الجمعة فبراير 13, 2026

قول الإمام العز بن عبد السلام (ت 660هـ)

قال الشيخ الفقيه عبد العزيز بن عبد السلام([1]): «ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنـزيه دون التجسيم والتشبيه، وكذلك جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف، فهم كما قال القائل: [الوافر][2]

وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا

 

وكُلٌّ يَدَّعون وِصالَ ليلى

تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى ممَّنْ تباكى(3)

 

إذا اشتَبَهَتْ دموعٌ في خُدودٍ

وكيف يُدَّعى على السلف أنهم يعتقدون التجسيم والتشبيه أو يسكتون عند ظهور البدع ويخالفون قول الله تعالى: } وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {42} (البقرة)، وقوله: وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ {187}  (آل عمران)، وقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {44} (النحل)، والعلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام فيجب عليهم من البيان ما يجب على الأنبياء عليهم السلام، وقال تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {104} (آل عمران). وأنكرُ المنكَرات التجسيم والتشبيه([3])، وأفضل المعروف التوحيد والتنـزيه، وإنما سكت السلف قبل ظهور البدع، فوربّ السماء ذات الرَّجْعِ، والأرض ذات الصَّدْعِ، لقد تشمّر السلف للبدع لمَّا ظهرت، فقمعوها أتمّ القَمْعِ، وردعوا أهلها أشدّ الرَّدْع، فردُّوا على القدرية والجهمية والجبرية وغيرهم من أهل البدع، فجاهدوا في الله حقَّ جهاده.

والجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان، فليت شعري! فما الفرق بين مجادلة الحشوية وغيرهم من أهل البدع، لولا خبث الضمائر وسوء اعتقاد في السرائر، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ {108} (النساء).

وإذا سُئل أحدهم عن مسألة من مسائل الحشو، أمر بالسكوت عن ذلك، وإذا سُئل عن غير الحشو من البدع أجاب فيه بالحق، ولولا ما انطوى عليه باطنه من التجسيم والتشبيه، لأجاب في مسائل الحشو بالتوحيد والتنـزيه، ولم تزل هذه الطائفة المبتدِعة قد ضُرِبت عليها الذلَّة أينما ثُقِفوا، كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ {64} (المائدة)، لا تلوح لهم فرصة إلا طاروا إليها، ولا فتنة إلا أكبُّوا عليها، وأحمد
ابن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف بُرَآء إلى الله مما نسبوه إليهم واختلفوا عليهم» اهـ. وقد سبق الكلام على هذا في أوائل الكتاب.

وأما ما يُعزى لعز الدين بن عبد السلام في كتاب «القواعد» من عدم تكفير المجسمة الذين يثبتون وجود الله في جهة فوق فلا اعتداد به، لأنه يخالف ما قاله إمام المذهب محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه، وعز الدين بن عبد السلام من متأخري الشافعية([4]) فإذا خالف كلام المنتسب إلى المذهب كلامَ صاحب المذهب أسقطناه ولم نعمل به لمعارضته لنص إمامه، على أنّنا لا نعتقد فيه أن العزَّ بن عبد السلام قال هذا. وقد كان معروفًا بالعلم والزهد حتى وصفه ابن دقيق العيد بأنه سلطان العلماء، وكيف لا يكفّر المجسّمة وهم يُكفّرون جميعَ الأمة الإسلامية، فهم يكفرون الأشاعرة والماتريدية. وهؤلاء المشبهة يجسّمون تجسيمًا صريحًا، وإن قالوا في بعض الحالات: لله استواء على العرش بلا كيف، وله وجه وعين ويد بلا كيف. لكن هم يعتقدون الكيف، إنما يقولون ذلك ليوهموا الناس أنهم مع السلف الذين قالوا هذا القول، وشأنهم أنهم لا يُصرّحون دائمًا بالتجسيم، ويوكلون الأمر إلى تلامذتهم في كتب تنشر وفيها السموم مثل كتاب اسمه: «إثبات الحد لله وبأنه قاعد وجالس على عرشه»، للمدعو محمد الدشتي(ت665هـ).  وبترك تحذير المشايخ منهم اتسعوا وانتشروا.

