قال بعض الوهابية: إنا نؤول الآيات التي ظواهرها أن الله في جهة تحت أي كقوله تعالى ﴿… وهو معكم أين ما كنتم … *﴾ [سورة الحديد] لأن ظاهرها أن الله يتنقل مع البشر حيثما حلوا، قال الوهابي لأن جهة تحت نقص على الله وجهة فوق تعظيم يقال له قد أثبت التأويل الذي تعيبه على أهل السنة فما هذا التحكم؟! على أن قولك هذا يدل على أن الله تعالى ينتفع بخلقه ويتشرف بالعرش وهذا تنقيص لله لأن الله غني عن الانتفاع بشىء من خلقه لا ينتفع بشىء من خلقه ولا ينضر بشىء من خلقه لأن الله تعالى وصف نفسه بأنه «غني» وغنى الله تعالى عدم انتفاعه بشىء من خلقه فوجب تنزيه الله تعالى عن الحلول في جهة فوق وجهة تحت كما هو مذهب أهل السنة السلف والخلف، قال الطحاوي: «تعالى – يعني الله – عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات» و «لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات».
ومن العجب العجاب ما قاله بعض زعماء الوهابية وهو ناصر الدين الألباني إن الله محيط بمعنى أنه تعالى اكتنف العالم من جميع الجهات يعني كإحاطة الحقة لما فيها أي بمعنى أن العالم محوي لله تعالى ذكر ذلك في تعليقه على كتاب «الترغيب والترهيب» [(146)]، وسمعته من بعض أتباعه الدمشقيين. وهؤلاء المجسمة الوهابية وسلفهم كابن تيمية عندهم العلو بالجهة ولا يدرون أن العلو علو القدر ومما يدل على ذلك أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل العالم وهو خلق من التراب وعاش في الأرض ومات فدفن فيها فلو كانت الرفعة والعلو بالمكان والجهة كان خلقه عليه السلام في جهة فوق – العرش أو السماء – أي لو كان علو القدر بارتفاع المكان لجعل الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم مخلوقا في جهة العرش وعائشا فيه في حياته وبعد مماته.
وفي كتاب «التذكرة الشرقية» للإمام المحدث أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري [(147)]: «فإن قيل أليس الله يقول ﴿ الرحمان على العرش استوى *﴾ [سورة طه] فيجب الأخذ بظاهره، قلنا: الله يقول أيضا ﴿… وهو معكم أين ما كنتم … *﴾ [سورة الحديد] ويقول تعالى… ألا إنه بكل شيء محيط *﴾ [سورة فصلت] فينبغي أيضا أن نأخذ بظاهر هذه الآيات حتى يكون على العرش وعندنا ومعنا ومحيطا بالعالم محدقا به بالذات في حالة واحدة والواحد يستحيل أن يكون بذاته في حالة بكل مكان، قالوا: قوله تعالى ﴿… وهو معكم أين ما كنتم … *﴾ يعني بالعلم و ﴿… ألا إنه بكل شيء محيط *﴾ إحاطة العلم [(148)]، قلنا وقوله ﴿ الرحمان على العرش استوى *﴾ قهر وحفظ وأبقى» اهـ، «ولو أشعر ما قلنا توهم غلبته لأشعر قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده … *﴾ بذلك أيضا حتى يقال كان مقهورا قبل خلق العباد هيهات! إذ لم يكن للعباد وجود قبل خلقه إياهم بل لو كان الأمر على ما توهمه الجهلة من أنه استواء بالذات لأشعر ذلك بالتغير واعوجاج سابق على وقت الاستواء فإن البارئ كان موجودا قبل العرش.
ومن أنصف علم أن قول من يقول العرش بالرب استوى أمثل من قول من يقول الرب بالعرش استوى. فالرب إذا موصوف بالعلو وفوقية الرتبة والعظمة منزه عن الكون في المكان وعن المحاذاة» اهـ.
ثم قال [(149)]: «وقد نبغت نابغة من الرعاع لولا استنزالهم للعوام بما يقرب من أفهامهم ويتصور في أوهامهم لأجللت هذا الكتاب عن تلطيخه بذكرهم يقولون نحن نأخذ بالظاهر ونحمل الآيات الموهمة تشبيها والأخبار الموهمة حدا وعضوا على الظاهر ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شىء من ذلك ويتمسكون – على زعمهم – بقول الله تعالى ﴿… وما يعلم تاويله إلا الله … *﴾ [سورة ءال عمران] وهؤلاء والذي أرواحنا بيده أضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان لأن ضلالات الكفار – أي غير المنتسبين إلى الإسلام – ظاهرة يتجنبها المسلمون وهؤلاء أتوا الدين والعوام من طريق يغتر به المستضعفون فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلوا في قلوبهم وصف المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات فاعتقد الفضائح فسال به السيل وهو لا يدري» انتهى كلام أبي النصر القشيري.
