قول الفقيه ابن حمدان الحنبلي([1]) (ت 695هـ)
قال الفقيه ابن حمدان الحنبليّ([2]): «وبعد فإنه قد تكرّر سؤال بعض الأصحاب والطلاب في تلخيص العقيدة السَّنية الحنبلية، مفردة على مذهب الإمام أحمد وأصحابه ومَن وافقهم من أهل السُّنَّة والأثر، فأجبتهم إلى سؤالهم»، ثم قال في الصحيفة نفسها: «الحمد لله القديم الموصوف بصفات الجلال والكمال، المعبود مع التنـزيه عن التشبيه والتجسيم والنقائص والإبطال» اهـ.
وقال أيضًا([3]): «وإنه تعالى ليس بجوهر ولا عَرَض ولا جسم، ولا تحلّه الحوادث ولا يحلّ في حادث، ولا ينحصر فيه، بل هو بائن([4])من خلقه، الله على العرش بلا تحديد ـ أي ليس له حد أي حجم ـ، وإنما التحديد للعرش وما دونه، والله فوق ذلك([5])، لا مكان ولا حدّ له لأنه كان ولا مكان ثم خلق المكان، وهو كما كان قبل خلق المكان. ولا يُعرف بالحواسّ، ولا يُقاس بالناس، ومَن شبّهه بخلقه كفر، نصّ عليه أحمد وكذا مَن جسّم أو قال: إنه جسم لا كالأجسام» اهـ.
[1] ) أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان النميريّ الحرانيّ، أبو عبد الله، ت 695هـ، فقيه حنبليّ أديب. ولد ونشأ بحران، ورحل إلى حلب ودمشق، وولي نيابة القضاء في القاهرة، فسكنها وتوفي بها. من كتبه: «الرعاية الكبرى»، و«الرعاية الصغرى»، كلاهما في الفقه، و«صفة المفتي والمستفتي»، مقدمة في أصول الدين. الأعلام، الزركلي، 1/119.
[2] ) نهاية المبتدئين في أصول الدين، ابن حمدان، ص 21.
[3] ) نهاية المبتدئين في أصول الدين، ابن حمدان، ص 30.
[4] ) تنبيه: قول بعض الأئمة: «إنه بائن من الأشياء» وقول بعضهم: «إنه تعالى غير مباين» ليس بينهما خلاف حقيقيّ، بل مراد من قال: «بائن» أنه لا يشبهها ولا يماسّها، ومراد من قال: «ليس مباينًا» نفي المباينة الحسية المسافية. وأما من نقل كلام من قال منهم: «إنه بائن» وحمله على نسبة المباينة المسافية والمحاذاة إلى الله تعالى كما يقول ابن تيمية فقد باين الصواب وكفر وضلَّ، وقَوَّلَ أئمة أهل الحقّ ما لم يقولوه. فحذار حذار ممن يحمل كلامهم على غير محمله.
[5] ) أي قهرهم كلَّهم وغَلَبَهم. ونقل البيهقيّ في الأسماء والصفات ص309 عن أبي الحسن علي بن إسماعيل أنه قال ما نصه: «وفي ما كتب إلَيَّ الأُستاذ أبو منصور بن أبي أيوب أن كثيرًا من متأخري أصحابنا ذهبوا إلى أن الاستواء هو القهر والغلبة، ومعناه أن الرحمن غلب العرش وقهره، وفائدته الإخبار عن قهره مملوكاته وأنها لم تقهره، وإنما خصَّ العرش بالذكر لأنه أعظم المملوكات فنبَّه بالأعلى على الأدنى» اهـ. وحاصله كما لا يخفى أن فوقية الله على عرشه فوقية القهر والعَظَمَة لا فوقية الجهة والمكان.