الأربعاء فبراير 18, 2026

قوله بحوادث لا أول لها لم تزل مع الله
أي لم يتقدم الله جنس الحوادث، وإنما تقدم أفراده المعينة أي أن كل فرد من أفراد الحوادث بعينه حادث مخلوق، وأما جنس الحوادث فهو أزلي كما أن الله أزلي، أي لم يسبقه الله تعالى بالوجود.
وهذه المسألة من أبشع المسائل الاعتقادية التي خرج بها عن صحيح العقل وصريح النقل وإجماع المسلمين، ذكر هذه العقيدة في خمسة من كتبه: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ومنهاج السنة النبوية، وكتاب شرح حديث النزول، وكتاب شرح حديث عمران بن حصين، وكتاب نقد مراتب الإجماع، وكل هذه الكتب مطبوعة.
أما عبارته في الموافقة فهي ما نصه [1]: وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثا بل قديما، ويفرقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده كما يفرق جمهور العقلاء بيم دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه اهـ. وقال في موضع ءاخر في رد قاعدة ما لا يخلو من الحادث حادث لأنه لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزليا بعدما نقل عن الأبهري أنه قال: قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كان شيء من الحركات بعينها لازما للجسم، وليس كذلك بل قبل كل حركة لا إلى أول، ما نصه [2]: قلت هذا من نمط الذي قبله فإن الأزلي اللازم هو نوع الحادث لا عين الحادث، قوله لو كانت حادثة في الأزل لكان الحادث اليومي موقوفا على انقضاء ما لا نهاية له، قلنا: لا نسلم بل يكون الحادث اليومي مسبوقا بحوادث لا أول لها اهـ.
فهذا من عجائب ابن تيمية الدالة على سخافة عقله قوله بقدم العالم القدم النوعي مع حدوث كل فرد معين من افراد العالم. قال الكوثري [3] في تعلقيه على السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل ما نصه [4]: وأين قدم النوع مع حدوث أفراده؟ وهذا لا يصدر إلا ممن به مس، بخلاف المستقبل، وقال أبو يعلى الحنبلي في [المعتمد]: “والحوادث لها أول ابتدأت منه خلافا للملحدة” اهـ. وهو من أئمة الناظم –يعني ابن القيم- فيكون هو وشيخه من الملاحدة على رأي أبي يعلى هذا فيكونان أسوأ حالا منه في الزيغ، ونسأل الله السلامة اهـ.
وقال –أي ابن تيمية- في منهاج السنة النبوية ما نصه [5]: فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب، قلنا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل…” وقال في موضع ءاخر ما نصه [6]: وحينئذ فيمتنع كون شيء من العالم أزليا وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائما لم يزل، فإن الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد بل ما من وقت يقدر إلا وقبله وقت ءاخر، فلا يلزم من دوام النوع قدم شيء بعينه” اهـ. ومضمون هذا أمران: أحدهما أنه يقر ويعتقد قدم الأفراد من غير تعيين شيء منها، ثم هذا يتحصل منه مع ما نقل عنه الجلال الدواني [7] في كتاب شرح العضدية بقوله: وقد رأيت في تأليف لأبي العباس أحمد بن تيمية القول بالقدم الجنسي في العرش. أنه كان يعتقد أن جنس العرش أزلي أي ما من عرش إلا وقبله عرش إلى غير بداية وأنه يوجد ثم ينعدم ثم يوجد ثم ينعدم وهكذا، أي أن العرش جنسه أزلي لم يزل مع الله ولكن عينه القائم الآن حادث.
وفي كتاب ابن تيمية ليس سلفيا ما نصه [8]: قال فضيلة الدكتور سليمان دنيا أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالأزهر: قال في كتابه [الحقيقة في نظر الغزالي] صحيفة 545، 456 نقلا عن شرح العقائد العضدية لجلال الدين الدواني إن ابن تيمية قائل بقدم العالم بالجنس بمعنى أنه لا يزال فرد من أفراد العالم موجودا، وما من جزء من أجزاء الزمان إلا وقد كان فيه حادث إلى غير نهاية، وذلك أن ابن تيمية كان من الحنابلة الآخذين بظواهر الآيات والأحاديث القائلين بأن الله استوى على العرش جلوسا، فلما أورد عليهم أنه يلزم أن يكون العرش أزليا لما أن الله أزلي فمكانه أزلي قال: إنه قديم بالنوع أي أن الله لا يزال يعدم عرشا ويحدث ءاخر من الأزل إلى الأبد حتى يكون له الاستواء أزلا وأبدا اهـ.
وعبارة الدواني في شرح العضدية: وقد رأيت في تأليف لأبي العباس أحمد بن تيمية القول بالقدم الجنسي في العرش اهـ. ومن علم هذا علم صحة قول الحافظ أبو زرعة العراقي في ابن تيمية أن علمه أكبر من عقله، يعني أن حظه كثرة المحفوظات لا صحة الفهم.

