الجمعة فبراير 13, 2026

قول الحافظ أبي الفرج بن الجوزي الحنبلي
رضي الله عنه (ت 597هـ)

قال الحافظ الفقيه الحنبليّ أبو الفرج بن الجوزيّ([1]): «رأيت مَن تكلّم من أصحابنا ـ أي بعض المنتسبين إلى الحنابلة ـ في الأصول بما لا يصلح وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد([2]) وصاحبه القاضي([3])، وابن الزاغونيّ([4])، فصنّفوا كتبًا شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوامّ، فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ، فسمعوا أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته فأثبتوا له صورة ووجهًا زائدًا على الذات، وعينين وفمًا ولَهَوات([5]) وأضراسًا وأضواء لوجهه هي السُّبُحَات ويدين وأصابع وكفًّا وخِنصِرًا([6]) وإبهامًا([7]) وصدرًا وفخذًا، وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يُحَسَّ ويُمَسّ، ويُدني العبد من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفّس، ثم إنهم يُرضون العوام بقولهم: لا كما يُعقل» اهـ.

وكلامهم هذا يشبه كلام مشبّهة هذا العصر وهم الوهابية ومن كان على نهجهم من الذين يعتقدون أن الله جسم ويعتقدون أن له ساقًا وغيرَ ذلك من الأعضاء فهم كفار، حتى إن بعضهم  صرّحَ أنَّ الله يُدْخِلُ رجله في جهنم عندما يقال للنار: هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ {30} (ق) فلا تحترق رجله من باب أن الخزنة لا تضرهم النار فكيف تضرّ الله بزعمه([8]).  ومع اعتقادهم أنه جسم يقولون تشبهًا بالسّلف في زعمهم وتمويهًا على الناس: له وجه لا كالوجوه، وله يد لا كالأيدي، إيهامًا للناس أنهم على ما قاله بعض السلف من قولهم: لله وجه بلا كيف، ويد بلا كيف وعين بلا كيف، وهم ـ أي الوهابية ـ يعتقدون الكيف ويصرّحون بأنَّ لله كيفًا لا نعرفه، لكن للتمويه على الناس يقولون لفظًا: «بلا كيف» وأحيانًا يقولون: «على ما يليق به» ومرادهم أن الله جسم كما قال ابن تيمية([9]): «إن الله بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر»، ومرة قال: «بقدر العرش بل أعظم منه» اهـ. فالوهابية على هذا الاعتقاد. وقد نسب ذلك إلى ابن تيمية الحافظ الكبير العلائي شيخ مشايخ الحافظ ابن حجر([10])، ومذكور هذا في كتب ابن تيمية([11]). وقد قال ابن تيمية أيضًا([12]): «وليس في كتاب الله وسنَّة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنَّه ليس بجسم» اهـ. وقال ابن تيمية في مجموعة فتاويه([13]): «إن الله على العرش حقيقة ومعنا حقيقة» اهـ. وهذا شبيه بعقيدة الحلوليين وهو يذم الحلوليين. فالله تعالى بخلاف ذلك كما قال الإمام المحدّث ذو النون المصري: «مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك»([14]). والمشبهة لا يعترفون بموجود غير متحيز في جهة ومكان غير متحرك ولا ساكن لأنهم يقيسون الخالق على المخلوق. يظنون أن الوجود لا يصح إلا بالمكان مع ثبوت وجود الله قبل المكان بلا مكان، قال رسول الله ﷺ([15]): «كانَ اللهُ ولم يكنْ شىءٌ غيرُهُ» أي كان الله موجودًا قبل المكان والزمان وقبل الجهات السّت والعرش، فالله الذي هو موجود قبل المكان بلا مكان لا يزال بعد وجود المكان بلا مكان، فهذا الحديثُ دليل على صحة وجود الله قبل المكان وبعد وجود المكان بلا مكان.

ويتابع ابن الجوزيّ قائلًا: «وقد أخذوا ـ أي المجسمة الثلاثة الذين ذكرهم ـ بالظاهر في الأسماء والصفات، فسمّوها بالصفات تسمية مبتدعة، لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث.

ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات([16])، ثم لمّا أثبتوا أنها صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل اليد على نعمة وقدرة، ومجيء وإتيان على معنى برّ ولطف، وساق على شدّة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارَفَة. والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين، والشىء إنما يُحْمَلُ على حقيقته إذا أمكن، ثم يتحرَّجون من التشبيه ويأنَفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السّنة وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام.

