الشرح: يجب الاعتقاد بأن الخمر محرم بنص القرءان والحديث والإجماع وليس كما يزعم بعض السفهاء بأنه مكروه غير محرم وهذا تكذيب للقرءان، وقد قال الفقيه ملا على القاري الحنفي: «من قال إن القرءان لم يحرم الخمر كفر».
وأما قوله تعالى: {فاجتنبوه}، وقوله تعالى: {فهل أنتم منتهون}، فهما نصان واضحان وصريحان على تحريم الخمر وعلى اجتنابها والابتعاد عنها وتهديد ووعيد لمن شربها.
قال الإمام الهرري رضي الله عنه في كتابه بغية الطالب ما نصه([1]): «ومن معاصي البطن شرب الخمر وهو من الكبائر وهي كما قال عمر «ما خامر العقل» أي غيره رواه عنه البخاري([2]) في الصحيح في كتاب الأشربة. وقد اعتيد في بعض البلاد تسمية بعض الأشربة التي هي مسكرة باسم خاص فاستحلوا شربها كما يحصل ذلك في بعض بلاد الحبشة، عندهم شراب يتخذونه من بعض الحبوب يسمونه في بعض النواحي قراري وفي بعض النواحي شللي ولا فرق في الحقيقة بين هذا والخمر الآخر الذي يعتبرونه حراما ويتجنبونه إلا أن هذا أخف من ذاك، فكيف خفي عليهم الحكم الشرعي، وما ذاك إلا لغلبة الهوى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام» رواه أبو داود([3]). والفرق مكيال يقال إنه يسع ستة عشر رطلا.
وأما حد الخمر فهو في الأصل بالنسبة لشاربها الحر أربعون جلدة وللرقيق عشرون، ثم إذا اقتضت الـمصلحة الزيادة على ذلك جاز إلى الثمانين لفعل عمر([4]). قال سيدنا علي رضي الله عنه «جلد رسول الله (أي في الخمر) أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي»، أي الأربعون رواه مسلم([5]).
أما الدليل على حرمة شرب الخمر من القرءان فقول الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون* إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90، 91].
{والميسر} القمار، {والأنصاب} نوع من الأوثان وهي حجارة يهريقون الدم عبادة لها لأنها تنصب فتعبد، {والأزلام} هي سهام كان مكتوبا على أحدها أمرني ربي وعلى الآخر مكتوب نهاني ربي والثالث ليس عليه كتابة كانوا يقتسمون بها في الجاهلية يخلطونها ويأخذون أحدها فإذا خرج الذي ليس عليه كتابة يردونه ويعيدون الخلط إلى أن يخرج أحد المكتوب عليهما. {رجس} أي نجس أو خبيث مستقذر، {من عمل الشيطان}، لأنه يحمل عليه فكأنه عمله والضمير في {فاجتنبوه} يرجع إلى الرجس أو إلى عمل الشيطان، {لعلكم تفلحون} أكد تحريم الخمر والـميسر من وجوه حيث صدر الجملة بإنما وقرنها بعبادة الأصنام، وجعلهما رجسا من عمل الشيطان ولا يأتي منه – أي الشيطان- إلا الشر البحت، وأمر بالاجتناب وجعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خسارا. وفي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}
{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} [المائدة: 91].
بيان ما يتولد من الخمر والميسر من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمار وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة وخص الصلاة من بين الذكر لزيادة درجتها كأنه قال وعن الصلاة خصوصا، وإنما جمع الخمر والـميسر مع الأنصاب والأزلام أولا ثم أفردهما ءاخرا لأن الخطاب مع المؤمنين، وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعا من أعمال أهل الشرك ثم أفردهما بالذكر ليعلم أنهما المقصود بالذكر. وقوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والزواجر فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا. ويفهم من الآية أيضا أن القمار من الكبائر وله صور عديدة.
وروى الإمام أحمد([6]) من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أتاني جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وشاربها وءاكل ثمنها وحاملها والـمحمولة إليه وساقيها ومستقيها». وليس في الحديث أن الناظر إليها ملعون كما شاع على ألسنة بعض العوام بل قول ذلك على الإطلاق ضلال وكفر والعياذ بالله.