والأمر الثاني أنه أثبت قدم الزمان.
وقال في موضع ءاخر من المنهاج [9] ما نصه: ومنهم من يقول بمشيئته وقدرته –أي أن فعل الله بمشيئته وقدرته- شيئا فشيئا، لكنه لم يزل متصفا به فهو حادث الآحاد قديم النوع كما يقول ذلك من يقوله من أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف اهـ. انظروا كيف افترى كعادته هذه المقولة الخبيثة على أئمة الحديث، وهذا شيء انفرد به ووافق به متأخري الفلاسفة، لكنه تقول على أئمة الحديث والفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم وافترى عليهم، ولم يقل أحد منهم ذلك لكن أراد أن يروج عقديته المفتراة بين المسلمين على ضعاف الأفهام، ويربأ بنفسه عن أن يقال إنه وافق الفلاسفة في هذه العقيدة.
وقد رد على ابن حزم في نقد مراتب الإجماع [10] لنقله الإجماع على أن الله لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، وأن المخالف بذلك كفر باتفاق المسلمين، فقال ابن تيمية بعد كلام ما نصه: وأعجب من ذلك حكايته الإجماع على كفر من نازع أنه سبحانه لم يزل وحده ولا شيء غيره معه اهـ. وهذه عبارته في نقد مراتب الإجماع فهذا صريح في اعتقاده أن جنس العالم أزلي لم يتقدمه الله بالوجود.
أما عبارته في شرح حديث عمران بن الحصين [11] فهي: “وإن قدر أن نوعها –أي الحوادث- لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل، بل هي من كماله، قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [سورة النحل/17]”. وقال: “والخلق لا يزالون معه” إلى أن قال: “لكن يشتبه على كثير من الناس النوع بالعين” اهـ.
وقال في شرح حديث النزول [12] في الرد على من قال: ما لا يخلو من الحوادث حادث، وعلى من قال: ما لا يسبق الحوادث حادث، ما نصه: إذ لم يفرقوا بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين اهـ. يريد أن القول بقيام حوادث لا أول لها بذات الله لا يقتضي حدوثه.
وقد أثبت هذه العقيدة عن ابن تيمية الحافظ السبكي في رسالته الدرة المضية، وأبو سعيد العلائي.
فقد ثبت عن السبكي ما نقله عنه تلميذه الصفدي وتلميذ ابن تيمية أيضا في قصيدته المشهورة عند المنتصرين لابن تيمية وقد تضمنت الرد على الحلي ثم ابن تيمية لقوله بأزلية جنس العالم وأنه يرى حوادث لا ابتداء لوجودها كما أن الله لا ابتداء لوجوده قال –أي السبكي- ما نصه:
ولاين تيمية رد عليه وفى *** بمقصد الرد واستيفاء أضربه
لكنه خلط الحق المبين بما *** يشوبه كدر في صفو مشربه
يحاول الحشو أنى كان فهو له *** حثيث سير بشرق أو بمغربه
يرى حوادث لا مبدا لأولها *** في الله سبحانه عما يظن به
وقال العلامة البياضي الحنفي في كتابه إشارات المرام [13] بعد ذكر الأدلة على حدوث العالم ما نصه: “فبطل ما ظنه ابن تيمية من قدم العرش كما في شرح العضدية” اهـ.
هذا، وقد نقل المحدث الأصولي بدر الدين الزركشي في تشنيف المسامع [14] اتفاق المسلمين على كفر من يقول بأزلية نوع العالم فقال بعد أن ذكر أن الفلاسفة قالوا: إن العالم قديم بمادته وصورته، وبعضهم قال: قديم المادة محدث الصورة، ما نصه: “وضللهم المسلمون في ذلك وكفروهم” اهـ. ومثل ذلك قال الحافظ ابن دقيق العيد والقاضي عياض والحافظ ابن حجر في شرح البخاري.
فقول ابن تيمية بأزلية نوع العالم مخالف للقرءان والحديث الصريح وإجماع الأمة وقضية العقل، أما القرءان فقوله تعالى: {هو الأول والآخر} [سورة الحديد/3]، فليس معنى هو الأول إلا أنه هو الأزلي الذي لا أزلي سواه أي أن الأولية المطلقة لله فقط لا تكون لغيره، فأشرك ابن تيمية مع الله غيره في الأولية التي أخبرنا الله بأنها خاصة له، وذلك لأن الأولية النسبية هي في المخلوق، فالماء له أولية نسبية أي أنه اول المخلوقات بالنسبة لغيره من المخلوقات، ثم تلاه العرش ثم حدث ما بعدهما وهو القلم الأعلى واللوح المحفوظ ثم الأرض ثم السماوات، ثم ما ذكره الله تعالى بقوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} [سورة النازعات/30].
وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري في كتاب بدء الخلق وغيره: “كان الله ولم يكن شيء غيره” الذي توافقه الرواية الأخرى رواية أبي الزبير: “كان الله قبل كل شيء” ورواية: “كان الله ولم يكن معه شيء”.
وأما رواية البخاري في أواخر الجامع: “كان الله ولم يكن شيء قبله” فترد إلى روايته في كتاب بدء الخلق وذلك متعين، ولا يجوز ترجيح رواية: “كان الله ولم يكن شيء قبله” على رواية: “كان الله ولم يكن شيء غيره” كما أومأ إلى ذلك ابن تيمية، لأن ظاهر رواية: “كان الله ولم يكن شيء قبله” يوافق ما يزعمه كما أشار لذلك الحافظ ابن حجر في شرح البخاري عند ذكر حديث: “كان الله ولم يكن شيء قبله” فقال فيما حاول ابن تيمية من ترجيح هذه الرواية على تلك الرواية توصلا إلى عقيدته من إثبات حوادث لا أول لها ما نصه: وهذه من أشنع المسائل المنسوبة له –يعني ابن تيمية- اهـ.
أقول: ولا أدري لماذا لم يجزم ابن حجر بقول ابن تيمية بهذه المسألة مع أنه ذكر في كتابه لسان الميزان قول الحافظ السبكي في ابن تيمية في تلك الابيات التي منها: يرى حوادث لا مبدا لأولها في الله وأنه يقول بتجدد حوادث في ذات الله كلمات وإرادات بحسب المخلوقات. وهو المراد بقول ابن تيمية نوع العالم أزلي وأفراده حادثة.
وكذلك رواية مسلم: “اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء” ترد إلى رواية البخاري: “كان الله ولم شيء غيره” فإن لم ترد ورجحت رواية مسلم كان ذلك رجوعا إلى قول الفلاسفة وإلغاء لرواية البخاري.

