الثلاثاء مارس 10, 2026

قصة عبادة بني إسرائيل العجل في غيبة موسى عليه الصلاة والسلام

 

بعد أن ذهب نبي الله موسى عليه السلام إلى جبل الطور لميقات ربه، وفي أثناء ذلك عمد رجل من بني إسرائيل يقال له موسى السامري منتهزا غياب موسى عليه السلام حيث أخذ ما كانوا استعاروه من حلي ءال فرعون وأتباعه، فصاغ منه شكل عجل ثم ألقى فيه قبضة من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل عليه السلام حين رءاه يوم أغرق الله عز وجل فرعون وجنوده في البحر، فلما ألقاها في فم هذا العجل الذي صاغه صار يخور كما يخور العجل الحقيقي بقدرة الله تعالى ومشيئته ابتلاء منه تعالى واختبارا وفتنة، ثم قال السامري ومن وافقه من الذين افتتنوا بهذا العجل ما أخبر الله تعالى في قوله: {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [سورة طه/٨٨]، أي قالوا: إن هذا العجل الذي خار هو إلهكم وإله موسى، وقد نسي موسى ربه عندنا وذهب يبحث عنه ويطلبه، قال الله تبارك وتعالى مبينا بطلان من ذهبوا إليه وادعوه: {أفلا ترون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا}[سورة طه/٨٩] وقال تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} [سورة الأعراف/١٤٨].

 

ولما رجع نبي الله موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل وفيهم هؤلاء الذين عبدوا هذا العجل، ورأى عليه السلام ما هم عليه غضب غضبا شديدا وكان معه الألواح المتضمنة التوراة، فألقى الألواح التي كانت معه من غير استخفاف بها على مكان طاهر [1]، ثم أقبل على هؤلاء الذين عبدوا العجل يعنفهم ويوبخهم على صنيعهم القبيح هذا.

[1] هذا يقال عنه سبق فعل.

 

ثم أقبل عليه السلام على أخيه هارون عليه السلام الذي كان قد استخلفه عليهم في أثناء غيبته وأخذ برأسه ولحيته يجره إليه ليدنيه ويتفحص الواقعة والأخبار منه من غير أن يقصد موسى عليه السلام أن يهينه ويستخف به، وصار عليه السلام يسأله عما منعه أن يتبعه ليخبره بما فعله هؤلاء من عبادة العجل فخاف هارون عليه السلام بما فعل أخوه موسى معه في شدة غضبه أن يسبق إلى قلوب قومه ما لا أصل له ويظنوا به ما لا يليق، فقال لموسى عليه السلام: { يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} [سورة طه/٩٤]، فبين هارون لأخيه موسى عليهما السلام أنه خاف إن تركهم وجاءه ليخبره بأمرهم أن يقول له موسى عليه السلام: “تركتهم وجئتني” وهو قد استخلفه عليهم في فترة غيابه، عند ذلك دعا موسى عليه السلام ربه وكان قد هدأ غضبه: { قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين} [سورة الأعراف/١٥١] وقد كان نبي الله هارون عليه السلام نهى هؤلاء الذين عبدوا العجل عن عبادته أشد النهي وزجرهم عنه زجرا شديدا، يقول الله تعالى إخبارا عن هارون عليه السلام: { ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به} [سورة طه/٩٠] أي إنما قدر الله تعالى أمر هذا العجل وجعله يخور خوران العجل فتنة واختبارا لكم، ثم قال لهم عليه السلام ما أخبر الله تعالى: { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري} [سورة طه/٩٠]، وأخبر الله تعالى كيف كان رد هؤلاء الضالين على هارون عليه السلام قال الله تعالى: {قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} [سورة طه/٩١].