وروى البخاري ومسلم([7]) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب الخمرة في الدنيا يحرمها في الآخرة». أي إن لم يتب يحرم شرب خمر الجنة الذي لا يسكر ولا يصدع الرأس وليس نجسا. فقوله تعالى: {فاجتنبوه} مع قوله: {فهل أنتم منتهون} دليل على حرمة شرب الخمر، وقبل نزول هاتين الآيتين لم تكن الخمرة محرمة على أمة محمد أي إذا كانت إلى القدر الذي لا يضر الجسم. ومع ذلك فإن الأنبياء لا يحثون أممهم على شرب الخمر لأن ذلك ينافي حكمة البعثة التي هي تهذيب النفوس، وقليل الخمر يؤدي إلى كثيره. وما يزعم بعضهم من أن سيدنا عيسى قال قليل من الخمر يفرح قلب الإنسان فهو كذب عليه.
وأما قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] فهذا نزل قبل التحريم، وكذلك قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] فهذا أيضا ليس تحريما، لأنهم ظلوا يشربون الخمر بعد نزول هاتين الآيتين بل لما نزلت هاتان الآيتان قال سيدنا عمر رضي الله عنه: «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا» رواه أصحاب السنن الأربعة أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه([8]). ولم يفهم سيدنا عمر ولا غيره من الصحابة التحريم من هاتين الآيتين، وانقطعوا عن شربها لما نزل قوله تعالى: {فاجتنبوه} مع قوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} لأنهم فهموا منه التحريم القطعي. والله تعالى تسهيلا عليهم حتى لا يكون عليهم مشقة زائدة في الإقلاع عن شرب الخمر أنزل التحريم شيئا فشيئا. ثم لما نزل قوله تعالى: {فاجتنبوه}، مع قوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} قال سيدنا عمر «انتهينا انتهينا» وأراقوا الخمر حتى جرت في السكك. وأما قوله تعالى: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] فقد قال بعضهم السكر هو الخل، وقال بعضهم هذه الآية نسخت لما نزلت ءاية التحريم.
وكما يحرم شرب الخمر يحرم بيعها ولو لغير شربها لحديث البخاري ومسلم([9]): «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام».
والخمر قد يكون من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير أو الذرة أو البصل أو البطاطا أو التفاح أو غير ذلك. روى مسلم([10]) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». وفي لفظ: «وكل خمر حرام». فكل شراب غير العقل مع الطرب أي مع النشوة والفرح فهو خمر إن كان من عنب أو عسل أو ذرة أو شعير أو غير ذلك. وهذه الأشياء إنما تصير خمرا إذا حصل الغليان، عندما تغلي وترتفع ثم تنزل عندئذ الذين يشربون الخمر يعتبرونها صافية، أما قبل الغليان فهو حلال يقال له نبيذ حلال، فما ينقع بالماء إن وصل إلى حد الإسكار أو لم يصل يقال له نبيذ، لكن إن لم يصل إلى حد الإسكار فهو نبيذ حلال.
أما عصير العنب فيصير خمرا بعد الغليان من دون أن يخلط به شيء، أما العسل والشعير والذرة والزبيب والتمر إنما يصير خمرا عندما يوضع فيه ماء ثم يمكث مدة ثم يغلي أي يرتفع ويطلع منه صوت يقال له نشيش عندئذ يصير خمرا. وفي النسائي([11]) عن ابن عمر «اجتنب كل شراب ينش» يقال في اللغة العربية([12]) نش الشراب ينش نشيشا معناه طلع له صوت، هذا النشيش أول الخمر بعد ذلك يصير
رائقا ينزل يرجع إلى حيث كان، عندئذ يحبه شربة الخمور ويبقى هذا الشراب خمرا إلى أيام طويلة إلا أنه بعد مدة نحو أربعين يوما في بعض البلاد يتغير طعمه، فيصير حامضا، فلا يصلح للإسكار بعد ذلك مهما شرب منه صار خلا لا يسكر([13]). والخل يعرف بالحموضة أما الخمر طعمها مر لكن أولئك يستلذونها مع ذلك.