ثم نحن مقلدون للإمام الشافعي المجتهد وأمثاله من المجتهدين، ولسنا مقلدين لمن خالفهم، فالمخالفون له يُعَدُّ كلامهم ساقطًا كالعدم، وهذا في الفقهيات وأمور المعاملات، فكيف في العقيدة.

أما رتبة الاجتهاد المطلق فهي كائنة لمن هو في مرتبة الشافعي وغيره من المجتهدين، ونحن نعطي كل مرتبة ما يجوز لها.

ثم لو كان الله تعالى جسمًا لاستحال عليه سبحانه أن يخلق الجسم. ولو كان يصح في العقل أن يكون الخالق جسمًا لصحت الألوهية للشمس، فماذا يقول هذا المجسّم لو قيل له: أنت تقول: الله جسم، فكيف لا تصح على موجب قولِك الألوهية للشمس، مع أن الشمس جسم كبير حسن المنظر، كثير النفع.

بأيّ جواب سيردّ المجسم الذي يعتقد أن الله متحيّز في جهة فوق على الذي يقول بألوهية الشمس، وهو لا يملك دليلًا عقليًّا، بل عابد الشمس سيسكته كما تقدّم، يقول له عابد الشمس: أنا أقول: إنَّ الشمس هي المستحقة للألوهية لأنها جسم كبير كثير النفع، تنفع البشر والنبات والهواء. أما معبودك الذي تزعم أنه خالق العالم وتزعم أنه جسم قاعد على العرش، فليس مشاهَدًا لك ولا لنا، وليس له منفعة مشاهَدة، فكيف لا تستحق الشمس التي أنا أعبدها أن تكون الإله ويستحق الذي تقول إنه جسم قاعد على العرش أن يكون الإله؟. فلن يكون عند المجسّم جواب. فإن قال: قال الله كذا وكذا، قال عابد الشمس: أنا لا أؤمن بكتابك، أريد منك دليلًا عقليًّا على صحة ما تقوله وعلى بطلان دين عبادة الشمس، هنا ينقطع المجسم.

أما المنزّه لله تعالى عن الجسمية والتحيز في المكان والمقدار والكمية والحجم وكل صفات الجسم فيقول لعابد الشمس: معبودي أنا هو الذي تصح له الألوهية لأنه لا يشبه شيئًا من خلقه، لا يجوز عليه التغير كما يجوز على الشمس، فالشمس لها طلوع وغروب، وتحتاج إلى من يدبّرها وإلى من يخصصها بهذه الصفات التي هي عليها، لأنه لا يصح في العقل أن تكون هي خلقت نفسها، لا يصح أن تكون هي جعلت نفسها على هذا الشكل الخاص من الاستدارة، وعلى هذا الحجم، وعلى هذا المقدار، فالعقل لا يصحح وجود شىء من الأشياء من الأجسام والأعراض إلا بإيجاد موجِد ليس جسمًا وليس متحيزًا في جهة من الجهات. وهذا الموجود الخالق للشمس ولغيرها هو الله، عرفنا وجوده بالعقل، وعرفنا اسمه بطريق الأنبياء المؤيَّدين بالمعجزات عليهم الصلاة وأتمّ التسليم. كما تقدَّم.

وقد نقل التاج السبكيّ أيضًا في ترجمة العز بن عبد السلام ما يقتضى التنزيه ونفي الجسمية حيث قال([5]): «قال الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام: «ليس ـ أي الله ـ بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مقدّر، ولا يشبه شيئًا، ولا يشبهه شىء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان» اهـ.

[1] ) رسائل التوحيد، العز بن عبد السلام، ص 17.

[2] ) ديوان المتنبي، المتنبي، ص 596.