فقد نصحتُ التابعَ والمتبوعَ فقلتُ لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول -وهو تحت السياط-: كيف أقول ما لم يقل فإيَّاكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، ثم قلتم في الأحاديث: تحمل على ظاهرها وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح وَلَـجَتْ في مريم، ومن قال: استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسيات وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل، فإنَّا به عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقِدَم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر عليكم أحد إنما حملكم إيّاها على الظاهر قبيح، فلا تُدْخِلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه ولقد كسيتم هذا المذهب شَيْنًا قبيحًا حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسّم» اهـ.

ثم قال: «وقد كان أبو محمد التميميّ([17]) يقول في بعض أئمتكم: لقد شان المذهب شينًا قبيحًا لا يُغسل إلى يوم القيامة.

وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه، أحدها: أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة؛ فإنه سبحانه وتعالى قال: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي {29} (الحجر)، وليس لله صفة تسمّى روحًا، فقد ابتدع من سمّى المضاف صفة([18])» اهـ.

ثم قال بعد ذلك في الكتاب: «وقال ابن الزاغونيّ أيضًا: ولا بدّ أن يكون لِذَاتِه نهاية وغاية يعلمها، قلتُ ـ القائل هو ابن الجوزيّ ـ: هذا رجل لا يدري ما يقول! لأنه إذا قَدَّر غاية وفصلًا بين الخالق والمخلوق، فقد حدَّده وأقرَّ بأنه جسم، وهو يقول في كتابه إنه ليس بجوهر لأن الجوهر ما يتحيّز، ثم يثبت له مكانًا يتحيّز فيه، وهذا كلام جهل من قائله وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق تعالى وما يستحيل عليه، فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لا بدّ لها من حيّز. والتحت والفوق إنما يكون في ما يُقابَل ويحاذَى. ومِن ضرورة المحاذِي أن يكون أكبر من المحاذَى أو أصغر أو مثله، وأن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام. وكلّ ما يحاذِي الأجسام يجوز أن يمسّها، وما جاز عليه مماسّة الأجسام ومباينتها فهو حادث، إذ قد ثبت أن الدليل على حدوث الجواهر قبولها المماسّة والمباينة. فإن أجازوا هذا عليه قالوا بجواز حدوثه، وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم التحيُّز، والحقُّ سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيُّز، لأنه لو كان متحيّزًا لم يخل إما أن يكون ساكنًا في حيّزه أو متحرّكًا عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاور أو باين فقد تناهى ذاتًا، والتناهي إذا اختص بمقدار استدعى مخصّصًا» انتهى كلام ابن الجوزيّ رحمات الله عليه.

ومما قاله ابن الجوزيّ أيضًا([19]): «وذهبت طائفة إلى أن الله تعالى على عرشه وقد ملأه والأشبه أنه مماسّ للعرش، والكرسيّ موضع قدميه، قلت: المماسّة إنما تقع بين جسمين» اهـ.

وقال رحمه الله أيضًا([20]): «وقد وقف أقوام مع الظواهر فحملوها على مقتضى الحسّ، فقال بعضهم: إن الله جسم، تعالى الله عن ذلك، وهذا يلزمه أن يكون له كيفية أيضًا، وذلك ينقض القول بالتوحيد.

ومن قول المجسّمة إن الله عزَّ وجلَّ يجوز أن يُمسّ ويلمس! فيقال لهم: فيجوز على قولكم أن يمسّ ويلمس ويُعانق! وقال بعضهم إنه جسم هو فضاء والأجسام كلّها فيه!!

وربما تخيّل بعض المشبّهة في رؤية الحق يوم القيامة ما يراه في الأشخاص، فيمثّله شخصًا يزيد حسنه على كل حسن، فتراه يتنفّس من الشوق إليه، ويمثل الزيادة فيزداد توقه، ويتصوّر رفع الحجاب فيقلق ويتذكّر الرؤية فيغشى عليه، ويسمع في الحديث([21]) أنه «يُدْنى المؤمنُ إليهِ» فيخايل القرب الذاتيّ كما يجالس الجنس، وهذا كلّه جهل بالموصوف» اهـ. فتبيّن من ذلك أن القول بالجسمية من جملة الجهل بالموصوف -وهو الله- والجاهل بالله كافر به لا يُعَدّ من المسلمين.