فخالف ابن تيمية القرءان والحديث وقضية العقل التي لم يخالف فيها إلا الدهرية وامثاله، وهذا ليس مشكوكا في نسبته إلى ابن تيمية ذكر ذلك في خمسة من كتبه كما مر، وعبر في بعضها بأزلية جنس العالم. ولو لم يكن نص ابن تيمية في كتبه الخمسة التي هي في متناول من يريد الاطلاع عليها لأنها طبعت، لكفى شهادة الحافظين الإمامين الجليلين المتفق على إمامتهما تقي الدين السبكي وأبو سعيد العلائي، وقد تقدمت ترجمة السبكي في كتاب أعيان العصر لتلميذه الصفدي بتوسع ووصفه له بالثناء البالغ لينزل بمنزلته لما صح من حديث رسول الله: “أنزلوا الناس منازلهم” رواه أبو داود من حديث عائشة.
وابن تيمية قد أخذ هذه المسألة أعني قوله بقدم نوع العالم عن متأخري الفلاسفة لأنه اشتغل بالفلسفة كما قال الذهبي وإن كان معروفا بتشديد النكير على إرسطو وغيره لقولهم العالم أزلي بجنسه وتركيبه وصورته على أن قسما من الفلاسفة لم يقولوا بهذه المقالة قال ابن أمير الحاج في كتابه التقرير والتحبير [15]: بخلاف إجماع الفلاسفة على قدم العالم –يعني أنه لا يعتبر- لأنه عن نظر عقلي يزاحمه الوهم فإن تعارض الشبه واشتباه الصحيح بالفاسد فيه كثير ولا كذلك الإجماع في الشرعيات فإن الفرق فيها بين القاطع والظني بين لا يشتبه على أهل المعرفة والتمييز فضلا عن المحققين المجتهدين، على أن التواريخ دلت على من يقول بحدوث العالم منهم –أي الفلاسفة- فلا إجماع لهم على ذلك، فقد قال الفقيه المحدث الحنفي تلميذ الحافظ ابن حجر في شرحه على تحرير ابن الهمام في الأصول ممزوجا مع المتن ما نصه: وجدت بحجر في أساس الحائط الجيروني من جامع دمشق حسبما ذكره الإمام القفطي في كتابه إنباء الرواة على أنباء النحاة ولا بأس بسوقه ذكر المشار إليه في ترجمة أبي العلاء المقري عمن ذكر أنه قرئ بحضرته يوما: أن الوليد لما تقدم بعمارة دمشق أمر المتولين لعمارته أن لا يضعوا حائطا إلا على جبل فامتثلوا، وتعسر عليهم وجود جبل لحائط جهة جيرون وأطالوا الحفر امتثالا لمرسومه، فوجدوا رأس حائط مكين العمل كثير الأحجار يدخل في عملهم، فاعلموا الوليد أمره وقالوا نجعل رأسه أسا فقال: اتركوه واحفروا قدامه لتنظروا أسه وضع على حجر أم لا؟ ففعلوا ذلك فوجدوا في الحائط بابا وعليه حجر مكتوب بقلم مجهول، فأزالوا عنه التراب بالغسل ونزلوا في حفره لونا من الاصباغ فتميزت حروفه وطلبوا من يقرؤها فلم يجدوا ذلك، وتطلب الوليد المترجمين من الآفاق حتى حضر منهم رجل يعرف اليونانية الأولى فقرأ الكتابة الموجودة فكانت: باسم الموجد الأول أستعين، لما أن كان العالم محدثا لاتصال أمارات الحدوث به وجب أن يكون له محدث لا كهؤلاء كما قال ذو السنين وذوي اللحيين وأشياعهما حينئذ أمر بعمارة هذا الهيكل من صلب ماله محب الخير على مضي ثلاثة ءالاف وسبعمائة عام لاهل الأسطوان، فإن رأى الداخل إليه ذكر بانيه عند بارئه بخير فعل والسلام اهـ.
ونقل ذلك أيضا الحافظ المؤرخ شمس الدين بن طولون في كتابه ذخائر القصر قال ما نصه: ووجد مكتوب على عتبة على أساس الجامع الأموي بدمشق بالقلم اليوناني وفسر: باسم الحي الأزلي لما كان العالم محدثا وجب أن يكون له محدث ليس هو كهو فأدت الضرورة إلى تعظيمه والخضوع لقربه لا كما قال ذو اللحيين وذو السنين وأشياعهما انتدب لعمارة هذا الهيكل المبارك والإنفاق عليه من ماله محب الخير فإن أمكن الداخل فيه ذكر بانيه عند بارئه بشيء من خير شكر فعله والسلام وذلك لألفي سنة مضت لأصحاب الأسطوان اهـ.
الهوامش:
[1] أنظر الموافقة [1/75].
[2] أنظر الموافقة [1/245].
[3] محمد زاهد بن الحسن الكوثري [1296-1371هـ=1879- 1952ر] فقيه حنفي، تفقه في جامع الفاتح بالأستانة ودرس فيه، ثم جاء إلى الإسكندرية عام 1922ر. ثم استقر في القاهرة موظفا في دار المحفوظات، له تآليف كثيرة منها: الاستبصار في التحدث عن الجبر والاختيار، وله نحو مائة مقالة جمعت في كتاب مقالات الكوثري.
[4] أنظر السيف الصقيل [ص/74].
[5] أنظر المنهاج [1/24].
[6] أنظر المنهاج [1/109].
[7] الدواني عالم مشهور ترجمه الحافظ السخاوي في البدر الطالع ووثقه.
[8] أنظر الكتاب [ص/242] لمنصور محمد محمد عويس.
[9] انرظ المنهاج [1/224].
[10] انظر نقد مراتب الإجماع [ص/168].
[11] انظر الكتاب [ص/193].
[12] انظر الكتاب [ص/161].
[13] انظر الكتاب [ص/197].
[14] انظر تشنيف المسامع [ص/342] [مخطوط].
[15] انظر الكتاب [3/84].

