الشرح: ليعلم أن الأجور في هذه الآية هي المهور الحقيقية أي ما يدفع للزوجة مهرا لها في عقد النكاح فلا يجوز ولا يصح أن تفسر الأجور هنا بمعنى ما يدفع للمرأة التي يتمتع بها بغير عقد نكاح صحيح فلا دليل في الآية الكريمة على إباحة نكاح المتعة بعد أن حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ومن ادعى ذلك فلا دليل له.
قال الإمام المفسر السلفي محمد بن جرير الطبري رحمه الله في كتابه تفسير الطبري ما نصه: «قال أبو جعفر: يعني بقوله – جل ثناؤه: – {فانكحوهن} فتزوجوهن وبقوله: {بإذن أهلهن} بإذن أربابهن وأمرهم إياكم بنكاحهن، ورضاهم. ويعني بقوله: {وءاتوهن أجورهن} وأعطوهن مهورهن، كما: حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: قال: {وءاتوهن أجورهن} الصداق. ويعني بقوله: {بالمعروف} على ما تراضيتم به، مما أحل الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورا لهن». اهـ.
وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره معالم التنزيل ما نصه: «{وءاتوهن أجورهن} مهورهن». اهـ.
ولزيادة البيان والإيضاح لهذه المسألة مع ذكر أدلة تحريم نكاح المتعة نذكر هنا ما قاله شيخ الإسلام العلامة عبد الله الهرري الحبشي في كتابه صريح البيان في الرد على من خالف القرءان ما نصه([1]):
قال الله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون *إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 5 – 7].
فهذه الآية تفيد أن التمتع بها ليست واحدة من المذكورة، أما إنها ليست بمملوكة فظاهر، وأما إنها ليست بزوجة فلأن الزواج له أحكام كالإرث وغيره وهي منعدمة فيها باتفاق من أهل السنة وغيرهم، فلا ميراث فيها ولا نسب ولا طلاق، والفراق فيها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق، وبهذه الوتيرة أثبت القاضي يحيى بن أكثم كون المتعة بعد تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها زنا.
وأما قوله تعالى: {وءاتوهن أجورهن} [النساء: 25] فمعناه مهورهن أي مهور النساء في الزواج الشرعي الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه([2]): «لا نكاح إلا بولي»، فالأجور هنا هي المهور كما ذكر ذلك أهل التفسير([3]).
وقال العلامة اللغوي ابن منظور في لسان العرب ما نصه([4]): «وأجر المرأة: مهرها». اهـ. فلا يجوز نكاح المتعة وهو أن يقول: زوجتك ابنتي يوما أو شهرا لما روى مسلم والبيهقي([5]) أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقي ابن عباس رضي الله عنهما وبلغه أنه يرخص في متعة النساء فقال له علي: «إنك رجل تائه» أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية». اهـ.
أيضا لأنه عقد يجوز مطلقا فلم يصح مؤقتا كالبيع، ولأنه نكاح لا يتعلق به الطلاق والظهار والإرث وعدة الوفاة فكان باطلا كسائر الأنكحة الباطلة([6]).
قال القرطبي في تفسيره ما نصه([7]): «قال ابن العربي: الذي أجمعت عليه الأمة تحريم نكاح المتعة». اهـ.
وقال النسفي في تفسير قوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] ما نصه([8]): «فيه دليل تحريم المتعة» اهـ، وكذا ذكر الرازي في تفسيره([9]).
قال النووي الشافعي في روضة الطالبين ما نصه([10]): «النكاح المؤقت باطل سواء قيده بمدة مجهولة أو معلومة، وهو نكاح باطل». اهـ.
وفي المدونة([11]) للإمام مالك أنه سئل: «أرأيت إن قال: أتزوجك شهرا يبطل النكاح أم يجعل النكاح صحيحا ويبطل الشرط؟ قال مالك: النكاح باطل يفسخ، وهذه المتعة، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريمها». اهـ.