ثم إن العسل إذا خلط بالماء وسد فم الإناء يصير خمرا في البلاد الحارة في ظرف خمسة أيام، أما في البلاد الباردة يتأخر، وإن لم يخلط بشيء وكان العسل صافيا ووضع في إناء الزجاج ونحوه يبقى سنوات طويلة من غير أن يفسد. ثم إن بعض الناس يسكرهم قليل الخمر وكثيره، وبعض الناس لا يسكرهم إلا كثيره وكل حرام كما دل على ذلك ما رواه أحمد([14]) من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وقال حين سئل عن البتع([15]) «كل شراب أسكر فهو حرام» رواه البخاري ومسلم([16]) من حديث عائشة رضي الله عنها. لكن من استحل شرب القدر الذي لا يسكر من غير خمر العنب لا يكفر إلا أن يكون يعتقد تحريمه في الشرع لأن هذا مما يخفى على كثير من الناس. ثم إنه ورد في وعيد شارب الخمر حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو «الـمدمن على الخمر كعابد وثن» رواه البزار([17]) من حديث مجاهد عن عبد الله بن عمرو، وأبو نعيم في الحلية وابن حبان([18]) بلفظ «مدمن خمر كعابد وثن»، ومعناه: أن الذي يواظب ويداوم على شربها ذنبه كبير كأنه يعبد الوثن في شدة إثمه وقد يبتلى بسوء الخاتمة عند الـموت، فبعض الناس الشيطان يتخبطهم عند الموت ويأتيهم بخواطر خبيثة فيكفرون ومن حولهم من الناس لا يعرفون. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول في دعائنا([19]): «اللهم إني أعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت»، فإن بعض الناس عند الموت ترتبط ألسنتهم ويصيبهم عطش شديد، فيأتيه الشيطان وبيده الماء ويقول له اكفر أسقك، فمن ثبته الله يصبر ولا يلتفت إليه.
ثم إن شرب الخمر من أكبر الكبائر لكن هي أخف من الزنى. بعد قتل النفس المؤمنة التي حرم الله أشد الذنوب الزنى وبعده ترك الصلاة وأكل الربا وشرب الخمر.
وأما القول بنجاسة الخمر فهو مذهب أكثر الأئمة، منهم الأربعة مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة فإذا أصابت ثوبا أو بدنا يجب تطهيره عند القيام للصلاة، وقال بعض الأئمة بطهارتها وهو إمام مجتهد في العلم يقال له ربيعة بن أبي عبد الرحمـن شيخ الإمام مالك، ومع ذلك أجمعوا على أنه يحرم شربها وبيعها وشراؤها، فإنه لم يرد في القرءان ولا في الحديث نص على نجاسة الخمر، إنما ورد النص الصريح بتحريم شربها وبيعها وشرائها ونحو ذلك فمن أنكر حرمة شربها وبيعها وشرائها لمن يريدها للشرب كفر.
وأما ما روى مسلم وأبو داود وغيرهما([20]) من حديث وائل الحضرمي أن طارق بن سويد رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر يصنعها للدواء فقال: «إنها ليست بدواء ولكنها داء» فليس معناه أنه ليس فيها شفاء من أي مرض إنما المعنى ليست بدواء طيب بل هي دواء خبيث فهي لكثرة مضارها كأنها ليس فيها شيء من الشفاء. وليس مراد الرسول عليه الصلاة والسلام أنه ليس فيها شفاء بالمرة، لأن وجود الشفاء بها من بعض الأمراض شيء محسوس، فتفسير الحديث على الظاهر غلط كبير بل الأطباء القدماء والمحدثون أجمعوا على أنها تشفي من بعض الأمراض، وهذا يدخل في نوع من المجاز وهو مجاز الحذف، فالتقدير في قوله ليست بدواء أي ليست بدواء طيب.
ويدل على وجود المنفعة فيها قوله تعالى: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219]، لكن الذين نفوا وجود الـمنفعة فيها قالوا كان فيها منافع ثم سلبت منافعها.
ثم إن المسكرات لم ينزل تحريمها إلا بعد الهجرة، أما قبل ذلك الناس كانوا ينتفعون بها، كانوا يشربون الخمر للتدفئ، ويشربونها فيصير عندهم نشاط بلا معصية ثم لما حرمت حرموا تلك المنافع التي فيها.
