الشرح: قال المحدث العبدري الهرري رضي الله عنه في كتابه الشرح القويم ما نصه([1]):
ومعنى قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] الإحاطة بالعلم.
قال الإمام الحافظ الهرري رضي الله عنه: أي محيط بكم علما لا يخفى عليه شيء أينما كنتم. وقوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] معناه أن الله تعالى أعلم بالعبد من نفسه هو أعلم بنا من أنفسنا، الله تعالى تعظيما لنفسه يقول: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} أي إلى العبد {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} الوريد عرقان في الإنسان من جانبي الرقبة ينزلان من الرأس ويتصلان بعرق القلب.
وقد قال إسماعيل حقي صاحب التفسير المعروف([2]) لا يجوز أن نقول إنه تعالى بكل مكان وهذا قول جهلة المتصوفة، وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني: «قال علي الخواص – يعني شيخه في التصوف – لا يجوز أن يقال إنه تعالى بكل مكان»، وأول من قال هذا القول رجل اسمه جهم بن صفوان.
وتأتي الـمعية أيضا بمعنى النصرة والكلاءة كقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا} [النحل: 128].
فمعنى الآية أن الله مع الذين يخافونه، أي ينصرهم ويحفظهم، وليس معناه يمشي وينتقل معهم، فإن الله تعالى نصر الأولياء وحفظهم من أن يغرقهم الشيطان في المعاصي، وما أقبح قول ابن تيمية([3]) إن الله على العرش حقيقة ومعنا حقيقة. هذا مع أنه ثبت عنه أنه قال([4]): «إن الله بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر». اهـ. وقد صدق قول الحافظ أبي زرعة العراقي فيه([5]) «علمه أكبر من عقله». اهـ. أي محفوظاته أكبر من فهمه أي أنه فاسد الفهم كثير الحفظ.
وأما النصر إن كان بالنسبة للأعداء كالكفار فالمؤمن منصور معنى ولو كان بحسب الظاهر أصابه من العدو تلف مال ونفس فهو منصور لأن الحق معه، فكم من نبي قتله الكفار، والأنبياء ليسوا هينين عند الله، أما أعداؤهم فهم المغلوبون لأنهم على باطل وفي الآخرة ليس لهم إلا العذاب الأليم، أما أولياء الله فهم في الدنيا منصورون بالحجة وأحيانا بالحجة والغلبة الظاهرة وفي الآخرة منصورون حجة وظاهرا وهذا معنى قول الله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا} الآية [غافر: 51] فمعنى معية الكلاءة والنصرة يحفظهم من أن يغرقوا في المعاصي فيصيروا أسراء للشيطان.
المعية الأولى في قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} تشمل جميع الخلق المؤمن والكافر لأن الله عالم بأحوال الجميع، بأحوال المؤمنين وبأحوال الكافرين لا يخفى عليه شيء، أما معية الكلاءة والنصرة فهي خاصة بالمؤمنين الأتقياء.
تنبيه قوله تعالى: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} [الروم: 47] أي أننا نتفضل ونتكرم عليهم، وليس المعنى أنه فرض على الله لأنه لا يجب شيء على الله، فالله تعالى ليس لأحد حق لازم عليه أي أمر يلزمه وهو مجبور عليه وإن تركه يكون ظالما، الله منزه عن ذلك إنما الله متفضل على عباده المؤمنين بأن يكرمهم إن هم أدوا ما عليهم، ومن هنا كره الإمام أبو حنيفة([6]) أن يقول الرجل: أسألك بحق فلان لأنه يرى أن هذه العبارة توهم أن على الله حقا لخلقه لازما له فمن هذه الحيثية كره ذلك، ثم غير أبي حنيفة يرى أن هذه العبارة لا توهم ذلك إنما معناه أسألك بما لفلان عندك من الفضل والكرامة أن تعطينا كذا وكذا، وهذا هو القول الصحيح الراجح لثبوته في الحديث وهو حديث([7]) «أسألك بحق السائلين عليك» إلى ءاخره. فإنه حديث حسن كما قال الحافظ ابن حجر وغيره([8]).
وليس المعني بها الحلول والاتصال ويكفر من يعتقد ذلك لأنه سبحانه وتعالى منزه عن الاتصال والانفصال بالمسافة. فلا يقال إنه متصل بالعالم ولا منفصل عنه بالمسافة لأن هذه الأمور من صفات الحجم والحجم هو الذي يقبل الأمرين والله جل وعلا ليس بحادث، نفى ذلك عن نفسه بقوله: {ليس كمثله شيء}.