وقال رضي الله عنه أيضًا([22]): «اعلم أن الحقّ يوصف باليدين والوجه والعين على الوصف الذي يليق به. وليس الخلاف في اليد وإنما الخلاف في الجارحة. وليس الخلاف في الوجه وإنما الخلاف في الصورة الجسمية. وليس الخلاف في العين وإنما الخلاف في الحدقة. فالمعتزلة يذهبون إلى التعطيل والتمويه، والمشبّهة إلى التمثيل، وأهل السنَّة إلى التنـزيه، والمشبهة قالوا: أراد باليد الجارحة، وبالوجه وجهَ الصورة، وأهل السُّنَّة أثبتوا اليد ونفوا الجارحة، وأثبتوا الوجه ونفوا الصورة، وهذا هو المذهب الحقّ» اهـ.

وقال جزاه الله خيرًا([23]): «وأما قول من أراد به الجارحة فباطل، لأنه لو كان يده يد جارحة ووجهه وجه جارحة، لشبّهتَه بنفسك، والخالق سبحانه وتعالى لا يشبّه بالمخلوق، ولا يجوز عقلًا ولا نقلًا، أما العقل فلاستحالة ذلك عليه، وأما النقل فلقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {11} (الشورى)، وقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ {4} (الإخلاص)» اهـ.

وقال أيضًا([24]): «إن نفيت التشبيه في الظاهر والباطن فمرحبًا بك، وإن لم يمكنك أن تتخلّص من شَرَك التشبيه إلى خالص التوحيد وخالص التنـزيه إلا بالتأويل فالتأويل خيرٌ من التشبيه، وإذا اعتقدت أن الله ليس بجسم فلا يخطر ببالك بعد هذا شىء من الاحتياج إلى شىء من الاستواء بطريق الاتصال، أو النزول بطريق الانتقال، لأنّ ذلك من صفات الأجسام لا من صفات الجلال، فإن نزّهت عقيدتك عن دَرَن التشبيه والتمثيل، فقد وقع الوفاق وحصل الاتفاق» اهـ.

وقال رحمه الله([25]): «تأمّلت سبب تخليط العقائد، فإذا هو الميل إلى الحسّ وقياس الغائبات على الحاضر، فإنّ أقوامًا غلب عليهم الحسّ، فلمّا لم يشاهدوا الصانع جحدوا وجوده، ونسوا أنه قد ظهر بأفعاله([26])، وأن هذه الأفعال لا بدّ لها من فاعل.

ثم جاء قوم فأثبتوا وجود الصانع ثم قاسوه على أحوالهم فشبّهوا حتى إن قائلهم يقول في قوله([27]): «ينـزلُ إلى السماءِ»: ينتقل، ويستدلّ بأن العرب لا تعرف النزول إلا الانتقال.

وضلَّ خلق كثير في صفاته، كما ضلَّ خلق في ذاته، فظنَّ أقوام أنه يتأثّر حين سمعوا أنه «يَغْضَبُ ويَرْضَى»([28])، ونسوا أن صفته تعالى قديمة لا يحدث منها شىء.

وضلّ خلق في أفعاله فأخذوا يعلّلون فلم يقنعوا بشىء، فخرج منهم قوم إلى أن نسبوا فعله إلى ضدّ الحكمة، تعالى عن ذلك.

ومَن رُزِق التوفيق فليحضر قلبه لما أقول: اعلم أن ذاته سبحانه لا يشبه الذوات، وصفاته ليست كالصفات، وأفعاله لا تقاس بأفعال الخلق.

أما ذاته سبحانه فإنّا لا نعرف ذاتًا إلا أن تكون جسمًا، وذاك يستدعي سابقة تأليف، وهو منـزّه عن ذلك لأنه المؤلِف، وإما أن يكون جوهرًا فالجوهر متحيّز وله أمثال، وقد جلَّ عن ذلك، أو عَرَضًا فالعَرَض لا يقوم بنفسه بل بغيره، وقد تعالى عن ذلك.

فإذا أثبتنا ذاتًا قديمًا خارجًا عما يُعرف، فليعلم أن الصفات تابعة لذلك الذات، فلا يجوز لنا أن نقيس شيئًا منها على ما نفعله ونفهمه، بل نؤمن به ونسلّم به» اهـ.