فائدة:
مما يبطل قول ابن تيمية بقيام كلام حادث الأفراد أزلي النوع وإرادة حادثة الأفراد قديمة النوع في ذات الله، ما قاله أبو الفضل التميمي في كتابه اعتقاد الإمام أحمد: وذهب أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى أن الله عز وجل يغضب ويرضى وأن له غضبا ورضا، وقرأ أحمد قوله عز وجل: {ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} [سورة طه/81] وأضاف الغضب إلى نفسه وقال عز وجل: {فلما ءاسفونا انتقمنا منهم} [سورة الزخرف/55] الآية، قال ابن عباس: يعني أغضبونا، وقوله أيضا: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} [سورة النساء/93] الآية، ومثل ذلك في القرءان كثير، والغضب والرضا صفتان له من صفات نفسه لم يزل الله تعالى غاضبا على ما سبق في علمه أن يكون مما يغضبه ولم يزل راضيا على ما سبق في العلم أنه يكون مما يرضيه، وأنكر أصحابه على من يقول إن الرضا والغضب مخلوقان، قالوا فمن قال ذلك لزمه أن غضب الله عز وجل على الكافرين يفنى وكذلك رضاه على الأنبياء والمؤمنين حتى لا يكون راضيا على أوليائه ولا ساخطا على أعدائه، ويسمى ما كان عن الصفة باسم الصفة مجازا في بعض الأشياء، ويسمى عذاب الله تعالى وعقابه غضبا وسخطا لأنهما عن الغضب كانا، وقد أجمع المسلمون لا يتناكرون أنهم إذا رأوا الزلازل والأمطار العظيمة أنهم يقولون هذه قدرة الله تعالى، والمعنى أنها عن قدرة كانت، وقد يقول الإنسان في دعائه: اللهم اغفر لنا علمك فينا وإنما يريد معلومك الذي علمته، فسموا المعلوم باسم العلم، وكذلك سموا المرتضى باسم الرضى وسموا المغضوب باسم الغضب اهـ.
فما أعظم هذه الفائدة ففيها رد لما يحتج به أتباع ابن تيمية لحدوث صفات الله تعالى بحديث الشفاعة المشهور أن ءادم وغيره يقول: إن الله غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، فزعم هؤلاء المشبهة أن الله يحدث له في ذلك الوقت صفة حادثة في ذاته. وهذه الفائدة تبين فساد فهم هؤلاء الذين ينتسبون إلى مذهب أحمد وهم على خلافه في الحقيقة.
ومن جملة افتراءات ابن تيمية على أئمة الحديث وأهل السنة والجماعة نقله عنهم أن الله متكلم بصوت نوعه قديم أي يحدث في ذات الله شيئا بعد شيء قال في كتابه رسالة في صفة الكلام [1] ما نصه: وحينئذ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وإن قيل إنه ينادي ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين، وإذا كان قد تكلم بالتوراة والقرءان والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين، وإن كان نوع الباء والسين قديما لم يستلزم أن يكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة لما علم من الفرق بين النوع والعين اهـ.
وقال في موضع [2] ءاخر منه: وقال الشيخ الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبا حامد الإسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرءان كلام الله غير مخلوق ومن قال إنه مخلوق فهو كافر والقرءان حمله جبريل عليه السلام مسموعا من الله والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي نتلوه نحن مقروء بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومقروءا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين اهـ.
وقال في المنهاج [3]: “وسابعها قول من يقول إنه لم يزل متكلما إذا شاء بكلام يقوم به وهو متكلم بصوت يسمع وإن نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعين قديما وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة وبالجملة أهل السنة والجماعة أهل الحديث” اهـ.
أقول: فلا يغتر مطالع كتبه بنسبة هذا الرأي الفاسد إلى أئمة أهل السنة وذلك دأبه أن ينسب رأيه الذي يراه ويهواه إلى أئمة أهل السنة وليعلم الناظر في مؤلفاته أن هذا تلبيس وتمويه محض يريد أن يروجه على ضعفاء العقول الذين لا يوفقون بين العقل والنقل وقد قال الموفقون من أهل الحديث وغيرهم إن ما يحيله العقل فلا يصح أن يكون هو شرع الله كما قال ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي وقال: إن الشرع لا يأتي إلا بمجوزات العقول، وبهذا يرد الخبر الصحيح الإسناد أي إذا لم يقبل التأويل كما قاله علماء المصطلح في بيان ما يعلم به كون الحديث موضوعا، وأيدوا ذلك بأن العقل شاهد الشرع فكيف يرد الشرع بما يكذبه شاهده.
