياء من الضلالة وهدى، يعني الإسلام، وقال قتادة: يعني النبي صلى الله عليه وسلم وهو اختيار الزجاج: قال: النور محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي يبين». اهـ.
وقال المفسر السلفي أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه «جامع البيان في تفسير القرءان» ما نصه([4]): «قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: «قد جاءكم»، يا أهل التوراة والإنجيل «من الله نور»، يعني بالنور، محمدا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبين الحق. ومن إنارته الحق تبيينه لليهود كثيرا مما كانوا يخفون من الكتاب».اهـ.
فليحذر من قول بعض جهلة المتصوفة أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم خلق من نور محتجين بهذه الآية {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين}، وقد قدمنا معنى هذه الآية كما فسرها علماء التفسير من المتقدمين والمتأخرين، وليس فيهم عالم معتبر فسرها بأن جسد النبي خلق من نور، أو أن النبي حقيقة هو نور بمعنى الضوء، فلا التفات إلى قول بعض جهلة المتصوفة وبعض المغالين الذين يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم خلق من نور محتجين بزعمهم الفاسد بحديث جابر الموضوع.
وقد بين بطلان هذا الحديث الإمام الحافظ الفقيه شيخ الإسلام عبد الله بن محمد بن يوسف بن جامع بن عبد الله الهرري المعروف بالحبشي دفين مدينة بيروت رضي الله عنه وأرضاه في رسالته «رسالة في بطلان دعوى أولية النور المحمدي» فقال ما نصه([5]): «نقول: هذا الحديث موضوع لا أصل له وهو مخالف للقرءان الكريم، وللحديث الصحيح الثابت.
أما مخالفته للقرءان قال الله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [الأنبياء: 30].
وأما مخالفته للحديث فقد روى البخاري والبيهقي من حديث عمران بن حصين أن أناسا من أهل اليمن أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: جئناك يا رسول الله لنتفقه في الدين فأنبئنا عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض»، فهذا نص صريح في أن أول خلق الله الماء والعرش لأن أهل اليمن سألوه عن بدء العالم.
فقوله عليه الصلاة والسلام: «كان الله ولم يكن شيء غيره» إثبات الأزلية لله أي أنه تعالى لا ابتداء لوجوده، وقوله: «وكان عرشه على الماء» معناه: أن هذين أول المخلوقات، أما الماء فعلى وجه الإطلاق وأما العرش فبالنسبة لما بعده كما أفاد ذلك قوله عليه السلام: «على الماء» وذلك يدل على تأخر العرش عن هذا الأصل.
وروى ابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء، قال: «كل شيء خلق من الماء»، وفي لفظ: «إن الله تعالى خلق كل شيء من الماء».
وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة عن جماعة من أبناء الصحابة: «إن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء». ففي الحديث الأول نص على أن الماء والعرش هما أول خلق الله، وأما أن الماء قبل العرش فهو مأخوذ من الحديثين التاليين.
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ما نصه: «قال الطيبي: هو فصل مستقل لأن القديم من لم يسبقه شيء، ولم يعارضه في الأولية، لكن أشار بقوله: «وكان عرشه على الماء» إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل خلق السمٰوات والأرض ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء». اهـ.
وفي تفسير عبد الرزاق عن قتادة في شرح قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] ما نصه: «هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السمٰوات والأرض».
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] قال: «قبل أن يخلق شيئا».
فإن قيل: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر، خلقه الله من نوره قبل الأشياء»؟، فالجواب: أنه يكفي في رد هذا الحديث كونه مخالفا للأحاديث الثلاثة الصحيحة السابقة، وأما عزو هذا الحديث للبيهقي فغير صحيح إنما ينسب إلى مصنف عبد الرزاق ولا وجود له في مصنفه بل الموجود في تفسير عبد الرزاق عكس هذا، فقد ذكر فيه أن أول الأشياء وجودا الماء كما تقدم.
وقال الحافظ السيوطي في الحاوي: «ليس له – أي حديث جابر – إسناد يعتمد عليه».اهـ
قلت: وهو حديث موضوع جزما، وقد صرح الحافظ السيوطي في شرحه على الترمذي أن حديث أولية النور المحمدي لم يثبت.