وقال ابن الجوزي([29]): «قال ابن حامد المجسم: الاستواء مماسته وصفة لذاته والمراد به القعود، قال: وقد ذهب طائفة من أصحابنا ـ أي بعض المنتسبين إلى الحنابلة ـ إلى أن الله عزّ وجلّ على عرشه قد ملأه وأنه يقعد نبيَّه معه على العرش.

والعجب من قول هذا ـ أي ابن حامد المجسّم ـ: ما نحن مجسمة، وهو تشبيه محض، تعالى الله عزّ وجلّ عن المحل والحيز لاستغنائه عنهما، ولأن ذلك مستحيل في حقه عزّ وجلّ، ولأن المحل والحيز من لوازم الأجرام، ولا نزاع في ذلك، وهو سبحانه وتعالى منزه عن ذلك لأن الأجرام من صفات الحدَث، وهو عزّ وجلّ منزه عن ذلك شرعًا وعقلًا، بل هو أزلي لم يُسْبَقْ بعدم بخلاف الحادث.

ومن المعلوم أن الاستواء إذا كان بمعنى الاستقرار والقعود لا بد فيه من المماسة، والمماسة إنما تقع بين جسمين أو جِرمين، والقائل بهذا شبَّه وجسَّم، وما أبقى في التجسيم والتشبيه بقية، كما أبطل دلالة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {11} (الشورى)» اهـ.

وقال أيضًا([30]): «وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر، فإن المجسمة دخلوا في ذلك لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون» اهـ.

وقال([31]): «ومن تأمَّل حال بني إسرائيل رآهم قد أمروا بقول حِطَّة فقالوا حنطة… ومن مذهبهم التشبيه والتجسيم، وهذا من أعظم التغفيل لأن الجسم مؤلَّف، ولا بد للمؤلَّف من مؤلِف -بكسر اللام المشدّدة- » اهـ.

وقال أيضًا([32]): «إن نَفَيْتَ التشبيه في الظاهر والباطن فمرحبًا بك، وإن لم يمكنك أن تتخلَّص مِنْ شَرَك التشبيه إلى خالص التوحيد وخالص التنزيه إلا بالتأويل – أي التفصيلي – فالتأويل خير من التشبيه»اهـ.

[1] ) دفع شبه التشبيه، ابن الجوزيّ، ص 98، 99.

[2] ) الحسن بن حامد بن عليّ بن مروان البغداديّ، ت 403هـ، أبو عبد الله ـ من مجسمة الحنابلة ـ له مصنفات في الفقه وغيره، منها: «الجامع في فقه ابن حنبل»، و«شرح أصول الدين وتهذيب الأجوبة». المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزيّ،7/263. النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، 4/232.

[3] ) القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء، ت 458هـ، -من مجسمة الحنابلة-. وفي سير أعلام النبلاء 18/90 قال الذهبيّ في ترجمته: «وجمع كتاب «إبطال تأويل الصفات» فقاموا ـ أي العلماء ـ عليه لما فيه من الواهي والموضوع، وجرت أمور وفتن ثم أصلح بين الفريقين الوزير علي بن المسلمة، وقال أبو يعلى على الملأ: «القرآن كلام الله وأخبار الصفات تمر كما جاءت» اهـ. قال الحافظ أبو بكر بن العربيّ المالكيّ في كتابه العواصم من القواصم ص209 ما نصه: «أخبرني من أثق به من مشيختي أن القاضي أبا يعلى الحنبليّ كان إذا ذُكِرَ الله سبحانه يقول في ما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى: «ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة» اهـ. أي في الله تبارك وتعالى لا يستطيع أن يعتقد فيه اللحية والعورة لكنه يعتقد ما سواهما والعياذ بالله. مع العلم أن هذا القاضي هو غير الحافظ أبي يعلى الموصليّ صاحب المسند المشهور. وقال ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ 8/16 ما نصه: «وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبليّ ما ضمّنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسيم، وحضر أبو الحسن القزوينيّ الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا» اهـ.