قال الحافظ ابن حجر [4]: قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي غير حديثه، فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره في حديث ابن مسعود [5] وفي حديث أبي هريرة أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتا، فيحتمل أن يكون الصول للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصا في المسألة، وأشار –يعني البيهقي- في موضع ءاخر إلى أن الراوي أراد فينادي نداء فعبر عنه بصوت. انتهى.
قال الكوثري في مقالاته [6] ما نصه: ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث. أقول: وكذا قال البيهقي في الأسماء والصفات، فليس فيها ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات لأن حديث الصفات لا يقبل إلا أن يكون رواته كلهم متفق على توثيقهم، وهذه الروايات المذورة في فتح الباري في كتاب التوحيد ليست على هذا الشرط الذي لا بد من حصوله لأحاديث الصفات كما ذكره صاحب الفتح في كتاب العلم. لكنه خالف في موضه بما أورده في كتاب التوحيد من قوله: بعد صحة الأحاديث يتعين القول بإثبات الصوت لله ويؤول على أنه صوت لا يستلزم المخارج. ثم قال وقد أفاض الحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ المنذري في رسالة خاصة في تبيين بطلان الروايات في ذلك زيادة على ما يوجبه الدليل العقلي القاضي بتنزيه الله عن حلول الحوادث فيه سبحانه، وإن أجاز ذلك الشيخ الحراني [7] تبعا لابن ملكا اليهودي الفيلسوف المتمسلم، حتى اجترأ على أن يزعم أن اللفظ حادث شخصا قديم نوعا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتما، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديما بالنوع، ويكون قدمه بهذا الاعتبار في نظر هذا المخرف، تعالى الله عن إفك الأفاكين، ولم يدر المسكين بطلان القول بحلول الحوادث في الله جل شأنه وأن القول بحوادث لا أول لها هذيان، لأن الحركة انتقال من حالة إلى حالة، فهي تقتضي بحسب ماهيتها كونها مسبوقة بالغير، والأزل ينافي كونه مسبوقا بالغير، فوجب أن يكون الجمع بينهما محالا، ولأنه لا وجود للنوع إلا في ضمن أفراده، فادعاء قدم النوع مع الاعتراف بحدوث الأفراد يكون ظاهر البطلان. وقد أجاد الرد عليه العلامة قاسم في كلامه على المسايرة اهـ.
فلا يصح حمل ما ورد في النص من النداء المضاف إلى الله تعالى في حديث: “يحشر الله العباد فيناديهم بصوت…” على الصوت على معنى خروجه من الله، فتمسك المشبهة بالظاهر لاعتقاد ذلك تمويه لا يروج إلا عند سخفاء العقول الذين حرموا منفعة العقل الذي جعل الشرع له اعتبارا، وهل عرفت المعجزة أنها دليل على صحة نبوة من أتى بها من الأنبياء إلا بالعقل؟
وقال –أي الكوثري- في تعليقه على السيف الصقيل ما نصه [8]: وحديث جابر المعلق في صحيح البخاري مع ضعفه في سياق ما بعده من حديث أبي سعيد ما يدل على أن المنادى غير الله حيث يقول [… فينادى بصوت إن الله يأمرك…] فيكون الإسناد مجازيا، على أن الناظم –يعني ابن زفيل وهو ابن قيم الجوزية- ساق في [حادي الأرواح] بطريق الدارقطني حديثا فيه: “يبعث الله يوم القيامة مناديا بصوت…” وهذا نص من النبي صلى الله عليه وسلم على أن الإسناد في الحديث السابق مجازي، وهكذا يخرب الناظم بيته بيده وبأيدي المسلمين، وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في أحاديث الصوت فليراجع ثمة اهـ.
فإذا قال قائل إن بعض اللغويين قال: النداء الصوت، قلنا ليس مراد من قال ذلك أن النداء لا يكون في لغة العرب في جميع الموارد إلى بالصوت، وإنما المراد أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت، وقد قال ءاخرون من اللغويين: النداء طلب الإقبال، فليعلم المغفلون الآن ما جهلوه من أن قول السلف عند ذكر تلك الآيات وتلك الأحاديث بلا كيف معناه ليس على ما يفهمه الناس من صفات المخلوقين، ولو كان يصح أن يكون قول الله تعالى: {وجاء ربك} [سورة الفجر/22] المجيء المعهود من الخلق ما قال الإمام أحمد في هذه الآية: {وجاء ربك}: إنما جاءت قدرته.
الهوامش:
[1] انظر الكتاب [ص/51].
[2] انظر الكتاب [ص/54].
[3] انظر المنهاج [1/221].
[4] انظر فتح الباري [13/458].
[5] يعني به قوله: “إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئا، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق” –رواه البخاري- وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم لك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير” رواه البخاري.
[6] انظر المقالات [ص/32].
[7] يعني ابن تيمية، نسبة إلى حران.
[8] انظر الكتاب [ص/52].