وقد ذكر عصرينا الشيخ عبد الله الغماري محدث المغرب أن عزو هذا الحديث الموضوع إلى مصنف عبد الرزاق خطأ لأنه لا يوجد في مصنفه، ولا جامعه ولا تفسيره، والأمر كما قال.
كما أن محدث عصره الحافظ أحمد بن الصديق الغماري حكم عليه بالوضع محتجا بأن هذا الحديث ركيك ومعانيه منكرة.
قلت: والأمر كما قال، ولو لم يكن فيه إلا هذه العبارة: «خلقه الله من نوره قبل الأشياء» لكفى ذلك ركاكة، لأنه مشكل غاية الإشكال، لأنه إن حمل ضمير من نوره على معنى نور مخلوق لله كان ذلك نقيض المدعى لأنه على هذا الوجه يكون ذلك النور هو الأول ليس نور محمد بل نور محمد ثاني المخلوقات، وإن حمل الضمير على إضافة الجزء للكل كان الأمر أفظع وأقبح لأنه يكون فيه إثبات نور هو جزء لله تعالى، فيؤدي ذلك إلى أن الله مركب والقول بالتركيب في ذات الله من أبشع الكفر لأن فيه نسبة الحدوث إلى الله تعالى. وبعد هذه الجملة من هذا الحديث المكذوب ركاكات بشعة يردها الذوق السليم ولا يقبلها.
ثم هناك علة أخرى وهي الاضطراب في ألفاظه، لأن بعض الذين أوردوه في مؤلفاتهم رووه بشكل وءاخرون رووه بشكل ءاخر، فإذا نظر إلى لفظ الزرقاني ثم لفظ الصاوي وجد فرق كبير.
فالحديثان الأولان لا حاجة إلى تأويلهما لأجل حديث غير ثابت بل حديث موضوع لركاكته وهو حديث أولية النور.
فلا حاجة لما ذكره بعض من تأويل الأحاديث التي فيها أولية الماء وحمل حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر على الأولية المطلقة لغرض إثبات أولية النور المحمدي».
وقد رد على هؤلاء الغلاة المتعصبين للجهل المخالفين للنصوص المحدث الشيخ عبد الله بن محمد بن صديق الغماري المغربي في رسالته «مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر» فقال ما نصه: «فهذا جزء سميته: «مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر»، أردت به تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عما نسب إليه مما لم يصح عنه ويعد من قبيل الغلو المذموم، ومع ذلك صار عند العامة وكثير من الخاصة معدودا من الفضائل النبوية التي يكون إنكارها طعنا في الجناب النبوي عندهم، ولا يدركون ما في رأيهم وقولهم من الإثم العظيم الثابت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار» والذي يصفه بما لم يثبت عنه كاذب عليه واقع في المحذور إلا أن يتوب، ولا يكون مدحه عليه الصلاة والسلام شافعا له في الكذب عليه.
وإن كانت الفضائل يتسامح فيها فإن فضائل النبي صلى الله عليه وسلم إنما تكون بالثابت المعروف حذرا من الكذب المتوعد عليه بالنار، نسأل الله العافية.
وقد وردت أحاديث في هذا الموضوع باطلة، وجاءت ءاراء شاذة عن التحقيق عاطلة، أبينها في هذا الجزء بحول الله.
روى عبد الرزاق – في ما قيل – عن جابر رضي الله عنه قال: «قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد لا إلٰـه إلا الله محمد رسول الله….» الحديث، وله بقية طويلة وقد ذكره بتمامه ابن العربي الحاتمي في كتاب «تلقيح الأذهان ومفتاح معرفة الإنسان»، والديار بكري في كتاب «الخميس في تاريخ أنفس نفيس».
وعزوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره.
وقال الحافظ السيوطي في الحاوي: «ليس له إسناد يعتمد عليه» اهـ، وهو حديث موضوع جزما، وفيه اصطلاحات المتصوفة، وبعض الشناقطة المعاصرين ركب له إسنادا فذكر أن عبد الرزاق رواه من طريق ابن المنكدر عن جابر وهذا كذب يأثم عليه.