[4] ) عليّ بن عبيد الله بن نصر بن السريّ، ت 527هـ، أبو الحسن بن الزاغونيّ ـ من مجسّمة الحنابلة ـ من أهل بغداد. الأعلام، الزركلي، 4/310. ردّ عليه الحافظ ابن الجوزيّ وأبطل عقيدته وبيَّن أنها ليست عقيدة الإمام ابن حنبل رحمه الله في كتابه «دفع شبه التشبيه بأكف التنــزيه».

[5] ) «اللَّهاةُ من كلّ ذي حَلق: اللحمة المُشْرِفة على الحَلق» اهـ. لسان العرب، ابن منظور، مادة ل هـ و، 15/258. وقد تقدّم.

[6] ) «الخِنصِرُ: الإِصبع الصُّغْرَى» اهـ. لسان العرب، ابن منظور، مادة خ ن ص ر، 4/261.

[7] ) «الإِبهامُ بالكسر:ِ من الأصابع العُظْمَى» اهـ. تاج العروس، الزبيدي، مادة ب هـ م،  31/313.

[8] ) ردّ الدارمي على بشر المريسي، عثمان بن سعيد الدارمي (المجسم)، ص 69.

[9] ) أحمد بن عبد الحليم الدمشقيّ، ابن تيمية، ولد بحرّان سنة 661هـ، ظهرت منه بدع كثيرة حتى قال الحافظ أبو زرعة العراقيّ: «إنه خرق الإجماع في أكثر من ستين مسألة، بعضها في الأصول وبعضها في الفروع» اهـ. وقال فيه: «علمه أكبر من عقله» اهـ. ردّ عليه علماء عصره وبدّعوه وكفروه وألّفوا في ذلك كالسبكيّ فإنه صنّف: «شفاء السقام في زيارة خير الأنام»، و«الاعتبار ببقاء الجنة والنار» في الردّ عليه. استتيب عدّة مرات وكان في كل مرّة ينقض عهوده ومواثيقه حتى حُبِس بفتوى من قضاة المذاهب الأربعة سنة 726هـ بالقلعة ومات فيها سنة 728هـ.  تاريخ ابن الورديّ، ابن الوردي، 2/381، 3/398. مقدمة الدرة المضية، السبكيّ. عيون التواريخ، ابن شاكر الكتبيّ، مخطوط ص179. الدرر الكامنة، ابن حجر، 1/144، 1/153. الإعلان بالتوبيخ، السخاويّ، ص 77. ذخائر القصر، ابن طولون، 1/66، 69. الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتميّ، 1/480. وغيرها.

[10] ) الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتمي، 1/245.

[11] ) منهاج السنة، ابن تيمية، 1/180. التأسيس، ابن تيمية، 2/151.

[12] ) التأسيس، ابن تيمية، 1/101.

[13] ) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 5/103.

[14] ) الرسالة القشيرية، القشيريّ، ص3. كما تقدَّم.

[15] ) صحيح البخاري، البخاري، كتاب بدء الخلق، باب وكان عرشه على الماء، 6/2699، رقم 3019.

[16] ) يزعمون أن الله تعالى جسم، وهذه الصفات الواردة في الشرع جعلوها على الحقيقة، فقالوا نأخذ بالظواهر فإنَّ له يدًا حقيقية كأيدينا ووجهًا حقيقيًّا كوجوهنا، كذلك في سائر ما ورد يقولون نأخذ بالظواهر، والعياذ بالله تعالى.

[17] ) هو رزق الله بن عبد الوهاب أبو محمد التميميّ، ت 488هـ، فقيه حنبليّ واعظ، من أهل بغداد، كان كبيرها وجليلها، قال العليميّ: «كان شيخ أهل العراق في زمانه»اهـ. صنّف «شرح الإرشاد» في الفقه و«الخصال» و«الأقسام». الأعلام، الزركلي، 3/19. قال ابن الجوزيّ في المنتظم 9/89: «قال ابن عقيل: كان سيدَ الجماعة من أصحاب أحمد بيتًا ورياسة وحشمة، أبو محمد التميميّ، وكان أحلى الناس عبارة في النظر، وأجراهم قلمًا في الفتيا، وأحسنهم وعظًا» اهـ. شذرات الذهب، ابن العماد الحنبليّ، 2/384.

[18] ) وهي بدعة باطلة ليس لها مستند لغوي ولا شرعي ولا عقلي، وتؤدي بقائلها إلى التناقض والضلال المبين.

[19] ) دفع شبه التشبيه، ابن الجوزيّ، ص 135.

