الشرح: يخبرنا الله سبحانه وتعالى أن الإنس والجن في موقف القيامة تحيط بهم الملائكة الكرام فلا يغادرون الموقف إلا من أذن الله له وهذا الذي معه الحجة الإذن بالمغادرة من ذلك الموقف بدليل قول الله تعالى {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 38]، وليس معنى الآية التي نحن بصدد شرحها {لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن: 33] كما زعم بعض المعاصرين اليوم من الذين يتكلمون بالنظريات والأهواء بغير علم ولا دليل ولا برهان فيفسرونها بالصعود إلى الفضاء بما يسمى المركبات الفضائية والصاروخ، وهذا التفسير لم يقله عالم معتبر لأن الذين يطلعون إلى هذا الفضاء منهم المسلم والكافر وليس في الآية مدح للكافر لأن السلطان في الآية هو عمله الصالح الذي ينجيه يوم القيامة والكافر ليس له عمل صالح بدليل قول الله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولـئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} [النساء: 124] فإذا الآية لا تعني هذه المركبات والآلات الحديثة التي يصعد بها إلى الفضاء.
قال المفسر محمد بن جرير الطبري في تفسيره ما نصه: «قالوا: وإنما هذا قول يقال لهم يوم القيامة. قالوا: ومعنى الكلام: سنفرغ لكم أيها الثقلان، فيقال لهم {ي امعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33].
ذكر من قال ذلك:
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح قال: سمعت الضحاك بن مزاحم قال: «إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها بالثانية، ثم بالثالثة، ثم بالرابعة، ثم بالخامسة، ثم بالسادسة، ثم بالسابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندوا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين} [غافر: 32، 33] وذلك قوله: {{وجاء ربك والملك صفا صفا * وجيء يومئذ بجهنم} [الفجر: 22، 23] وقوله: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن: 33] وذلك قوله: {{وانشقت السماء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجائها} [الحاقة: 16، 17]». اهـ.
وقال المفسر التونسي محمد الطاهر ابن عاشور المالكي في كتابه التحرير والتنوير ما نصه: «هذا مقول قول محذوف يدل عليه سياق الكلام السابق واللاحق، وليس خطابا للإنس والجن في الحياة الدنيا. والتقدير: فنقول لكم كما في قوله تعالى ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس الآية، أي فنقول: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس.
والمعشر: اسم للجمع الكثير الذي يعد عشرة عشرة دون آحاد.
وهذا إعلان لهم بأنهم تحت مشيئة الله لا يجدون منجى منها، وهو ترويع للضالين والمضلين من الجن والإنس بما يترقبهم من الجزاء السيء لأن مثل هذا لا يقال لجمع مختلط إلا والمقصود أهل الجناية منهم فقوله يا معشر الجن والإنس عام مراد به الخصوص بقرينة قوله بعده يرسل عليكما شواظ إلخ.
والنفوذ والنفاذ: جواز شيء عن شيء وخروجه منه. والشرط مستعمل في التعجيز، وكذلك الأمر الذي هو جواب هذا الشرط من قوله فانفذوا، أي وأنتم لا تستطيعون الهروب.
والمعنى: إن قدرتم على الانفلات من هذا الموقف فافلتوا. وهذا مؤذن بالتعريض بالتخويف مما سيظهر في ذلك الموقف من العقاب لأهل التضليل». اهـ.