الثلاثاء مارس 10, 2026

قصة نبي الله موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام

 

قال تعالى: {وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا* فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا* فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا* قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا* قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا* فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما* قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا* قال إنك لن تستطيع معي صبرا* وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا* قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا* قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا* فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا* قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا* قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا* فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا* قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا* قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا* فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا* قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا* أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا* وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا* فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما* وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} [سورة الكهف/٦٠-٨٢].

 

قام نبي الله موسى عليه السلام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله تعالى إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين أي ملتقاهما هو أعلم منك، فقال موسى عليه السلام: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل – وهو ما يشبه القفة- فحيثما وجدت الحوت فهو ثم أي هناك، وتهيأ موسى عليه السلام للسفر وكله شوق لمقابلة هذا الرجل ورؤيته، وانطلق عليه السلام في سفره هذا مع فتاه يوشع بن نون الذي كان يلازمه ويأخذ عنه العلم ويخدمه، وكانا قد تزودا حوتا مالحا وضعاه في قفة فكانا يصيبان منه ويأكلان عند الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى صخرة على ساحل البحر وضعا رأسهما عليها وناما، وكان قد وضع فتاه يوشع المكتل فأصاب الحوت بلل البحر، فعاش وتحرك في المكتل بقدرة الله تعالى ثم سقط وانسرب في البحر، وأمسك الله تبارك وتعالى بقدرته جرية الماء في البحر حتى جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة بقدرة الله تعالى وقيل: صار عليه مثل الطاق، وكان قد قيل لموسى عليه السلام: تزود حوتا مالحا، فإذا فقدته وجدت الرجل ولما نام موسى عليه السلام على الصخرة واستيقظ مضى لقضاء حاجة له ونسي فتاه وصاحبه يوشع أن يخبره بما جرى للحوت وكيف انسرب في البحر، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما بحثا عن الرجل الذي أخبره الله بأنه أعلم منه، فلما جاوزا المكان الذي ذهب فيه الحوت في البحر أصابهما ما يصيب المسافر من النصب والتعب، فدعا موسى عليه السلام فتاه يوشع بالطعام وقال له {ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا}[سورة الكهف/٦٢]وهنا تذكر يوشع أمر الحوت وخبره وعرض على موسى الرجوع إلى الصخرة التي نزلا وفقدا الحوت عندها وقال له: {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا}[سورة الكهف/٦٣] فقال موسى عليه السلام لفتاه يوشع: { ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا}[سورة الكهف/٦٤] فرجعا في الطريق الذي سلكاه يقصان ءاثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا هناك رجل مسجى بثوب وكان هو الخضر عليه السلام، فسلم عليه موسى عليه السلام فقال له الخضر: وأنى بأرضك السلام، وقال له الخضر عليه السلام: من أنت؟ قال: أنا موسى، قال الخضر: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، فقال له الخضر: {إنك لن تستطيع معي صبرا}[سورة الكهف/٦٧] يا موسى، وقال له أيضا: يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، فقال له موسى عليه السلام: {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا}[سورة الكهف/٦٩].

 

