قول الإمام فخر الدين بن عساكر([1]) رحمه الله
(ت 620هـ)
قال تاج الدّين السّبكيّ([2]) رحمه الله ناقلًا ما أقرّه الفخر بن عساكر([3]): «اعلم أرشدنا الله وإياك أنه يجب على كلّ مكلَّف أن يعلم أن الله عزَّ وجلَّ واحد في ملكه، خلق العالم بأسره، العلويَّ والسفليَّ والعرشَ والكرسيَّ، والسموات والأرضَ وما فيهما وما بينهما، جميعُ الخلائق مقهورون بقدرته، لا تتحرك ذرةٌ إلا بإذنه، ليس معه مُدبّرٌ في الخلق ولا شريك في الملك، حيٌّ قيّوم لا تأخذه سِنةٌ ولا نومٌ، عالم الغيبِ والشهادة، لا يخفى عليه شىءٌ في الأرض ولا في السماء، يعلمُ ما في البَر والبحر، وما تسقطُ من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. أحاط بكل شىء علمًا وأحصى كل شىء عددًا، فعّالٌ لما يريد، قادر على ما يشاء، له الملكُ وله الغِنى، وله العز والبقاء، وله الحكم والقضاء، وله الأسماء الحسنى، لا دافع لما قضى، ولا مانع لما أعطى، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء. لا يرجو ثوابًا ولا يخاف عقابًا، ليس عليه حق ـ يلزمه ـ ولا عليه حكم، وكل نعمة منه فضلٌ وكل نقمة منه عدلٌ، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. موجود قبل الخلق، ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كلٌّ ولا بعض. ولا يقال متى كان ولا أين كان ولا كيف، كان ولا مكان، كوَّن الأكوان ودبَّر الزمان، لا يتقيَّد بالزمان، ولا يتخصَّص بالمكان، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا يلحقه وهم، ولا يكتنفه عقل([4])، ولا يتخصَّص بالذهن([5])، ولا يتمثّل في النفس([6])، ولا يُتَصوَّر في الوهم([7])، ولا يتكيَّف في العقل([8])، لا تلحقه الأوهام والأفكار، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {11} (الشـورى)»اهـ.
وأنوّه أن هذه الرسالة فيها ذكر عقيدة أهل السّنة والجماعة مختصرة جامعة مناقضة لعقيدة أدعياء السلفية زورًا، موضحة لعقيدة الأشاعرة التي هي عقيدة الصحابة رضوان الله عليهم وعقيدة من تبعهم بإحسان من سلف وخلف، وهي رسالة عظيمة أثنى عليها الحافظ صلاح الدين خليل بن كَيكَلدي العلائيّ([9]) رحمه الله المتوفى سنة 761هـ وسماها العقيدة المرشدة وقال: «هذه العقيدة المرشدة جرى قائلها على المنهاج القويم والعقد المستقيم، وأصاب في ما نَزَّه به العليّ العظيم» اهـ. نقل ذلك تاج الدين السبكيّ في طبقاته([10])، ووافقه في تسميتها بالعقيدة المرشدة وساقها بكاملها، وقال في آخرها ما نصه: «هذا آخر العقيدة وليس فيها ما ينكره سني» اهـ. يعنى أنها احتوت على معتقد أهل السنة والجماعة في ما أجمعوا عليه من أصول الدين، وليس فيها ما يخالف مذهبهم.
[1] ) عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقيّ الشيخ الإمام الكبير أبو منصور فخر الدين بن عساكر، ت 620هـ، شيخ الشافعية بالشام. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة وتفقَّه بدمشق على الشيخ قطب الدين النيسابوريّ، وزوّجه بابنته واستولدها، وسمع الحديث من عمَّيه الإمامين الحافظ الكبير أبي القاسم والصائن هبة الله وجماعة، وحدّث بمكة ودمشق والقدس، وله تصانيف في الفقه والحديث وغيرهما. وكان إمامًا صالحًا قانتًا عابدًا ورعًا كثير الذكر. طبقات الشافعية الكبرى، السبكيّ، 8/175، 185.
[2] ) عبد الوهاب بن عليّ بن عبد الكافي السبكيّ، ت 771هـ، أبو نصر تاج الدين قاضي القضاة، المؤرخ الفقيه. ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده العلامة الأصوليّ تقيّ الدين السبكيّ، فسكنها وتوفي بها. نسبته إلى سُبْك من أعمالِ المنوفية بمصرَ، وكان طلق اللسان، قويّ الحجة. من تصانيفه: «طبقات الشافعية الكبرى»، و«معيد النعم ومبيد النقم»، و«جمع الجوامع في أصول الفقه»، و«الأشباه والنظائر». الأعلام، الزركلي، 4/ 145، 148.
[3] ) طبقات الشافعية الكبرى، السبكيّ، 8/186.
[4] ) «كَنَفَهُ: حاطه وصانه، وبابه نصر، والكَنَفُ بفتحتين: الجانب، وتَكَنَّفُوهُ واكْتَنَفُوهُ وكَنَّفُوهُ تَكنِيفًا: أحاطوا به» اهـ. مختار الصحاح، الرازي، مادة ك ن ف، 1/586. أي لا تحيط بالله العقول.
[5] ) «الذّهْنُ بالكسر: الفَهْمُ والعَقْلُ وحِفْظُ القَلْبِ والفِطْنَةُ، ويُحَرَّكُ، والقُوَّةُ والشَّحْمُ، ج: أذْهانٌ» اهـ. القاموس المحيط، الفيروزأبادي، مادة ذ هـ ن، ص1547. والمعنى أنَّ الله لا يحدّه زمان ولا مكان ولا يتصور في الأذهان، تنزه عن مشابهة المخلوقين.
[6] ) «مَثَّلَ له كذا تمثِيلًا إذا صوّر له مثاله بالكتابة أو غيرها، والتِمْثَالُ: الصورة والجمع التَّمَاثِيلُ» اهـ. مختار الصحاح، الرازي، مادة م ث ل، 1/642. ليس لله مثيل فلا تستطيع النفس أن تتصوّره.
[7] ) «الصورة: الشكل، وقد صوّره صورة حسنة فتصوّر: تشكل. وتستعمل الصورة بمعنى النوع والصفة، ومنه الحديث: «أتاني الليلةَ ربي تبارك وتعالى في أحسنِ صُورةٍ» (رواه الترمذيّ، 5/366، رقم 3233). وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/122: «الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشىء وهيئته، وعلى معنى صفته، يقال: صورة الفعل كذا وكذا أي هيئته، وصورة الأمر كذا أي صفته، فيكون المراد بما جاء في الحديث أنه أتاه في أحسن صفة، ويجوز أن يعود المعنى إلى النبيّ ﷺ أي أتاني ربي وأنا في أحسن صورة، وتجرى معاني الصورة كلها عليه، إن شئت ظاهرها أو هيئتها وصفتها، فأما إطلاق ظاهر الصورة على الله عزّ وجلّ فلا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا» اهـ. تاج العروس، الزَّبيديّ، مادة ص و ر، 12/358.
[8] ) «قال الأزهريّ عن كيف: الغالب فيه أن يكون استفهامًا عن الأحوال» اهـ. تاج العروس، الزَّبيديّ، مادة ك ي ف، 24/349. أي لا يقدر العقل أن يكيّفه أو يتصوّره لأن الله لا صورة له ولا كيف.
[9] ) خليل بن كيكلدي عبد الله العلائي الدمشقي، صلاح الدين محدّث فاضل عاش وولد وتعلم في دمشق، ورحل رحلة طويلة ثم أقام في القدس مدرسًا في الصلاحية سنة 731 هـ وتوفي بها سنة 761هـ. من كتبه: «المجموع المذهب من قواعد المذهب»، و«الأربعون في أعمال المختار». الأعلام، الزركلي، 2/321.
[10] ) طبقات الشافعية الكبرى، السبكيّ، 8/186.