قصة الهجرة النَّبويّة الشَّريفة
كثُرَ المُهاجرونَ إلى مدينةِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم وشَعرَ أعداءُ الرّسولِ (قريش شعَرتْ) أنَّ الرّسولَ صارَ لهُ أصحابٌ وصارَ لهُ أنصار منْ غيرِ بلَدِهِ، ورأوا أنَّ أصحابَهُ منَ المُهاجرينَ صاروا يُهاجرونَ إلى يَثْرِب، وصارَ لهمْ مَنَعة، فصاروا يخافونَ على أنفُسِهِمْ قالوا إذا خرجَ محمّدٌ وصارَ عندَهُمْ فعِنْدَئذٍ سيَجْتَمِع معَ هؤلاءِ وسيأتي إلى حربِنا، فماذا نفعل؟ فتنَادَوا لِيَجْتَمِعوا في دارِ النّدوةِ (وهي دارُ قُصَيّ بن كِلاب التي كانت قريش لا تَقضي أمرًا إلّا فيها، أمر حرب أو غيرُهُ منَ الأمورِ كانوا يتَشاوَرونَ في هذه الدّار).
فعِنْدَئذٍ اجْتَمعوا في دارِ النّدوة لِيَتشاوروا فيها وكانوا لا يُدْخِلونَ أيَّ شخص. فجاءَ إبليسُ اللعِينُ وقدْ تشَكَّلَ بِصورةِ شيخٍ نَجْدِيٍّ، مِنْ نَجْد، ووقفَ على البابِ فلمّا رأوْهُ قالوا مَنِ الشّيخ؟ قالَ شيخٌ مِنْ أهلِ نَجْدٍ سَمِعْتُ بالذي اجْتَمَعْتُمْ لهُ فحَضَرْتُ معكُمْ لِأسْمَعَ ما تقولون وعسَى أنْ لا يُعْدِمَكُمْ منِّي رأيًا تُحبّونَهُ، (يعني أنا أريدُ أنْ أسمَعَ ما تقولونَ وقدْ يكونُ عندِي رأيٌ يُعْجِبُكُمْ فيمَا أنتُمْ مُجْمِعُونَ عليه)، فقالوا نعم فأدْخَلوهُ.
فاجْتَمَعَتْ أشرافُ قريش منْ بَني عبدِ شمس (هذه قبيلة من قريش)، منْ بَني نَوْفَل منْ بَني عبد الدّارِ مِنْ بني مَخْزوم مِنْ بني جُمَح وغيرُهم.
فبدأوا يتشَاورونَ، فقالَ بعضُهُمْ إنَّ هذا الرّجل قدْ كانَ مِنْ أمرِهِ ما كانَ (عنْ سيِّدِنا محمّد صلى الله عليه وسلم) فإنّا واللهِ ما نأمَنُهُ مِنْ أنْ يَثِبَ هوَ وأصحابُهُ علينا فأجْمِعوا فيه رأيًا. فتشاوروا، فقالَ قائلٌ منهُمْ ويُقالُ لهُ أبو البَخْتَريُّ بنُ هشام، قالَ احْبِسوهُ في الحديدِ وغَلِّقوا عليه بابًا ثمَّ ترَبَّصوا (يعني انتَظروا هلاكَه) أنْ يُصيبَهُ ما أصابَ الشُّعَراءَ الذينَ قبلَهُ كزُهيرٍ والنّابغة، فجاءَهُم الموت، فانْتَظِروا حتّى تأتِيهِ مُصيبةُ الموْت ثمَّ نَخْلُصُ منهُ. ففورًا إبليس اللعين المُتشَكِّل بصورةِ الشيخِ النّجْدِيِّ قالَ “لا واللهِ ما هذا لكمْ برَأي لأنَّكُمْ إنْ حَبَسْتُموهُ كما تقولونَ لَيَخْرُجَنَّ أمْرُهُ مِنْ وراءِ البابِ الذي أغلَقْتُمْ دونَهُ حتّى يَصِلَ إلى أصْحابِه ولَأوْشَكَ أصْحابُهُ أنْ يَثِبُوا عليكم، فيَنْتَزِعوهُ مِنْ أيدِيكُمْ ثمَّ يُكاثِروكُمْ بهِ حتّى يَغْلبُوكُمْ على أمْرِكُمْ، فانْظُروا رأيًا آخرًا”. فقامَ أبو الأسْوَد ربيعةُ بنُ عَمْرٍ فقالَ “إذًا نُخْرِجُهُ مِنْ بينِ أظْهُرِنا (أي نَنْفِيهِ مِنْ بلادِنا)، إذا خرجَ لا نُبالي أينَ ما ذهبَ المهمّ أنّهُ خرجَ مِنْ بلَدِنا ثمَّ نُصْلِحُ نحنُ أمورَنا ونُعيدُها كما كانت”. فقالَ إبليسُ اللعين “لا واللهِ هذا ليسَ برأي، ألَمْ تَرَوا حُسْنَ حديثِه؟ وحلاوة مَنْطِقِهِ صلى الله عليه وسلم، وكيفَ أنّهُ يَغْلِبُ على قلوبِ الرّجال بِما يأتيهِمْ به، فإذا فعَلْتُمْ هذا لا تأمَنوا أنْ يَنْزِلَ على حيٍّ منَ العرَبِ فيَغْلِبُهُمْ في هذا الحديث حتّى يَتَّبِعوه ثمَّ يَسيرُ بهِم إليكُمْ حتّى يَطَأكُمْ في بلادِكُمْ فيأخُذُ أمرَكُمْ مِنْ أيديكمْ ثمَّ يفعلُ بكمْ ما يُريدُ فانْظروا رأيًا آخر”.
فقامَ عدُوُّ اللهِ أبو جهل فقالَ: واللهِ إنَّ لي فيه رأيًا ما أراكُمْ وقَعْتُمْ عليه، قالوا قلْ يا أبا الحَكَمْ، فقالَ أرى أنْ نأخذَ مِنْ كلِّ قبيلةٍ شابًّا قويًّا نسيبًا وسيطًا (يعني لهُ نسبٌ وجاهٌ فينا)، ثمَّ نُعطي كلَّ فتًى منهمْ سيفًا صارِمًا، قاطِعًا، ثمَّ يَعْمِدوا إليهِ في بيتِهِ فيَضْرِبوهُ ضرْبةَ رجلٍ واحدٍ فيَقْتُلوه، فنَسْتَريحُ منهُ، فإنَّهمْ إنْ فعلوا ذلك تَفَرَّقَ دمُهُ في القبائل، لنْ تسْتَطيعَ قبيلَتُه بنو عبدِ مَناف أنْ يُحارِبوا كلَّ هذه القبائل فسَيَرْضَوْنَ بالدّيَةِ، فنَدْفَعُ الدِّيةَ ونَخْلُصُ منه. فقالَ عدُوُّ اللهِ إبليس هذا الرأي ما قالَ هذا الرّجل ولا رأيَ غيرُه. (وانْظروا إلى إبليس بماذا تشَكَّلَ يا أحبابَنا تشَكَّلَ بصورةِ شيخٍ نَجْدِي، والرّسولُ صلى الله عليه وسلم كانَ تَحَدَّثَ عنْ أنَّ الفِتْنةَ منْ أينَ تأتي؟ منْ نَجد، فلذلك قالَ منها يَطْلُعُ قرنُ الشيطانِ هناك الزّلازِلُ والفِتَنُ، في بعضِ الرّواياتِ كانَ عندَ خديجة فوقَفَ على البابِ فنَظَرَ إلى المَشْرِقِ قالَ صلى الله عليه وسلم: “الغِلْظَةُ والجَفاءُ منَ المَشْرِقِ”.