[20] ) تلبيس إبليس، ابن الجوزيّ، 1/107.

[21] ) صحيح البخاري، البخاري، كتاب تفسير القرءان، سورة هود، باب قوله: أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ {18} 6/74. قال بدر الدين العيني في كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري 27/356 ما نصُّه: «قوله «يُدنى المؤمن» على صيغة المجهول من الدنو وهو القرب، وهذا تمثيل لجعله تحت ظل رحمته يوم القيامة،… والكنف والدنو كلاهما مجازان لاستحالة حقيقتهما على الله تعالى، والحديث من المتشابهات» اهـ. وقال القاضي عياض في كتابه إكمال المعلم شرح صحيح مسلم 8/134 ما نصُّه: «الدنو ههنا دنو كرامة لا دنو مسافة لأنّ البارئ سبحانه في غير مكان -أي بلا مكان-، فلا يصح منه دنو مسافة ولا بعدها» اهـ. وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم، 9/148: «المراد بالدنو هنا دنو كرامة وإحسان لا دنو مسافة، والله تعالى منزّه عن المسافة وقربها» اهـ.

[22] ) مجالس ابن الجوزيّ، ابن الجوزي، ص6.

[23] ) مجالس ابن الجوزيّ، ابن الجوزي، ص7.

[24] ) مجالس ابن الجوزيّ، ابن الجوزي، ص11.

[25] ) صيد الخاطر، ابن الجوزيّ، ص326.

[26] ) أي يدلُّ عليه كلُّ شىءٍ، فالله تعالى ظاهرٌ من حيثُ الدلائلُ العقليةُ التي قامتْ على وجودِه وقدرتِه وعلمِه وإرادتِه لأنَّ ما من شىءٍ إلا وهو يدلُّ دلالةً عقليةً على وجود الله سبحانه وتعالى.

[27] ) ثبت التأويل عن الإمام مالك في حديث النزول فقد قال: «نزول رحمة لا نزول نقلة» اهـ. وقال بعض العلماء: والأوْلى أن يُحْمَل على نزول المَلَك بأمر الله. شرح صحيح مسلم، النووي، 6/36. فقد أخرج النسائيّ من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح عن النبيّ ﷺ: «إنَّ الله يُمْهِلُ حتى إذا مضى شطرُ الليلِ الأولُ أمرَ مناديًا فينادي هلْ مِنْ داعٍ فيستجابَ له …» الحديث ورد في سنن النسائيّ الكبرى، 6/124، رقم الحديث 10316. وهذا تفسير للرواية المشهورة: «ينزل ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا فيقولُ هلْ مِنْ داعٍ فأَستجيبَ لهُ» ..إلخ.

[28] ) قال الحافظ البيهقيّ في كتاب الأسماء والصفات 2/469 ما نصه: «المحبة والبغض والكراهية عند بعض أصحابنا من صفات الفعل، فالمحبة عنده بمعنى المدح له بإكرام مكتسبه، والبغض والكراهية بمعنى الذم له بإهانة مكتسبه، فإن كان المدح والذم بالقول فقولُه كلامه وكلامه من صفات ذاته» اهـ. وقال الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله في كتابه الدرة البهية في حل ألفاظ العقيدة الطحاوية ص 97: «يجب إثبات صفة الغضب وصفة الرضى لله مع تنزيهه تعالى عن أن يكون غضبه ورضاه تأثرًا، بل هما صفتان أزليتان قديمتان أبديتان، أما ما ورد في الحديث «إنَّ الله غَضِبَ اليومَ غضَبًا لمْ يغضَبْ قبلَهُ مثلَهُ ولا يغضبُ بعدَهُ مثلَهُ» فالمراد بذلك آثار الغضب وليس المراد الصفة، ومعناه أن الله أعدّ في ذلك اليوم من آثار الغضب ما لم يسبق قبل ذلك، ولا يفعل بعد ذلك ما هو أشدّ منه لأنّ الله تعالى شاء أن يحصل ذلك اليوم من آثار الغضب منتهى الآثار» اهـ.

[29] ) دفع شبه التشبيه، ابن الجوزي، ص128.

[30] ) صيد الخاطر، ابن الجوزي، ص256.

[31] ) التبصرة، ابن الجوزي، 1/491.

[32] ) مجالس ابن الجوزي، ابن الجوزي، ص 11.