الأربعاء يناير 28, 2026

قول القاضي عياض المالكي (ت 544هـ)

قال القاضي عياض([1]): «ما عرف اللـه تعالى من شبهه وجسمه من اليهود أو أجاز عليه البداء([2]) أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك. والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سموه به، إذ ليس موصوفا بصفات الإله الواجبة له، فإذا ما عرفوا الله سبحانه» اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر([3]): «قال عياض: كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرا، وهو أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها، ومنه قوله تعالى: جناح الذل {24} (الإسراء)، فمخاطبة النبي ﷺ لهم برداء الكبرياء على وجهه -يعني حديث: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء([4]) على وجهه([5])»- ونحو ذلك من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له وعلم أن الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها، إما أن يكذب نقلتها، وإما أن يؤولها كأن يقول: استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداء الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته» اهـ.

وفي إثبات رؤية الله تعالى بلا كيف في الآخرة  جاء التنزيل يقول الله عز وجل([6]): للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون {26} (يونس)، وروى الحافظ ابن ماجه([7]) في سننه([8]) عن صهيب([9]) رضي الله عنه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية المذكورة ثم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو ألم يثقل الله موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار، قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم»، فدل الحديث على صحة مذهب أهل السنة والجماعة في رؤية الله بلا كيف ولا مكان، وأن الذي يكشف عنه الحجاب المعنوي لرؤية الله الذي ليس كمثله شىء هو بصر العبد وليس الله تعالى، لأن الله منـزه عن أن يكون مخفيا، لأن المخفي وراء حجاب يحتاج إلى من يخفيه، والمحتاج لا يكون إلها ولا خالقا، وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر([10]): «والله تعالى يرى في الآخرة، يراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة» اهـ. وقال في كتاب الوصية([11]): «ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق» اهـ. وهذا كلام صريح من أحد أئمة التابعين من أوائل السلف رضي الله عنه ينـزه به الله تعالى عن التشبيه والكيفية والكمية والمكان والمسافة، فالكيفية لا تجوز على الله لأن الله خالق الكيفيات والأشكال كلها وكذلك الكمية سواء كانت قليلة أم كثيرة لا تجوز على الله، لأن كل ذلك مخلوق لله وحده لا شريك له، فكل ما له حجم أو كمية فهو يحتاج إلى من جعله على هذا الحجم والكمية، والله منـزه عن ذلك سبحانه، فكلام أئمة السلف واضح في تنزيه الله عن الكيفية والكمية. فمن قال: إن الله له كيفية لا تعرف، فقد شبه الله تعالى بأكثر المخلوقات، لأن ما نعرفه من كيفيات المخلوقات شىء قليل نسبة إلى ما لا نعرفه، فمن قال: إن الله له كيفية لا نعرفها يكون ضالا كافرا غير عارف بربه سبحانه.

[1] ) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، القاضي عياض، 1/199، 200.

[2] ) «البداء: استصواب شىء علم بعد أن لم يعلم، وذلك على الله غير جائز» اهـ. لسان العرب، ابن منظور، مادة ب د و، 14/65. وذلك لأن فيه نسبة التغير إلى الله عز وجل، وهو على الله مستحيل، ويكفر القائل به.

[3] ) فتح الباري، ابن حجر، 13/432.

[4] ) «الكبرياء بالكسر عبارة عن كمال الذات وكمال الوجوب، ولا يوصف بها إلا الله تعالى» اهـ. تاج العروس، الزبيدي، مادة ك ب ر ، 14/12.

[5] ) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، 1/112.

[6] ) انظر: الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي، ص 147.

[7] ) محمد بن يزيد الربعي القزويني، ابن ماجه ت 273هـ، أحد الأئمة في علم الحديث، من أهل قزوين. رحل إلى البصرة وبغداد والشام ومصر والحجاز والري في طلب الحديث، وصنف كتابه «سنن ابن ماجه»، وهو أحد الكتب الستة المعتمدة وله تفسير القرآن. الأعلام، الزركلي، 7/144.

[8] ) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، 1/129. صحيح ابن حبان، ابن حبان، 16/471.

[9] ) صهيب بن سنان بن مالك، من بني النمر بن قاسط، صحابي من أرمى العرب سهما، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها. له 307 حديثا، توفي في المدينة وكان يعرف بصهيب الرومي. الأعلام، الزركلي، 3/210.

[10] ) شرح الفقه الأكبر، ملا علي القاري، ص 136، 137.

[11] ) حكاه عنه ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر، ص138.