قال الفقيه اللغوي المحدث الحافظ محمد مرتضى الزبيدي نقلا عن الحافظ تقي الدين السبكي [(150)]: «المقدم على هذا التأويل – أي تفسير الاستواء بالاستيلاء – لم يرتكب محذورا ولا وصف الله بما لا يجوز عليه» اهـ، ثم قال فيمن يفسر الاستواء بالقعود [(151)]: «ومن أطلق القعود وقال إنه لم يرد صفات الأجسام قال شيئا لم تشهد له به اللغة فيكون باطلا وهو كالمقر بالتجسيم المنكر له فيؤاخذ بإقراره ولا يفيده إنكاره» اهـ. وبذلك فسرها الإمام المحدث عبد الرحيم القشيري أبو نصر كما تقدم.
ثم قال السبكي [(152)]: «واعلم أن الله تعالى كامل الملك أزلا وأبدا والعرش وما تحته حادث فأتى قوله تعالى ﴿… ثم استوى على العرش … *﴾ [سورة الأعراف] لحدوث العرش لا لحدوث الاستواء» اهـ فهذا ذهاب من السبكي إلى أن الاستواء وإن كان صفة فعل قديم غير حادث كما هو مذهب السلف أبي حنيفة والبخاري وغيرهما فإنهما قالا: «إن فعل الله صفته في الأزل والمفعول مخلوق». فما أقبح ما تتوهمه الجهلة من أن معنى الآية أن الله خلق السموات والأرض وهو أسفل العرش ثم ارتفع وصعد إلى العرش واستقر عليه أو في الفضاء بإزائه بلا مماسة عند بعضهم وبمماسة عند بعض، وكلام ابن تيمية في بعض المواضع يدل على المماسة وفي بعضها على المحاذاة بلا مماسة والله منزه عن الأمرين كما يدل حديث عمران بن الحصين: «كان الله ولم يكن شىء غيره» حيث إنه دل على أنه كان قبل العالم بأسره قبل المكان بلا مكان ولا خلاء ولا ملاء إذ كل من المكان والخلاء والملاء محدث فهو تعالى كما قال الإمام الناسك الزاهد ذو النون المصري: «مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك» [(153)]، وهو مفهوم من قوله تعالى ﴿… ليس كمثله شيء … *﴾ [سورة الشورى].
وفي البخاري عن مجاهد [(154)]: «استوى على العرش علا»، وأما ما روي عن أبي العالية أنه قال: «استوى إلى السماء ارتفع» فقد قال ابن بطال [(155)]: «فيه نظر»، نقله الحافظ ابن حجر [(156)].
فتبين أن تفسير استوى باستولى ليس فيه تجسيم لله ولا نسبة نقص لأن الاستيلاء بمعنى القهر، ولا عبرة بإنكار ابن تيمية لذلك فإن كان إنكاره من حيث اللغة فلا وجه له ولا مستند قال الشاعر: [الطويل]
فلما علونا واستوينا عليهم جعلناهم مرعى لنسر وطائر
وإن كان من حيث المعنى فقول ابن تيمية محتجا لإنكار التفسير باستولى أن استوى جاء في القرءان في سبعة مواضع ولو كان بمعنى استولى لجاء في موضع، قال الحافظ تقي الدين السبكي في رده [(157)]: «وهذا الذي قاله ليس بلازم فالمجاز قد يطرد» اهـ.
وقال التقي السبكي [(158)]: «وكتاب العرش من أقبح كتبه أي ابن تيمية ولما وقف عليه الشيخ أبو حيان ما زال يلعنه حتى مات بعد أن كان يعظمه» اهـ.
قال البيهقي [(159)]: «وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير وأنه جسم مجسم خلقه الله تعالى وأمر ملائكته بحمله وتعبدهم بتعظيمه والطواف [به] كما خلق في الأرض بيتا وأمر بني ءادم بالطواف [به] واستقباله في الصلاة» اهـ.
ـ[146] انظر كتابه المسمى صحيح الترغيب والترهيب (1/ 116).
ـ[147] إتحاف السادة المتقين (2/ 108).
ـ[148] أي قد أولتم مع أنكم تدعون أنه ضلال ومع أن أهل السنة لا يؤولون إلا لدليل لا تشهيا.
ـ[149] إتحاف السادة المتقين (2/ 109).
ـ[150] و [(1289)] و [(1290)] إتحاف السادة المتقين (2/ 107).
ـ[151] ونقلت مثل هذه العبارة عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
ـ[152] رواه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب { … وكان عرشه على الماء … *} [سورة هود].
ـ[153] شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/ 448).
ـ[154] فتح الباري (13/ 406).
ـ[155] إتحاف السادة المتقين (2/ 106).
ـ[156] المرجع السابق.
ـ[157] الأسماء والصفات (ص/392).
ـ[158] انظر المنهاج (1/ 262).
ـ[159] عدة الحصن الحصين (ص/20).