وطلَعَ مُسَيْـلِمةُ الكذّاب وطَلَعَ مُشَبِّهةُ العصرِ الذين يُشَبِّهونَ اللهَ بِخَلْقِهِ، يصِفونَ اللهَ بِما لا يَليقُ به، فكانَ هذا الخبيث حتّى إبليس تَشكَّلَ بصورةِ شيخٍ منْ تلكَ البلاد.
ثمَّ جاءَ جبريلُ عليه السّلامُ إلى سيّدنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم قالَ لهُ لا تَبِتْ هذه الليلة على فِراشِك، وأخْبَرَهُ ماذا يريدُ قوْمُهُ أنْ يفعلوا. فإذا كانتْ عَتَمة الليلِ اجْتَمعوا، جاءوا كما طلَبَ أبو جهل يَرْصُدونَ النّبيّ حتى ينام صلّى اللهُ عليه وسلّم. فالنّبيُّ رأى مكانَهُمْ وكانَ معهُ في البيتِ عليّ بن أبي طالبٍ، قالَ له: “يا عليّ نَمْ على فراشي هذا تَسَجّى ببُرْدِي هذا الحَضْرَميّ”، كانَ النّبيّ إذا ينام يتَغَطّى بهذا البُرْدِ منْ حضرَموْت، ولوْنُهُ أخضر، قالَ لهُ “فإنّهُ لنْ يَخْلُصَ إليك شىءٌ تَكْرُهُهُ منهُمْ” (أي لا تخف، لأنهم لن يصلوا إليك بأذى).
وكانَ أبو جهل يُحَرِّضُ الشبابَ على قتلِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم ويسْتَهْزِئ بالنّبيّ ويقولُ لهم سمِعْتُمْ ما يقولُ محمّد؟ إنَّ محمّدًا يَزْعُمُ أنّكمْ إنْ تابَعْتُموهُ على أمره كنتمْ مُلوكَ العرَبِ والعجَمِ ثمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بعدِ موْتِكُمْ فجُعِلَتْ لكمْ جِنانٌ كَجِنانِ الأردنّ، وإنْ لمْ تفعلوا كانَ لهُ فيكمْ ذَبحٌ، ثمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بعدِ موْتِكُمْ فجُعِلَتْ لكمْ نارٌ تُحْرَقونَ فيها، (يسْتَهْزِئ). فخَرجَ الرّسولُ عليه الصّلاةُ والسّلامُ فأخذَ حَفْنةً مِلْءَ الكفِّ منْ ترابٍ بيَدِهِ ثمّ قالَ أنا أقولُ ذلكَ وأنتَ واحدٌ منْهُمْ، ثمَّ تلا عليه الصلاة والسلام قولَ اللهِ تعالى: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (4) } إلى أنْ وصلَ إلى قولِهِ عزّ وجلّ: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)}. فأخذَ اللهُ بأبصارِهِمْ فما عادوا يَرَوْنَ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم، فوضعَ الترابَ على رأسِ كلِّ واحدٍ منهمْ، وخرجَ النّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم، فبَعْدَ وقتٍ جاءَ إبليس قالَ لهم: ماذا تفْعلون؟ قالوا ننْتَظِرُ محمّد حتّى ينامَ لِنَقْتُلَهُ، قالَ خيَّبَكُمُ اللهُ قدْ خرجَ ووضعَ التّرابَ على رؤوسِكُمْ. تَحَسَّسوا رؤوسَهُمْ وجدوا التّرابَ موجود، نظروا في البيتِ وجدوا شخصًا نائمًا، قالوا لا زالَ محمّد في فراشِهِ، فعِنْدَما اسْتَيْقَظَ عليّ عرَفوا أنّ سيِّدَنا محمّدًا لمْ يكُنْ نائمًا وعرَفوا أنَّ ما قالَ لهمْ الرّجل هذا الذي حصل