فائدة أخرى
ناقض ابن تيمية نفسه في فتاويه حيث إنه يذكر في موضع أن التأويل حصل من بعض السلف، وفي موضع ينفي نفيا باتا، وهو محجوج في ذلك بثبوته عن الإمام سفيان الثوري أحد أجلاء السلف ومن أساطين أهل الحديث قال في تفسيره سورة القصص ما نصه: {كل شيء هالك إلا وجهه} [سورة القصص/88] قال: ما أريد به وجهه اهـ. فهذا تأويل صريح لوجه الله بأنه ما يتقرب به إليه من العبادات. وفي البخاري تفسير سورة القصص: {كل شيء هالك إلا وجهه} إلا ملكه، ويقال ما أريد به وجهه اهـ. وسبق سفيان والبخاري في تاويل الوجه مجاهد بن جبر راوي عبد الله بن عباس وغيره، وتبع الثلاثة الإمام أحمد بن حنبل فقد ثبت عنه تأويل المجيء المذكور في قوله تعالى: {وجاء ربك} [سورة الفجر/22].
وقال البيهقي في مناقب أحمد: أنبأنا الحاكم قال حدثنا أبو عمرو بن السماك قال: حدثنا حنبل بن إسحاق قال: سمعت عمي أبا عبد الله يعني أحمد يقول: احتجوا علي يومئذ –يعني يوم نوظر في دار أمير المؤمنين- فقالوا تجيء سورة البقرة يوم القيامة وتجيء سورة تبارك فقلت لهم: إنما هو الثواب. قال الله تعالى: {وجاء ربك} [سورة الفجر/22] إنما يأتي قدرته، وإنما القرءان أمثال ومواعظ. قال البيهقي وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السنة انتقالا من مكان إلى مكان كمجيء ذوات الأجسام ونزولها، وإنما هو عبارة عن ظهور ءايات قدرته فإنهم لما زعموا أن القرءان لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء والإتيان، فأجابهم أبو عبد الله بأنه إنما يجيء ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ فعبر عن إظهاره إياها بمجيئه اهـ.