وبالجملة فالحديث منكر موضوع لا أصل له في شيء من كتب السنة.
ومثله في النكارة ما روي عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت نورا بين يدي ربي قبل أن يخلق ءادم بأربعة عشر ألف عام» وهو كذب أيضا.
ومن الكذب السخيف ما يقال إن إحدى أمهات المؤمنين أرادت أن تلف إزارا على جسد النبي صلى الله عليه وسلم فسقط الإزار يريدون بذلك أن النبي نور فلم ينعقد الإزار نور، وهذا لا أصل له. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل الإزار ولم يسقط عنه.
وكونه صلى الله عليه وسلم نورا أمر معنوي، مثل تسمية القرءان نورا ونحو ذلك، لأنه نور العقول والقلوب.
ومن الكذب المكشوف قولهم: لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك، وكذلك ما روي عن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هبط علي جبريل فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: «إني حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك» وهو حديث موضوع.
وروي في بعض كتب المولد النبوي عن أبي هريرة قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام فقال: يا جبريل كم عمرت من السنين؟ فقال: يا رسول الله لست أعلم غير أن في الحجاب الرابع نجما يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة، رأيته اثنتين وسبعين ألف مرة، فقال النبي: وعزة ربي أنا ذلك الكوكب.
وهذا كذب قبيح، قبح الله من وضعه وافتراه.
وذكر بعض غلاة المتصوفة أن جبريل عليه السلام كان يتلقى الوحي من وراء حجاب وكشف له الحجاب مرة فوجد النبي صلى الله عليه وسلم يوحي إليه فقال جبريل: منك وإليك.
قلت: لعن الله من افترى هذا الهراء المخالف للقرءان فإن الله تعالى يقول لنبيه: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52] ويقول: {نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 193، 194].
أخرج أحمد والحاكم والبيهقي في الدلائل عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن ءادم لمن جدل في طينته وسأنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك ترى أمهات الأنبياء».
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه أحمد بأسانيد، والبزار والطبراني بنحوه»… «أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد، وقد وثقه ابن حبان». اهـ.
قلت: رواه الحاكم من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن سويد بن سعيد، عن العرباض بن سارية، وقال: «صحيح الإسناد» وتعقبه الذهبي بأن أبا بكر ضعيف، وغلط الدكتور قلعجي محقق كتاب دلائل النبوة فذكر أن الذهبي وافقه على تصحيحه. وروى أحمد من طريق بديل، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر قال: «قلت: يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: «وءادم بين الروح والجسد».
وهكذا رواه البغوي وابن السكن في الصحابة.
قال الحافظ: وهذا سند قوي.
قلت: وذكره البخاري في التاريخ معلقا.
روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: متى وجبت لك النبوة؟ قال: بين خلق ءادم ونفخ الروح فيه».
وروى أحمد من طريق عبد الله بن شقيق، عن رجل قال: «قلت: يا رسول الله متى جعلت نبيا؟ قال: وءادم بين الروح والجسد». قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
قلت: هو أحد طرق حديث ميسرة الفجر.
وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عفان بن مسلم وعمرو ابن عاصم الكلابي قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن أبي الجدعاء قال: «قلت: يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: إذ ءادم بين الروح والجسد». اهـ. رجاله رجال الصحيح.
وروى البزار والطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قيل: يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: وءادم بين الروح والجسد».
قال البيهقي: قوله صلى الله عليه وسلم: «إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وان ءادم لمنجدل في طينته» يريد أنه كان كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون أبو البشر وأول الأنبياء صلوات الله عليهم». اهـ.
وقال أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو، حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح، ثنا محمد بن صالح، ثنا محمد بن سنان العوفي، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة قال: قلت: يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: «لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وخلق العرش كتب على ساق العرش: محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق الله الجنة التي أسكنها ءادم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام، وءادم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبر أنه سيد ولدك، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه» اهـ، إسناد جيد قوي.