 

وبعد أن سمع موسى عليه السلام مقالة أخيه هارون عليه السلام تركه وأقبل غاضبا على السامري وسأله عما حمله على هذا الصنيع الشنيع في عبادته العجل ودعوة الناس إلى عبادته واتخاذه إلها فأخبره موسى السامري بأنه رأى جبريل عليه السلام راكبا فرسا يوم أغرق الله تعالى فرعون وجنوده في البحر، وأنه أخذ قبضة من أثر التراب الذي كان تحت حافر فرسه وألقاه في فم هذا العجل المصنوع من الذهب كما سولت له نفسه ذلك وزينت حتى كان من أمر العجل المصوغ ما كان، ولما سمع موسى عليه السلام مقالة السامري وبخه وعنفه بشدة على عبادته لغير الله تعالى، ثم دعا عليه أن لا يمس أحدا ولا يمسه أحد ما دام في حياته فقد عاقبه الله تعالى في دنياه بذلك وألهمه أن يقول “لا مساس” فكان السامري إذا لقي أحدا يقول: “لا مساس” أي لا تقربني ولا تمسني، وصار يهيم في البرية مع الوحوش والسباع لا يمس أحدا ولا يمسه أحد، وكان نبي الله موسى عليه السلام قد توعده على كفره بالعذاب الأليم في الآخرة.

 

عمد نبي الله موسى عليه السلام إلى العجل الذي عبده بعض بني إسرائيل بإشارة وطلب من السامري فأحرقه بالنار ورمى رماده في البحر، ثم توجه نحو بني إسرائيل وأخبرهم أن الله تبارك وتعالى هو الإله الذي يستحق العبادة وحده ولا إله غيره فقال لهم: { إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} [سورة طه/٩٨]، ثم أمر موسى بني إسرائيل بالشرب من هذا فشربوا، فمن كان من عابديه علق على شفاههم من ذلك الرماد ما يدل عليه، ولم يقبل الله تعالى توبة عابدي العجل إلا بالقتل، فدخلوا في الإسلام وندموا على ما فعلوا وصاروا يقتلون أنفسهم قال الله تبارك وتعالى: { وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} [سورة البقرة/٥٤].

 

ويقال: إنهم أصبحوا يوما وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف، وألقى الله عليهم ضبابا وهي السحاب الذي يغشي الأرض كالدخان حتى لا يعرف القريب قريبه ولا النسيب نسيبه، ثم مالوا على عابدي العجل فقتلوهم وحصدوهم، فيقال: إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفا. قال الله تبارك وتعالى: { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين* ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين* ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين* قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين* إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين* والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [سورة الأعراف/١٤٨-١٥٣].وقال تعالى: {وما أعجلك عن قومك يا موسى* قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى* قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري* فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي* قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري* فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي* أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا* ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري* قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى* قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا* ألا تتبعن أفعصيت أمري* قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي* قال فما خطبك يا سامري* قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي* قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا* إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} [سورة طه/٨٣-٩٨].

 

ولما ذهب ما كان في موسى عليه السلام من غضب أخذ الألواح التي كتب فيها التوراة وأمرهم بقبولها والأخذ بها بقوة وعزم، فقالوا له: انشرها علينا فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها، فعندئذ قال لهم: اقبلوها بما فيها، فلما راجعوه مرارا أمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل على رءوسهم حتى صار كأنه غمامة على رءوسهم وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها سقط هذا الجبل عليكم، فقبلوا ذلك وأمروا بالسجود فسجدوا، ولما نشر نبي الله موسى عليه ألواح التوراة لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، قال الله تعالى: { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} [سورة الأعراف/١٥٤].

 

وقال الله تعالى: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} [سورة الأعراف/١٧١]، وقال تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون* ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} [سورة البقرة/٦٣-٦٤]، انقلع جبل الطور وصار فوق رؤوسهم أظلهم فخافوا أن يهلكوا فلما رأوا أن لا مهرب لهم قبلوا ذلك وسجدوا على شق وجوههم وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود فصارت عادة في اليهود أنهم يسجدون عل جانب وجوههم وقالوا: سمعنا وأطعنا.

 

ثم إن بني إسرائيل سألوا موسى الرؤية فأخذتهم الرجفة كما قال تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون* ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} [سورة البقرة/٥٥-٥٦]، وبعد ذلك اختار موسى عليه السلام سبعين رجلا يقال إنهم كانوا علماء بني إسرائيل وخرج معه هارون ويوشع إلى طور سيناء، فلما اقتربوا من الجبل وقع عليه عامود الغمام فدخل موسى في الغمام وهناك أوحى الله لموسى ما أوحى قال تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين* واكتب لنا في هـذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنـا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكـاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} [سورة الأعراف/١٥٥-١٥٦].