وأما التداوي بالخمر فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بحرمته وهذا هو ظاهر الرواية في الـمذهب الحنفي([21]) وهو المعتمد عندهم، وبه قال المالكية([22]) وهو الصحيح عند الشافعية([23]) وهو مذهب الحنابلة([24]).
وذهب بعض الفقهاء([25]) إلى القول بجواز التداوي بها بثلاثة شروط: الشرط الأول أن تتعين علاجا دون غيرها وإلا ففي غيرها مندوحة، أي سعة عنها. والشرط الثاني أن تكون بمقدار قليل بحيث لا يسكر ولا يذهب العقل لئلا يتداوى من شيء فيقع في أشد منه. والثالث أن يصفها طبيب مسلم ثقة لأن غير الـمسلم لا تقبل شهادته فيما يتعلق بالطب.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام([26]): «لا يشرب الخمر الشارب حين يشربها وهو مؤمن»، فليس معناه أنه يخرج من الإسلام بمجرد الشرب، بل معناه لا يكون إيمانه كاملا.
وقد روى البيهقي([27]) أنه قيل لبعض العرب: لم لا تشرب النبيذ (أي النبيذ المحرم) فقال: والله ما أرضى عقلي صحيحا فكيف أدخل إليه ما يفسده.
وقال الحسين بن عبد الرحمـن([28]): [الطويل]
أرى كل قوم يحفظون حريمهم | وليس لأصحاب النبيذ حريم |
المعنى أنهم في وجهك يعظمونك ويكرمونك، ثم في خلفك يذمونك.
أخاهم إذا ما دارت الكأس بينهم | وكلهم رث الوصال سئوم |
معناه: خبير بأحوال شربة الخمور.
قال بعض الشعراء مبكتا لبعض الناس الذين يعتبرون الخمر التي من غير عصير العنب حلالا إلا القدر المسكر بالفعل: [الوافر]
فيشربها ويزعمها حلالا | وتلك على المسيء خطيئتان |
هؤلاء المتأولون تأولوا فأخطأوا في التأويل، ولولا تأويلهم لكفروا بهذا الاعتقاد، هم تأولوا النصوص التي وردت في الشرع أنها لا تحرم إلا القدر الذي يسكر، أما ما دون القدر الذي يسكر فحلال. الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول هؤلاء إذا شربوا النبيذ المسكر نقيم عليهم الحد لكن لا نكفرهم([29]) لأنهم متأولون.
وأما بيع العنب لمن يتخذه خمرا فهو حرام بالإجماع، فقد روى الطبراني في الأوسط([30]) بإسناد حسن عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة» وأما ما نقل عن أبي حنيفة من أنه قال ويجوز بيع العنب لمن يعتصره خمرا، فمعناه يصح البيع مع المعصية، وليس معناه لا معصية فيه كما نص على ذلك صاحب كتاب إعلاء السنن من الحنفية»([31]). اهـ.
تنبيه مهم: ومن أوضح الدليل على تحريم الخمر قول الله عز وجل في سورة البقرة: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير}، والإثم الضرر، وفي هذه الآية سماها إثما، وفي سورة الأعراف قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم}، ففي هذه الآية الثانية نص صريح قاطع بتحريم الإثم، فهو دليل بنص القرءان على تحريم الخمر، وهذا رد على السفهاء الماجنين الساقطين المنحلين الذين يقولون لا دليل في القرءان على تحريمها أو يقولون نريد لفظا صريحا في التحريم، فبماذا سيجيبون عن هذا الدليل بعد الآن؟!
فبعد كل هذه الأدلة على تحريم الخمر من القرءان الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يتضح ويظهر أن ما قاله العفريت المصري مصطفى راشد الأزهري هو افتراء على الله وعلى رسوله وعلى دينه، فقال في قناة التحرير المصرية تاريخ الأحد 12/7/2014: «إن شرب الخمر ليس حراما وإن أي شخص يقول بأن شرب الخمر حرام يكذب على الله». وقال: «القرءان أمر بتجنبه والتجنب لا عين التحريم». ويظهر من كلامه أنه داع إلى الإلحاد والزندقة والخروج عن الإسلام وتكذيب القرءان.