فلا يجوز على الله أن يكون متصلا بالعالم ولا منفصلا عن العالم بالمسافة، وحينما يراه المؤمنون في الآخرة بعدما يدخلون الجنة يرونه بلا مسافة بينهم وبينه لا يرونه حجما لطيفا ولا حجما كثيفا ولا بمسافة قريبة أو بعيدة.
ولا يوصف الله تعالى بالكبر حجما([9]) ولا بالصغر، ولا بالطول ولا بالقصر، لأنه مخالف للحوادث، ويجب طرد كل فكرة عن الأذهان تفضي إلى تقدير الله تعالى وتحديده.
فكل شيء يوهم أن الله له حجم ومساحة وكمية يجب إخراجه من القلب لأن الله منزه عن ذلك كله. فالحجم حادث مهما كان صغيرا أو كبيرا، وأصغر الأشياء يقال له الجوهر الفرد وهو لا ينقسم وأعظم الأجرام هو العرش والله تعالى لا يشبه هذا ولا هذا. كل شيء فيه تأليف وتركيب محتاج إلى من ألفه وركبه والله منزه عن أن يكون كذلك، فالمؤمن يريح ضميره باعتقاد أنه مهما تصور بباله فالله بخلاف ذلك، فإذا لزم هذا ارتاح ضميره.
فكل الخواطر التي تؤدي إلى جعل الله تعالى ذا مقدار وشكل وهيئة تنبذ وتطرد فالمؤمن يترك هذه الخواطر وينشغل بغيرها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عنه أبو القاسم الأنصاري([10]): «لا فكرة في الرب» معناه: أن الله تعالى لا يدركه الوهم لأن الوهم يدرك الأشياء التي ألفها أو هي من جنس ما ألفه كالإنسان والغمام والمطر والشجر والضوء والظلام والريح والظل ونحو ذلك، والأشياء الحادثة لو لم يرها الإنسان كالعرش يستطيع أن يتصورها ولو من بعض الوجوه، وكذلك إذا ذكرت لنا الجنة يمكننا أن نتصورها في أوهامنا فنصادف الحقيقة في بعض الصفات ونخطئ في بعض الصفات، أما الله تعالى فلا تدركه تصورات العباد وأوهامهم وقد قال أبي بن كعب الذي هو من مشاهير الصحابة في تفسير قوله تعالى: {وأن إلىٰ ربك المنتهىٰ}: «إليه ينتهي فكر من تفكر» رواه أبو القاسم الأنصاري في شرح الإرشاد([11]).
وكان اليهود قد نسبوا إلى الله تعالى التعب، فقالوا: إنه بعد خلق السمـوات والأرض استراح فاستلقى على قفاه، وقولهم هذا كفر. والله تعالى منزه عن ذلك وعن الانفعال كالإحساس بالتعب والآلام واللذات فالذي تلحقه هذه الأحوال يجب أن يكون حادثا مخلوقا يلحقه التغير، وهذا يستحيل على الله تعالى. قال تعالى: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} [ق: 38].
فاليهود قالت إن الله خلق السمـوات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السبت فاستلقى على قفاه جعلوه جسما له أعضاء، وكذلك المشبهة جعلته جسما له أعضاء فقالت إنه جالس على العرش. فالمشبهة إخوة اليهود وإن ظنوا بأنفسهم أنهم موحدون وقد أخبر الله تعالى أنه خلق السمـوات والأرض وما أصابه من لغوب واللغوب معناه التعب لأن الله منزه عن التعب وعن كل الانفعالات ومنزه عن الغضب بالانفعال والرضا بالانفعال.
فائدة: خلقت الأرض يوم الأحد والاثنين ثم خلقت السمـوات في اليومين التاليين الثلاثاء والأربعاء ثم خلقت البهائم والأشجار الخميس والجمعة ثم دحيت الأرض والدحو هو البسط بأن خلق فيها الأشجار والأنهار وسائر المرافق وذلك معنى قول الله: {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 30] وليس معنى الدحو جعلها كروية وهذا خلاف اللغة، ثم خلق ءادم ءاخر يوم الجمعة وكل يوم من هذه الأيام الستة التي خلقت فيها السمـوات والأرض قدر ألف سنة بتقدير أيامنا هذه. وكل شيء ينتفع به ابن ءادم خلق قبل ابن ءادم، البهائم خلقت لننتفع بها وكذلك الطيور قال تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا} [الجاثية: 13].
