الثلاثاء فبراير 24, 2026
  • قميص سيدنا يوسف عليه السلام

     

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له ، جلّ ربي لا يشبه شيئًا ولا يحل في شىء ولا ينحل منه شىء ، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير . وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه ، بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمّة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا من أنبيائه ، الصلاة والسلام عليك سيدي يا رسول الله يا علم الهدى يا أبا الزهراء يا محمد ، يا محمد ضاقت حيلتنا وأنت وسيلتنا أدركنا يا رسول الله ، أدركنا بإذن الله .

    أما بعد عباد الله ، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير القائل في محكم كتابه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } سورة الحشر/18 .

    ويقول رب العزّة في محكم التنـزيل: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} سورة يوسف ءاية/4

    هو يوسف ابن نبي الله يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام الذي أعطي شطر الحسن وقد أثنى الله عليه ووصفه بالعفة والنـزاهة والصبر والاستقامة. قال تعالى: { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} سورة بوسف/24

    كما أثنى عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: “إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم”  رواه البخاري .

    فلقد كان سيدنا يعقوب عليه السلام يحب ابنيه يوسف وبنيامين كثيرًا لِما فيهما من المزايا كحسن الخلق وكانت هذه المحبة سببًا في حقد إخوتهما الأكبر سنًا عليهما وسببًا في محنة يوسف التي ابتلي بها ونال بها الدرجات عند الله .

    أخذه إخوته معهم إلى البريّة بعد أن وعدوا والدهم أنهم سيهتمون به وما إن غابوا به عن عينيه انطلقوا به إلى البئر ليطرحوه فيها فخلعوا قميصه فقال يوسف: “يا إخوتاه لِمَ نزعتم قميصي ؟ ردّوه عليّ يكون كفنًا لي في مماتي “ .

    جرّدوه من قميصه ورموه في البئر غير عابئين باستغاثاته وبكائه فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها وجعل يبكي ، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرجموه بالحجارة فمنعهم أخوه يهوذا ولما ألقوه في قعر البئر أوحى الله إليه أنه “لا بد من فرج ومخرج من هذه الشدة والضيق ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في وقت يكون لك فيه العزة والسيادة عليهم” . يقول الله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ} سورة يوسف/15و16 .

    ألقوه في البئر وأرادوا أن يخفوا جريمتهم لذلك عمدوا إلى جدي من الغنم فذبحوه ثم غمسوا قميص يوسف في دمه ورجعوا إلى أبيهم يعقوب في وقت العشاء يبكون فلما دنوا منه صرخوا صراخ رجل واحد ورفعوا أصواتهم بالبكاء والعويل فلما سمع يعقوب عليه السلام صوتهم قال: “ما لكم يا بَنِيّ هل أصابكم في غنمكم شىء ؟ قالوا لا ، قال: فما أصابكم؟ وأين يوسف ؟ قالوا له كاذبين : يا أبانا إنا ذهبنا للسباق والرمي بالسهام وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وأنت لست بمصدقنا ولو كنا صادقين “ .

    وعندما سمع يعقوب عليه السلام كلام أبنائه وما ادعوه بكى وقال لهم: “أين القميص ؟ “ فجاءوا بالقميص عليه دم كذب وليس فيه خرق ، فأخذ يقلّبه وقال لهم متهكّمًا : ” ما أحلم هذا الذئب الذي أكل ابني دون أن يمزّق ثوبه “ وقال هذا الكلام تعريضًا بكذبهم وإيذانًا لهم بأن صنيعهم ومكرهم هذا لم يمرّ عليه .

    ولكن أنبياء الله أحبابه لا يعترضون على الله ولا يتسخطون على الله ، فقال يعقوب عليه السلام: “فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون” .

    وحُمل يوسف عليه السلام من البئر إلى مصر وتربى في بيت عزيز مصر وتمر السنون وتتوالى الأحداث وكان سيدنا يوسف عليه السلام قد علّمه الله تأويل الرؤيا أي ما يشاهد الإنسان في منامه فأُخبِر أن الملك رأى رؤيا أفزعته فعبرها له سيدنا يوسف تعبيرًا دقيقًا سُرّ الملك من هذا التعبير وارتفعت مكانة يوسف عليه السلام عنده فسلّمه خزائن مصر.

    وتأتي سنوات القحط وذاع صيت سيدنا يوسف الموكل على خزائن الطعام وانتشرت أخبار عدله ورحمته ورأفته فأرسل سيدنا يعقوب أولاده إلى مصر لجلب الطعام ومعهم الثمن فلما وصلوا مصر عرفهم يوسف وهم لم يعرفوه ولم يبادل إساءتهم بعقاب، فإنه كما وصفه حبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه: “إنه الكريم ابن الكريم” قابلهم بالإحسان والدعاء لهم ، وأرسل يوسف عليه السلام بقميصه الذي كان يلبسه ويلتصق بجسده الشريف مع إخوانه بعدما عرفوه وطلب منهم أن يحملوه إلى والدهم وأن يضعوه على عينيه لأن يعقوب عُمي من شدة بكائه على ولده يوسف .

    وهبت ريح الصبا التي يتروح بها كل محزون ومكروب فذهبت بريح يوسف الصديق بمشيئة الله وقدرته إلى يعقوب عليه السلام ، وبين يوسف ويعقوب مسافات طويلة ولكن الله يقرّب البعيد لمن شاء من عباده ، وقبل وصول القافلة بيوم قيل إن عزرائيل ملك الموت استأذن ربه في زيارة يعقوب عليه السلام فأذن له فجاءه فسأله يعقوب: “يا ملك الموت أسألك بالذي خلقك هل قبضت روح ولدي يوسف فيما قبضت من النفوس ؟ قال لا ، ولكنّي سأعلّمك كلمات لا تسألُ اللهَ شيئًا بها إلا أعطاك ، قل: يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدًا ولا يحصيه غيرك فرّج عنّي ما أهمّني “ .

    فدعا بها يعقوب في تلك الليلة ولم يطلع الفجر إلا وقد وصلت القافلة ، فجاء يهوذا وهو أحد إخوة يوسف مبشّرًا حاملاً قميص يوسف ثم وضعه على وجه سيدنا يعقوب فتحقّقت معجزة عظيمة وعاد له بصره كما كان يرى به ويشاهد ويعاين .

    اللهم يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدًا ولا يحصيه غيرك فرّج عنا ما أهمّنا واغفر لنا يا أرحم الراحمين .

    هذا وأستغفر الله لي ولكم .

    الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

    إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الْوَعْدِ الأَمِينِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَءَالِ الْبَيْتِ الطَّاهِرِينَ وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَعَنِ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَاتَّقُوهُ.

    وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيْمِ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى ءَالِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَءَامِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ. عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِي، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يُثِبْكُمْ وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا، وَأَقِمِ الصَّلاةَ.