وهو يفيد أن معنى كونه نبيا: إظهار ذلك في العالم العلوي قبل نفخ الروح في ءادم عليه السلام.
وقد بين الحديث أيضا سر إعلان نبوته في ذلك العهد وأنه يرجع إلى أمرين اختص بهما:
أحدهما: أنه سيد ولد ءادم.
والآخر: أنه خاتم الأنبياء، وأيد ذلك بما ذكره من بشارة إبراهيم وعيسى به عليهم الصلاة والسلام.
والأنبياء جميعا نبوتهم ثابتة في تقدير الله وقضائه، لكن لم يرد في خبر أن الله تعالى أظهر نبوة أحد منهم بالتعيين قبل خلق ءادم، فلم يكن ذلك إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم وهذا سر قوله: «كنت نبيا وءادم بين الروح والجسد» أي أن حملة العرش والملائكة عرفوا اسمه ونبوته قبل خلق ءادم عليه السلام، وهم لم يعرفوا ءادم إلا بعد خلقه.». اهـ.
فيجب الحذر من قول بعض المنشدين والمؤذنين والمداحين والمغالين الذين يقولون «ربي خلق طه من نور»، فالحق أحق أن يتبع، النبي بشر بنص القرءان لكنه خير خلق الله على الإطلاق.
ويجب التحذير من قول بعض المؤذنين: الصلاة والسلام عليك يا أول خلقه الصلاة والسلام عليك يا نور عرش الله.
واعلم أن فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في القرءان والأحاديث، فلا يحتاج في إثبات فضله إلى ذكر ما فيه كذب وغلو، فقد روى أحمد وابن حبان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله».
على أن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالأمر الهين بل هو من كبائر الذنوب كما روى مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، وروى البخاري ومسلم وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
فإذا علم هذا أن وصف الرسول بما لم يصح عنه وبما فيه كذب هو من قبيل الغلو المذموم، ولا يحتج لذلك أنه من قبيل أحاديث الفضائل، فإن أحاديث الفضائل يتساهل فيها برواية الضعيف عند الجمهور، أما المكذوب فلا يقبل في الفضائل بالإجماع.
ومن المفاسد التي انتشرت، وأقبل على قراءتها كثير من العامة بعض الكتب التي ألفت في المولد النبوي، وحشيت بالأحاديث المكذوبة، والأخبار المعلولة، والغلو المذموم، والكذب على الدين، والتجسيم والتشبيه، فيحرم روايتها من غير تبيين أمرها، بل ويجب التحذير منها.
ومن أشهر هذه الكتب المدسوسة الكتاب المسمى «مولد العروس» وفيه أن الله تعالى قبض قبضة من نور وجهه فقال لها كوني محمدا فكانت محمدا، وفي هذه العبارة نسبة الجزئية لله تعالى، وهو منزه عن الجزئية والانحلال، فهو لا يقبل التعدد والكثرة، ولا التجزء والانقسام، والله منزه عن ذلك لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] وحكم من يعتقد أن محمدا أو غيره جزء من الله تعالى التكفير قطعا قال تعالى: {وجعلوا له من عباده جزءا} [الزخرف: 15]. وليتنبه إلى أن هذا الكتاب ليس من تأليف ابن الجوزي رحمه الله، بل هو منسوب إليه زورا وبهتانا، وما في كتب ابن الجوزي من تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين ونفي التجسيم والجزئية عن الله تعالى مخالف لما في هذا الكتاب المفترى، بل إن في ركاكة ألفاظه، وضعف تركيب عباراته ما يدل على أنه ليس من تأليف ابن الجوزي المحدث الفقيه المفسر الذي أعطي باعا قويا في الفصاحة والبيان الوعظ والإرشاد، فكان إذا تكلم حرك القلوب حتى إنه أسلم على يده مائة ألف أو يزيد. ولم ينسب إليه هذا الكتاب إلا المستشرق بروكلمان.
ومن المفاسد التي انتشرت بين العوام ما درج عليه بعض قراء المولد النبوي وبعض المؤذنين من قولهم «إن محمدا أول المخلوقات» وما ذاك إلا لنشر حديث جابر المكذوب «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر خلقه الله من نوره قبل الأشياء»، فهذا الحديث لا أصل له مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مخالف للكتاب والسنة.