والأرض مسطوحة شبيهة بالكرة لا تنافي بين الأمرين بين سطحها وبين شبهها بالكرة لأن معنى مسطوحة موسعة قال تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 30] معناه: وسعها، وليس معنى قوله تعالى: {وإلى الأرض كيف سطحت} [الغاشية: 20] أنها ليست شبيهة بالكرة فالأرض لها شبه بالكرة وهي واسعة.
وإنما يلغب من يعمل بالجوارح والله سبحانه وتعالى منزه عن الجارحة.
والذي يلغب هو الذي يفعل بالجوارح أما من فعله بلا جارحة ولا حركة ولا ءالة ولا مباشرة بل بالقدرة والإرادة والعلم فلا يلغب أي لا يلحقه تعب.
قال تعالى: {إن الله هو السميع البصير} [غافر: 20] فالبارئ موصوف بالبصر أي بالرؤية وبالسمع أي أنه يسمع الأصوات لا بسمع حادث عند حدوث الأصوات، ويرى ذاته والمخلوقات برؤية أزلية ليست برؤية تحدث له عند حدوث المرئيات وذلك لأن ذلك شأن العباد يسمعون الأصوات بسمع يحدث لهم عند حدوثها ويرون المبصرات برؤية تحدث لهم عند رؤيتها.
فالله تعالى سميع وبصير بلا كيفية، فالسمع والبصر هما صفتان أزليتان بلا جارحة، أي بلا أذن أو حدقة وبلا شرط قرب أو بعد أو جهة، وبدون انبعاث شعاع من البصر، أو تموج هواء.
ومن قال لله أذن فقد كفر ولو قال له أذن ليست كآذاننا، بخلاف من قال له عين ليست كعيوننا ويد ليست كأيدينا بل بمعنى الصفة فإنه جائز لورود إطلاق العين واليد في القرءان ولم يرد إطلاق الأذن عليه.
فلا يجوز أن يقال لله أذن ليست كآذاننا لأنه لم يرد إطلاق الأذن مضافا إلى الله لا في الكتاب ولا في السنة، أما أن يقال لله عين ليست كأعيننا أو لله يد ليست كأيدينا أو لله وجه ليس كوجوهنا فيجوز لأن ذلك ورد في الشرع لكن مع تنزيه الله عن الجارحة، ولا نقيس على اليد والوجه والعين لأن هذا ورد وذاك لم يرد، قال أبو الحسن الأشعري([12]): «ما أطلق الله على نفسه أطلقناه عليه وما لا فلا».
وأما الحديث الذي فيه([13]): «لله أشد أذنا لقارئ حسن الصوت بالقرءان من أحدكم يستمع إلى قينته» فالأذن هو الاستماع([14]) وليس الأذن. اهـ كلام الحافظ الهرري رضي الله عنه.
([1]) الشرح القويم (ص276 – 283).
([4]) انظر: ذخائر القصر (ص69)، مخطوط.
([5]) الأجوبة المرضية (ص93 – 93).
([6]) رد المحتار على الدر المختار (5/274).
([7]) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب المساجد والجماعات: باب المشي إلى الصلاة.
([8]) نتائج الأفكار (1/272)، المغني عن حمل الأسفار (1/289).
([9]) فقولنا: «الله أكبر» معناه: أكبر من كل كبير قدرا ودرجة وقوة وعلما لا امتدادا وهذا مراد السلف بقولهم في الآيات المتشابهة: «أمروها كما جاءت بلا كيفية» ليس معناه أن له كيفية ليست معلومة لنا. وليس موافقا للسلف من يقول بناء على ذلك استواء الله تعالى على العرش جلوس ولكن لا نعلم كيفية ذلك الجلوس.
([10]) قال ذلك الفقيه الأصولي بدر الدين الزركشي في شرح جمع الجوامع.
([11]) رواه من حديث ابن عمر أبو داود وغيره.
([12]) كما قال الإمام الأوزاعي رضي الله عنه ومعناه أن الله يحب سماع القرءان لقارئ مؤمن يحسن قراءته أكثر مما يحب صاحب القينة الاستماع إلى قينته أي جاريته التي تغني له.
([13]) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب في حسن الصوت بالقرءان.