[3] ) أي من أنكر المنكرات، فإن أشدّ الكفر هو كفر التعطيل أي إنكار وجود الله والعياذ بالله، وكفر الحلول، وكفر الوحدة المطلقة، ومما يجب التحذير منه كتاب تستعمله جماعة من النساء المبتدعات مكتوب عليه اسم «مزامير داود»، وهو عبارة عن مجموعة قصائد شعرية يحتوي على كلمات كفرية منها: كل ما تهواه موجود في ذات الله. ومنها:

  اثنان نحن وفي الحقيقة واحد          لكن أنا أدنى وأنت الأكبر.

       ومنها هذه الجملة:

دع طـرق الغَيْ فالدنيــا فيّ               ما الكون إلا القيوم الحيّ.

    وهذه العبارات منها ما هو صريح بالقول بالوحدة المطلقة، وهي بزعمهم أن الله جملة العالم، وبعضها صريح في الحلول أي حلول الله في الأجسام، تعالى الله عن ذلك، وكلتا العقيدتين ضد التوحيد، إذ التوحيد هو إفراد الله تعالى بالقِدم والأَوَّليَّة والعبادة كما قال الإمام الجنيد رضي الله عنه: «التوحيد إفراد القديم من المحدَث» اهـ.فتح الباري، ابن حجر، 7/124. وقوله هذا فيه إبطال عقيدتَيْ وحدة الوجود والحلول. ولا يغتر بوجود هذه الكلمة: «ما الكون إلا القيوم الحيّ» في ديوان الشيخ عبد الغنيّ النابلسيّ أو ديوان الشيخ محيي الدين بن عربيّ فهما بريئان منها ومن مثلها لأنهما من أكابر الموحّدين المنـزّهين، فقد قال الشيخ عبد الغنيّ في بيان كفر التشبيه وأنه يكفر من اعتقد واحدة منها ما نصه: «أو أنه ـ أي الله ـ له الحلول في شىء من الأشياء أو في جميع الأشياء، أو أنه متَّحِد بشىء من الأشياء أو بجميع الأشياء، أو أن الأشياء منحلّة منه أو شىء منه، وجميع ذلك كفر صريح والعياذ بالله، وسببه الجهل بمعرفة الأمر على ما هو عليه» اهـ. وكيف يُنسب إليه هذا وهو القائل في منظومته في التوحيد: [الرجز]

          معرفةُ الله عليكَ تُفترضْ                 بأنهُ لا جوهرٌ ولا عَرَضْ اهـ.

    فمن قال بخلاف ذلك لم يعرف التوحيد ولا هو من أهله. وقد تفشى مذهب الحلول في هذا العصر لدى زنادقة المتصوفة، ومن أبرزهم اليشرطية وهم طائفة تنتسب بالأصل للطريقة الشاذلية، وقد انحرفوا عن شيخهم علي نور الدين اليشرطي الذي حذّر منهم في حياته كما ذكر صاحب «جامع كرامات الأولياء» يوسف النبهاني في ترجمته، والطريقة الشاذلية الحقّة بريئة من هذه العقائد الفاسدة.

[4] ) فائدة: المنتسبون إلى الإمام الشافعي ثلاث مراتب، أعلاها أصحاب الوجوه، وهم الذين يستنبطون من كلام الإمام ما لم ينص عليه، تليهم مرتبة أخرى هي مرتبة أصحاب الترجيح، وهم الذين يرجحون قولًا على قول للشافعي إذا كان للشافعي في المسألة قولان، أو يرجحون وجهًا على وجه من الوجوه التي استنبطها أصحاب الشافعي الذين فوقهم. ثم تلي هذه المرتبة النَّقَلَةُ، وهؤلاء ليس لهم ترجيح ولا استنباط، إنما غاية أمرهم أنهم ينقلون ما قاله الإمام أو ما قاله أصحابه.

[5] ) طبقات الشافعية الكبرى، السبكيّ، ترجمة العزّ بن عبد السلام، 8/219.