أما مخالفته للكتاب فقد قال الله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء} [الأنبياء: 30]، وقال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} [الكهف: 110].
وأما مخالفته للأحاديث الثابتة، فقد روى البخاري والبيهقي عن عمران بن الحصين قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء».
وروى ابن حبان من حديث أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء، قال: «كل شيء خلق من الماء»، وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة: «إن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء».
ففي الحديث الأول نص على أن الماء والعرش هما أول خلق الله، وأما أن الماء قبل العرش فهو مأخوذ من الحديثين التاليين.
وأما عزو حديث جابر للبيهقي فغير صحيح، وأما نسبته لمصنف عبد الرزاق فمكذوب فإنه لا وجود له في مصنفه ولا في جامعه ولا تفسيره بل الموجود في تفسيره عكس هذا، فقد ذكر أن أول المخلوقات وجودا الماء، وقال الحافظ السيوطي في الحاوي عن حديث جابر: «ليس له إسناد يعتمد عليه». اهـ. وهو حديث موضوع جزما، وقد صرح في شرح الترمذي أن حديث أولية النور المحمدي لا يثبت. ومما يشهد لصحة الحكم عليه بالوضع ركاكة ألفاظه فإن الرسول هو أفصح خلق الله وأقواهم بلاغة فلا يتكلم بالركيك، وقد حكم المحدث الشيخ أحمد بن الصديق الغماري عليه بالوضع محتجا بأن هذا الحديث ركيك ومعانيه منكرة، أقول: الأمر كما قال، ولو لم يكن فيه إلا هذه العبارة «خلقه الله من نوره قبل الأشياء» لكفى ذلك ركاكة، لأنه مشكل غاية الإشكال، لأنه إن حمل ضمير «من نوره» على معنى: مخلوق لله كان ذلك نقيض المدعى، لأنه على هذا الوجه يكون ذلك النور هو الأول ليس نور محمد، بل نور محمد ثاني المخلوقات، وإن حمل على إضافة الجزء للكل كان الأمر أفظع وأقبح لأنه يكون إثبات نور هو جزء لله تعالى، فيؤدي ذلك إلى أن الله مركب، والقول بالتركيب في ذات الله من أبشع الكفر، لأن فيه نسبة الحدوث إلى الله تعالى. وبعد هذه الجملة من هذا الحديث المكذوب ركاكات بشعة يردها الذوق السليم ولا يقبلها.
ثم هناك علة أخرى وهي الاضطراب في ألفاظه لأن بعض الذين أوردوه في مؤلفاتهم رووه بشكل، وءاخرون رووه بشكل ءاخر مختلف في المعنى، فإذا نظر إلى لفظ الزرقاني ثم لفظ الصاوي ظهر اختلاف كبير.
أما حديث: «كنت أول النبيين في الخلق وءاخرهم في البعث» فهو ضعيف كما نقل ذلك المحدثون وفيه بقية ابن الوليد وهو مدلس، وسعيد بن بشير وهو ضعيف.
أما حديث: «كنت نبيا وءادم بين الماء والطين»، و: «كنت نبيا ولا ءادم ولا ماء ولا طين» فلا أصل لهما. ولا حاجة لتأويلهما فإنه لا حاجة لتأويل الآية أو الحديث الصحيح لخبر موضوع لا أصل له.
([1]) كتاب «التفسير الكبير البحر المحيط» طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت في تفسيره لسورة المائدة في شحره على هذه الآية.
([2]) الجامع لأحكام القرءان (طبعة دار الفكر، الطبعة الأولى في المجلد 6 ص118 – 119).
([3]) الوسيط في تفسير القرءان المجيد (طبعة دار الكتب العلمية الطبعة الأولى سنة 1415هـ الجزء الثاني في تفسير سورة المائدة ص168 – 169).
([4]) جامع البيان في تفسير القرءان (طبعة دار الجيل بيروت ص104).
([5]) رسالة في بطلان دعوى أولية النور المحمدي (طبعة دار المشاريع الطبعة الأولى سنة 1422هـ).