وقال السرخسي الحنفي في المبسوط ما نصه([12]): «المتعة أن يقول الرجل لامرأته: أتمتع بك كذا من المدة بكذا من البدل، وهذا باطل عندنا». اهـ.
وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني ما نصه([13]): «معنى نكاح المتعة أن يتزوج المرأة مدة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهرا أو سنة أو إلى انقضاء الموسم أو قدوم الحج وشبهه، سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة، فهذا نكاح باطل نص عليه أحمد فقال: نكاح المتعة حرام». اهـ.
فبعد هذه النقول من المذاهب الأربعة ونقل الإجماع على تحريم نكاح المتعة يتبين أن هذا النكاح باطل فاسد.
وأما ما يسميه البعض «زواج المتعة» فالجواب: أنه أخرج الإمام مسلم في كتابه الجامع الصحيح «صحيح مسلم» حديثا صحيح الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال([14]): «يا أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلهن، ولا تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا»، وكتاب صحيح مسلم مشهور بين العلماء وهو أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي بعد كتاب صحيح البخاري فهذان كتابان معتمدان عند المسلمين.
فإن ادعى البعض أنه حديث موضوع مختلق ومكذوب فليثبتوا ذلك عبر دراسة سند الحديث إن هم استطاعوا، أم أنه خفي عليهم أن في علم الحديث النبوي إسناد من جراء دراسته ينكشف الحديث المكذوب من غيره، فالإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
والدراسة هذه تؤخذ من كتب الجرح والتعديل التي تتكلم عن رجال السند في الحديث، وبمعرفة أحوال الرواة أي رواة الحديث يعلم صحة الحديث أو عدم صحته، فهل بعد كل هذا يستطيع أحد أن يثبت لنا عن طريق دراسة السند وأحوال الرواة أن حديث تحريم المتعة مكذوب؟ من استطاع فليفعل ولن يستطيع.
وما رواه مسلم أيضا في صحيحه([15]) من حديث عمرو الناقد وابن نمير قالا: حدثنا سفيان بن عيينه، عن الزهري، عن الربيع ابن سبرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة. وعن الربيع بن سبرة عن أبيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى يوم الفتح عن متعة النساء([16]).
قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إن أناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه فقال: إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين يريد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك.
قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينما هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلا، قال: ما هي؟ لقد فعلت في عهد إمام المتقين، فقال ابن أبي عمرة: إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدم ولحم الخنزير ثم أحكم الله الدين ونهى عنها([17]).
وروى البخاري ومسلم وابن ماجه وغيرهم([18]) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية. وروى مسلم أيضا([19]) أن عمر بن عبد العزيز قال: حدثنا الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وقال: «ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه».
وروى ابن ماجه في سننه وغيره([20]) عن ابن عمر أنه قال: «لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا في المتعة ثلاثا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدا يتمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله أحلها بعد إذ حرمها»، فلا حجة بعد هذا لمن يقول إن أبا بكر وعمر هما حرما المتعة من تلقاء أنفسهما بل رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمها إلى يوم القيامة.
ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه البيهقي في السنن الكبرى([21]) عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال عن نكاح المتعة: «ذلك الزنا».
وأما كون نكاح المتعة قد أحل فترة قبل فتح مكة فلأن النساء المؤمنات المسلمات كان عددهن قليلا وكان الجندي المسلم إذا خرج للغزو مسافة بعيدة تشق عليه العزوبة لكن بعد فتح مكة وقد دخل الناس في دين الله أفواجا فدخل كثير من نساء العرب في دين الله، ثم نزلت بعد ذلك أحكام الإرث والطلاق في القرءان الكريم فلم تدع الحاجة للمتعة فلذا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعة إلى يوم القيامة.