وقد قال الفقيه الحنفي ملا علي القاري في كتابه «شرح الفقه الأكبر»: ولو قال حرمة الخمر لا تثبت بالقرءان كفر أي لأنه عارض نص القرءان وأنكر تفسير أهل الفرقان، وقد قال الله: {يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] أي القمار بجميع أنواعه، {والأنصاب والأزلام رجس} أي إثم وسخط، {من عمل الشيطان فاجتنبوه} أي الرجس، {لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] أي بالاجتناب عنه.
وفي الآية مبالغات عظيمة عند قوم لهم فهوم سليمة، لا تدركها عقول سقيمة.
وفي التتمة: من أنكر حرمة الخمر في القرءان كفر. وفي الخلاصة من قال([32]): من لا يشرب مسكرا فليس بمسلم، كفر. ومن استحل شرب نبيذ التمر إلى السكر إلى حد الإسكار كفر.
وقبله قال الفقيه الحنفي محمد بن إسماعيل المعروف بالبدر الرشيد المتوفى 678هـ([33]): «ولو قال حرمة الخمر لا تثبت بالقرءان كفر»، «وفي التيمية: من أنكر حرمة الخمر في القرءان كفر. وفي الخلاصة من قال من لا يشرب المسكر فليس بمسلم كفر، ومن استحل نبيذ التمر إلى السكر كفر».
وقال أيضا الدكتور عبد الرحمـٰـن كمال محمد في كتابه «علم أصول الدين أمره في الفقه الإسلامي»([34]): «ويكفر من قال إن حرمة الخمر لم تثبت بالقرءان».
وقال الفقيه الشافعي ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر([35]): «أما شرب ما سكر بالفعل فهو حرام وفسق بالإجماع، وكذا قليل عصير العنب الرطب إذا اشتد وغلي من غير عمل النار فيه فهو حرام ونجس إجماعا يحد شاربه ويفسق بل ويكفر إن استحله، قالوا ونزل في تحريم الخمر أربع آيات بمكة».
وقال أبو داود: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه». اهـ.
ورواه ابن ماجه وزاد «وآكل ثمنها»، وابن ماجه والترمذي: واللفظ له، وقال حسن غريب.
قال الحافظ المنذري رواته ثقات: «لعن رسول الله في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة له وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشترى له». اهـ.
وقال أبو داود وغيره: «إن الله حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه. وقال: «لعن الله اليهود ثلاثا إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه». وقال: «من باع الخمر فليشقص الخنزير». اهـ.
قال الخطابي: «معنى هذا توكيد التحريم والتغليظ فيه. يقول من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنازير فإنهما في الحرمة والإثم سواء، فإذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر». اهـ.
وأما قول هذا الزنديق المتستر باسم الأزهري وعمامته والأزهر منه براء بأنه لا يوجد عقوبة لشارب الخمر وأنه يتحدى في ذلك، فيكفي في الرد عليه ما ثبت في صحيح مسلم كتاب الحدود «باب حد الخمر» قال علي رضي الله عنه: «جلد رسول الله في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة – أي من الشريعة – وهذا أحب إلي – أي الأربعون .- ثم إن هذا المنحل الشيطان الذي يلبس عمامة أنكر الإجماع وقال لا يوجد شيء اسمه صحيح البخاري، وقال لا يجب على المرأة أن تغطي رأسها، ولعل هذا الإنسان مدفوع من قبل اليهود ليحاول أن يهدم الدين ولكن هيهات هيهات للناموسة أي الحشرة الصغيرة أن تزيل الجبال الراسيات.
وها هو محرف آخر من شيوخ الفتنة والفساد وفتاوى الهوى الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان محمد العريفي في قناة دبي بتاريخ 13/6/2013 يقول والعياذ بالله: إن صحابيا أهدى إلى النبي راويتي خمر وليس معنى هذا أنه يشربها بل ربما كان يهديها أو يبيعها.
وهذا الكلام من الوهابية ومن مشايخها فيه نسبة مخالفة الشرع إلى النبي وأنه كان متناقضا متضاربا بين أقواله وأفعاله، ففي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمرة عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشترى له». اهـ.
وفي رواية أخرى رواها البخاري والمزي: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها». اهـ.