ونقل ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير عن الإمام أحمد أنه فسر: {وجاء ربك} [سورة الفجر/22] بمجيء أمر مستدلا بقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك} [سورة النحل/33] والقرءان يفسر بعضه بعضا.

وقوله تعالى: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} [سورة الأعراف/22] فيه دليل على صحة رواية النسائي: “إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول فيأمر مناديا…” فكما أن الله تعالى نسب نداء الملك لآدم وحواء إلى نفسه لكونه بأمره، فكذلك صح إسناد نزول الملك إلى السماء الدنيا ليبلغ عن الله: “هل من داع فيستجيب الله له وهل من سائل فيعطى وهل من مستغفر فيغفر له” إلى الله. وفي الآية أيضا دليل على أن نداء الملك لبعض خلق الله بأمر الله يسند إلى الله من غير أن يكون هناك صوت يخرج من الله، فمن هنا يؤخذ رد اعتراض بعض المجسمة رواية النسائي لحديث النزول حيث إنه قال إن هذه الرواية تستلزم حصول قول من الملك: هل من مستغفر فأغفر له وهل من داع فأستجيب له. فنقول كما أن الله جعل نداء الملك لآدم وحواء بأن الله يقول لكما: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} [سورة الأعراف/22] كذلك يحمل حديث النزول على الرواية المشهورة على أن الله يأمر الملك بالنزول إلى السماء الدنيا ويبلغ عن الله بأن يقول: إن الله يقول لعباده الداعين والسائلين: من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه إلى ءاخر ما ورد فيه، وليس المعنى أن الملك يقول عن نفسه من يستغفرني فأغفر له ومن يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه. ونظير هذا ما جاء في القرءان من قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لا تحرك به لسانك لتعجل به* إن علينا جمعه وقرءانه* فإذا قرأناه فاتبع قرءانه} [سورة القيامة/16-17-18]، فقوله تعالى: {فإذا قرأناه} [سورة القيامة/18] معناه فإذا قرأه جبريل عليك بأمرنا، ومعلوم أنه ليس المعنى أن الله يقرأ القرءان على رسول الله كما يقرأ المعلم على التلميذ، فبهذا ينحل الإشكال الذي يخطر لبعض الناس.