وزيادة تفصيل ذلك أن متعة النساء اقتضت الحكمة إباحتها في زمن كان أصل إباحة متعة النساء للحرب والضرورة، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما يكونون في السفر في بعض أسفارهم للغزوات أي للجهاد في سبيل الله تطول عليهم العزوبة، فأحل الله لهم أن يستمتعوا من النساء تسهيلا عليهم ورحمة بهم، ثم نزل الوحي السماوي بتحريمها ثم نزل الوحي بإباحتها وذلك في غزوة الفتح ثم نسخ الله تعالى هذا الحكم بعد ثلاثة أيام من دخولهم مكة إلى يوم القيامة فكان الوحي الذي حرمها عام الفتح هو ءاخر ما نزل في متعة النساء. ويدل عليه ما رواه مسلم([22]) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حرمها: «إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة».
ثم إن هناك سببا ءاخر وهو أن الميراث والعدة وأحكام الطلاق لم تكن ترتبت قبل ذلك فلما ترتبت هذه الأحكام بالوحي الذي نزلت به لم يبق داع لضرورة إباحة المتعة.
ثم إن سيدنا عليا رضي الله عنه ما عمل المتعة قط ولا مرة لا قبل زواجه بفاطمة رضي الله عنها ولا بعد زواجه بها إلى أن توفاه الله تعالى، وكذا الحسن والحسين وعلي زين العابدين رضي الله عنهم ولا يستطيع أحد أن يثبت ذلك على علي أو على أبنائه أنهم عملوا المتعة بعد أن حرمها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومما يدل على ذلك اعتبار الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه المتعة هي الزنا بعينه كما قدمنا.
تنبيه: ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس هو من حرمها من قبل نفسه فلو كان هو فعل ذلك لكان قام عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي لا يخاف في الله لومة لائم لأن عليا لم يكن من الذين يتركون النطق بالحق خوفا من الناس بل كان جريئا لقول الحق، كان رد عليه علي وغيره من الصحابة لكن بما أن عليا نفسه يعتقد أن المتعة حرام بعد تحريم الله تعالى ما أنكر على عمر، فعمر رضي الله عنه ما حرم المتعة من تلقاء نفسه إنما أشاع الحرمة التي حرمها رسول الله في حياته عام الفتح، أشاع هذا لأنه الخليفة فقد صادف أن بعض الناس ظلوا يفعلون المتعة في أيام عمر رضي الله عنه فأراد أن يعلن هذا الأمر الذي خفي على بعض الناس الذين ما سمعوا أن المتعة حرمها الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما أحلها.
وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال([23]): «نعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن» معناه: أنا أتمنى أن يكون أبو الحسن وهو على حاضرا عندي عند كل مسألة معضلة، فعمر كان يشتهي إذا وقع في الغلط أن ينبهه علي، فلو كان إظهار عمر لحرمة المتعة باطلا فما الذي ألجم على بن أبي طالب عن الكلام! وما كان على زوج ابنته لرجل يخالف دين الله تعالى ويحرم ما أحل الله، سبحانك هذا بهتان عظيم». اهـ.
([1]) صريح البيان في الرد على من خالف القرءان (الطبعة الثالثة طبعة دار المشاريع سنة 1429هـ 2008م ص600 – 608).
([2]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب النكاح: باب في الولي، والترمذي في سننه: كتاب النكاح: باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، وابن ماجه في سننه: كتاب النكاح: باب لا نكاح إلا بولي، وأحمد في مسنده (4/394).
([3]) تفسير القرطبي (5/142)، تفسير الرازي (10/63، 64)، تفسير الطبري (4/11)، غريب القرءان للسجستاني (ص68).
([5]) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، سنن البيهقي (7/201).
([14]) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، سنن البيهقي (7/203).
([15]) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة.
([16]) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة.
([17]) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة.
([18]) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة أخيرا، صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، سنن ابن ماجه: كتاب النكاح: باب النهي عن نكاح المتعة، سنن البيهقي (7/201).
([19]) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة.
([20]) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، سنن ابن ماجه: كتاب النكاح: باب النهي عن نكاح المتعة، سنن البيهقي (7/201)، صحيح ابن حبان، انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (6/175 – 176).
([22]) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة.