الأربعاء يناير 28, 2026

قول الإمام الفقيه المتكلم الأصولي فخر الدين الرازي رحمه الله (ت 606هـ)

قال الإمام الأصولي فخر الدين الرازي([1]) في وصف الله تعالى: «لا يجوز أن يكون المراد من العظيم العظمة بالجثة وكبر الجسم لأن ذلك يقتضي كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض، وذلك ضد قوله: قل هو الله أحد {1} (الإخلاص)» اهـ.

وقال في تفسير قوله تعالى: بل يداه مبسوطتان {64} (المائدة) ما نصه([2]): «واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات، فإن الآيات الكثيرة في القرآن ناطقة بإثبات اليد، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد، قال تعالى: يد الله فوق أيديهم {10} (الفتح)، وتارة بإثبات اليدين لله تعالى، منها هذه الآية المذكورة سابقا، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي {75} (ص)، وتارة بإثبات الأيدي، قال تعالى: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون {71}  (يس)، وإذا عرفت هذا فنقول: قالت طائفة وهم المجسمة: إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد، واحتجوا عليه بقوله تعالى: ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها {195} (الأعراف)، وجه الاستدلال -عندهم- أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شىء من هذه الأعضاء، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلها، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له، قالوا: وأيضا اسم اليد موضوع لهذا العضو، فحمله على شىء آخر ترك للغة، وإنه لا يجوز. واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم، والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، ولأن كل جسم متناه في المقدار، وكل ما كان متناهيا في المقدار فهو محدث. ولأن كل جسم مؤلف من الأجزاء، وكل ما كان قابلا للتركيب والانحلال وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركبه ويؤلفه، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسما، فيمتنع أن تكون يده عضوا جسمانيا» اهـ.

وهذا ما عليه المسلمون سلفا وخلفا، وهو تنـزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق ولو بصفة من الصفات.

ومن تقريراته أيضا في نفي الجسمية عن الله تعالى قوله([3]): «ومن قال ذلك فقد اعتقد كونه مركبا مؤلفا، فكان امتناعه عن إطلاق لفظ المؤلف والمركب امتناعا عن مجرد هذا اللفظ مع كونه معتقدا لمعناه، فثبت أنهم إنما أطلقوا لفظ الجسم لأجل أنهم اعتقدوا كونه تعالى عريضا عميقا ممتدا في الجهات، فثبت أن امتناعهم عن هذا الكلام لمحض التقية والخوف، وإلا فهم يعتقدون كونه تعالى مركبا مؤلفا» اهـ.

وقال كذلك([4]): «المجسمة كفار لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة ليس بموجود، ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث، وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة. فالمجسمة نفوا ذات الشىء الذي هو الإله، فيلزمهم الكفر» اهـ.

فكما ترى قد حكم الإمام الرازي على المجسم بالكفر لأن أصل إيمانه غير صحيح لأنهم لا يعتقدون بوجود ذات غير متحيز في مكان وجهة، ومن ثم قال([5]): «فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة بل في الذات، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله» اهـ.

وقال أيضا: «إن اعتقاد أن الله جالس على العرش أو كائن في السماء فيه تشبيه الله بخلقه» اهـ.

وقد تقدم أن القول بالتشبيه مضاد للقرءان والسنة والإجماع والعقل السليم. والله يهدي من يشاء.

[1] ) مفاتيح الغيب، الرازي، 27/144.

[2] ) مفاتيح الغيب، الرازي، 12/395.

[3] ) أساس التقديس، الرازي، ص65.

[4] ) معالم أصول الدين، الرازي، ص138.

[5] ) مفاتيح الغيب، الرازي، 16/24.