ويلزم من التمسك بظاهر رواية البخاري ومالك وغيرهما لحديث النزول المشهور أن يكون الله فيما بين النصف الثاني من الليل والفجر مستمرا في النزول والصعود إن حملوا النزول بالنسبة لكل أرض، وذلك أن الليل يختلف باختلاف البلاد فنصف الليل في بلد هو أول النهار في بلد ءاخر وقد يكون في أرض أول الليل أو أقل أو أكثر، وإن حملوا النزول على أرض واحدة فيما بين انتصاف ليلها وفجرها فبأي حجة خصصوا النزول بأرض واحدة، والحديث ليس فيه بأرض كذا.

قال بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ما نصه [1]: اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه، لوجوه:

الأول: النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة: منتقل، ومنتقل عنه، ومنتقل إليه، وذلك على الله تعالى محال.

الثاني: لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله، وتنقلات كثيرة، لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا، من قوم إلى قوم، وعوده إلى العرش في كل لحظة على قولهم، ونزوله فيها إلى سماء الدنيا، ولا يقول ذلك ذو لب وتحصيل.

الثالث: أن القائل بأنه فوق العرش، وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا، وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة، فيلزم عليه أحد أمرين، إما اتساع الدنيا كل ساعة حتى تسعه، أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه، ونحن نقطع بانتفاء الأمرين اهـ.

وقال البيهقي في السنن الكبرى [1] ما نصه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [سورة الفجر/22] والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه جل الله تعالى عما تقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا. قلت: وكان أبو سليمان الخطابي رحمه الله يقول: إنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو تدلي من أعلى إلى أسفل وانتقال من فوق إلى تحت وهذه صفة الاجسام والأشباح فأنا نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده وعطفه عليهم واستجابة دعاءهم ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير اهـ.

فليعلم الجاهل الذي لا تمييز له أنه حاد عن الحق الذي اتفق عليه السلف والخلف، فإن من أول من السلف والخلف تأويلا إجماليا قال في حديث النزول وحديث الجارية وشبههما، وفي ءاية الاستواء على العرش والمجيء المذكور في قول الله تعالى: {وجاء ربك} [سورة الفجر/22] وشبههما من الآيات “بلا كيف”، ومرادهم إن ذلك على غير صفة من صفات الخلق أي ليس كالنزول الحسي ولا الاستواء بمعنى الجلوس والاستقرار، ولا المجيء بالانتقال والحركة وما هو من صفات المخلوق، فمعنى قولهم بلا كيف أن لهذه النصوص معان ليس فيها تشبيه لصفات الله بصفات الخلق.

وأما الذين أولوا التأويل التفصيلي كالذين أولوا المجيء بمجيء القدرة أي ءاثار قدرة الله، والنزول بنزول الملك أو نزول الرحمة وما أشبه ذلك كتأويل الإمام سفيان الثوري والإمام البخاري وجه الله المذكور في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [سورة القصص/88] بما أريد به وجه الله وبملك الله، فلم يصفوا الله تعالى بصفات المخلوقين، فكلا الفريقين لم يتمسك بظواهر تلك الآيات وتلك الأحاديث، فكل متفقون على تنزيه الله عن صفات المخلوقين وعلى أن تلك الآيات والأحاديث ليس معانيها المعاني المعهودة من الخلق، فلا أحد من الفريقين يعتقد في حديث النزول أن الله تعالى ينزل نزولا حسيا كنزول الملائكة والبشر، ولا أحد منهم يعتقد أن معنى الاستواء الجلوس والاستقرار على العرش أو الكون في جهة العلو من غير مماسة، وذلك تمسك منهم بمعنى قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى/11] الذي هو تنزيه كلي، فترد تلك الآيات والأحاديث إلى هذه الآية لأنها محكمة. فنفاة التأويل الإجمالي والتفصيلي لا مهرب لهم من الوقوع في المحال فيصيرون ضحكة عند أهل التمييز والفهم الذين يوفقون بين النقل والعقل.

الهوامش:

[1] انظر الكتاب [ص/164].
[2] انظر السنن الكبرى [3/3].