فانظر أخي المسلم إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الخمر وحاملها والمحمولة إليه»، فعلى قول العريفي الوهابي إن أهداه الرسول لشخص أو باعه فالرسول ملعون على حسب دين الوهابية.
وفي الرواية الثانية: «لعن الله الخمر وبائعها ومبتاعها». اهـ. فعلى قول العريفي الوهابي الرسول ملعون إن أهداها أو باعها والعياذ بالله، بل نقول إن من قال ذلك فهو الكافر الملعون، وحاشا لرسول الله أشرف خلق الله صلى الله عليه وسلم وهذا استخفاف من الوهابية برسول الله وبمنصبه وبشريعته ألا فاعرفوا الوهابية على حقيقتها.
ويجب التحذير من قول بعضهم إن عيسى كان يشرب الخمر أو كان يشجع على شربها أو كان يقول لأمه أيتها المرأة زودينا بالخمر، ويجب التحذير من قول بعضهم أن عيسى كان يحول الماء إلى خمر وكان يسقيه للناس، وشرب الخمر والاسترسال فيه يتلف العقل وهذا لا يشجع عليه الأنبياء، ولم يحصل من نبي من الأنبياء أن شرب الخمر أو شجع على شربها.
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأشربة: باب الخمر من العنب وغيره.
([3]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأشربة: باب النهي عن المسكر.
([4]) قال الأنصاري في فتح الوهاب (2/165، 166) في كتاب الأشربة والتعازير «وللإمام زيادة قدره أي الحد عليه إن رءاه فيبلغ الحر ثمانين وغيره أربعين كما فعله عمر رضي الله تعالى عنه في الحر. ثم قال وهي أي زيادة قدر الحد عليه تعازير». اهـ.
([5]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحدود: باب حد الخمر.
([7]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الشربة: باب قول الله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90]، ومسلم في صحيحه: كتاب الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام.
([8]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأشربة: باب في تحريم الخمر، والترمذي في سننه: كتاب تفسير القرءان: باب ومن سورة المائدة، والنسائي في سننه: كتاب الأشربة: باب تحريم الخمر.
([9]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع: باب بيع الميتة والأصنام، ومسلم في صحيحه: كتاب المساقاة: باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.
([10]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام.
([11]) أخرجه النسائي في سننه: كتاب الأشربة: باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر.
([13]) تنبيه الخل الـمباح أن يصب على العنب أو العصير خل قبل غليانه حتى لا يغلي نص على ذلك أحمد في رواية الجماعة، وروى أبو داود قال: سمعت أحمد سئل عن الخل يتخذ قال: يصب عليه الخل حتى لا يغلي، قيل: صب عليه الخل فغلى، قال: يهراق قال: قلت لأحمد: فإن رجلا فعله فغلى ثم جعله خلا أيشربه؟ قال: نعم إذا كان خلا. من أراد تخليل العنب يشترط أن يزيل العروق والقشور والبذور منه، يعصر ثم يخلل هكذا الشرط عند الشافعي، عنده يشترط أن لا يكون هناك عين غير عصيره حتى لا يتنجس الخل بهذه العروق والقشور والبذور. وقال بعضهم إن هذه لا تؤثر فيبقى طاهرا عندهم ولو مع وجودها.
([15]) البتع هو نبيذ العسل إذا صار خمرا.
([16]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأشربة: باب الخمر من العسل وهو البتع، ومسلم في صحيحه: كتاب الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام.
([18]) حلية الأولياء (9/253)، صحيح ابن حبان (انظر: الإحسان: كتاب الأشربة: فصل في الأشربة، 7/367).
([19]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب في الاستعاذة.
([20]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأشربة: باب تحريم التداوي بالخمر، وأبو داود في سننه: كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
([25]) روضة الطالبين (10/170).
([26]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المظالم والغصب: باب النهي بغير إذن صاحبه، ومسلم = في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله.
([30]) المعجم الأوسط (5/448)، حسن إسناده الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (ص174).
([32]) (ص507، 508) الدار المسماة البشائر الإسلامية الطبعة الأولى.
([33]) مؤسسة نادر الطبعة الأولى ص47.
([34]) علم أصول الدين أمره في الفقه الإسلامي (ص585)، دار الكتب العلمية الطبعة الأولى.