فقال له الخضر عليه السلام: {فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا}[سورة الكهف/٧٠] أي حتى أكون أنا الذي أبينه لك لأن علمه قد غاب عنك {فانطلقا}[سورة الكهف/٧١] يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر عليه السلام فحملوهم في السفينة بغير عطاء، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ موسى عليه السلام إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم وقيل: قبع لوحين مما يلي اللماء، فحشاها موسى عليه السلام بثوبه وأنكر عليه وقال له: قوم حملونا بغير نول – أي عطاء- وعمدت إلى سفينتهم فخرقتها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا}[سورة الكهف/٧١]أي منكرا {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا* قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا}[سورة الكهف/٧٢-٧٣]المعنى عاملني باليسر لا بالعسر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فكانت الأولى من موسى نسيانا”. وبينما كان موسى والخضر عليهما السلام على ظهر السفينة يتجاذبان أطراف الحديث جاء عصفور ووقف على طرف السفينة فنقر في البحر نقرة بأن غمس منقاره في البحر وأخرجه، فقال الخضر لموسى عليهما السلام: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر! ثم خرج موسى والخضر عليهما السلام من السفينة وانطلقا، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع رفاقه الغلمان، فما كان من الخضر عليه السلام إلا أن اخذ رأس هذا الغلام بيده فاقتلعه فقتله، فقال له موسى عليه السلام: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا* قال الم أقل لك لن تستطيع معي صبرا}[سورة الكهف/٧٤-٧٥]فما كان من موسى عليه السلام إلا أن {قال إن سألتك عن شيء بعدها بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا}[سورة الكهف/٧٦]يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، يعني أنك قد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا. وانطلقا عليهما السلام يمشيان حتى مرا على أهل قرية فسألاهم الضيافة وطلبا من أهل هذه القرية الطعام فأبوا أن يطعموهما ويضيفوهما، ثم وجدا جدارا مائلا يكاد أن يقع ويسقط، فقام الخضر عليه السلام وأقامه بيده وسواه، فقال له موسى عليه السلام: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا وكان بإمكانك أن تطلب منهم أجرا على إقامة الجدار فقال له الخضر عليه السلام: {هذا فراق بيني وبينك} [سورة الكهف/٧٨]أي المفرق بيننا، وقبل أن يفترقا أنبأ الخضر عليه السلام موسى عليه السلام بتأويل الحوادث والقصص الثلاث التي حدثت معهما قائلا له: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}[سورة الكهف/٧٩]أي إنما خرقتها لأن الملك إذا رءاها منخرقة ومعيبة تركها، لأنه كان يأخذ غصبا كل سفينة صالحة، فإذا تركها رقعها أهلها فانتفعوا بها. {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا}[سورة الكهف/٨٠]أي أن هذا الغلام كان أبواه مؤمنين فخشي الخضر عليه السلام أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على طغيانه وكفره، روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا”. وقتل الخضر عليه السلام هذا الغلام رحمة بأبويه المؤمنين وعسى الله تبارك وتعالى أن يبدلهما بغلام مؤمن صالح.

 

فائدة: قال أحد العلماء عن أبوي هذا الغلام المقتول: فرحا به حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما فليرض امرؤ بقضاء الله.

 

وأما الحادثة الثالثة فقد بينها الخضر عليه السلام بقوله: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} [سورة الكهف/٨٢].

 

فقد كان تحت الجدار الذي إقامه الخضر عليه السلام وسواه كنز من ذهب وفضة، وكان هذا الكنز لغلامين يتيمين وكان أبوهما مؤمنا صالحا تقيا فأراد الخضر عليه السلام أن يقيم هذا الجدار المائل حتى يبلغ هذان اليتيمان أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من الله تبارك وتعالى بهما.

 

فائدة في كنز الغلامين اليتيمين: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: “إن هذا الكنز كان لوحا من ذهب كتب فيه: عجبا لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب – أي يتعب-، عجبا لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبا لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. أنا الله الذي لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي”.

 

تنبيه: قال الله تبارك وتعالى: {فوجدا عبدا من عبادنا}[سورة الكهف/٦٥]قال المفسرون: هو الخضر عليه السلام واسمه بليا بن ملكان، والصحيح عند العلماء أنه نبي من أنبياء الله بدليل قوله تعالى حكاية عنه: {وما فعلته عن أمري}[سورة الكهف/٨٢]

 

وأما تسميته بالخضر ففيه قولان:

 

أحدهما: أنه كان إذا جلس اخضر ما حوله، وكذلك إذا صلى اخضر ما حوله.

 

والقول الثاني: أنه جلس في فروة بيضاء فاخضرت والفروة هي الأرض اليابسة، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء” رواه البخاري، وقيل: المراد بالفروة ههنا الحشيش اليابس وهو الهشيم من النبات.

 

واختلف العلماء هل هو باق إلى يومنا هذا أم مات، والصحيح أنه حي لم يمت بعد وسيموت، ويقال إنه كان في عهد ذي القرنين والله أعلم.