الخميس يناير 29, 2026

1. قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} [الحاقة: 44].

الشرح: إن مما أجمعت عليه الأمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من أن يفتري على الله أو أن يقول ما هو خلاف القرءان ومعصوم من الفتوى بغير علم فمستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يتقول على الله ومن زعم ذلك فهو كافر بالله العظيم ويكفي في الرد عليه من حيث العقل أنه لو كان كذلك لما ظهرت على يديه معجزة واحدة تصدقه بل لظهر ما يكذبه كما حصل لمسيلمة الكذاب لعنه الله ومعجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بلغت في حياته ألف وخمس مئة وقيل ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك كما قال بعض العلماء.

وأما قول الله تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} أي مستحيل عليه أن يتقول علينا فلا يحصل منه ذلك البتة ولا بأي وجه من الوجوه.

والأقاويل هنا أي الباطلة، والأقاويل جمع الجمع وهو أقوال وأقوال جمع قول وسميت الأقوال المتولة أقاويل تصغيرا لها وتحقيرا.

وقال المفسر التونسي المالكي محمد الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير في تفسير هذه الآية ما نصه: «ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين» هذه الجملة عطف على جملة «لا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون» فهي مشمولة لما أفادته الفاء من التفريع على ما اقتضاه تكذيبهم بالبعث من تكذيبهم القرءان ومن جاء به وقال: إنه وحي من الله تعالى، فمفاد هذه الجملة استدلال ثان على أن القرءان منزل من عند الله تعالى على طريقة المذهب الكلامي، بعد الاستدلال الأول المستند إلى القسم والمؤكدات على طريقة الاستدلال الخطابي. وهو استدلال بما هو مقرر في الأذهان من أن الله واسع القدرة، وأنه عليم فلا يقرر أحدا على أن يقول عنه كلاما لم يقله، أي لو لم يكن القرءان منزلا من عندنا ومحمد ادعى أنه منزل منا، لما أقررناه على ذلك، ولعجلنا بإهلاكه. فعدم هلاكه صلى الله عليه وسلم دال على أنه لم يتقوله على الله، فإن (لو) تقتضي انتفاء مضمون شرطها لانتفاء مضمون جوابها. فحصل من هذا الكلام غرضان مهمان: أحدهما: يعود إلى ما تقدم أي زيادة إبطال لمزاعم المشركين أن القرءان شعر أو كهانة إبطالا جامعا لإبطال النوعين، أي ويوضح مخالفة القرءان لهذين النوعين من الكلام أن الآتي به ينسبه إلى وحي الله وما علمتم شاعرا ولا كاهنا يزعم أن كلامه من عند الله. وثانيهما: إبطال زعم لهم لم يسبق التصريح بإبطاله وهو قول فريق منهم افتراه، أي نسبه إلى الله افتراء وتقوله على الله قال تعالى أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فبين لهم أنه لو افترى على الله لما أقره على ذلك. ثم إن هذا الغرض يستتبع غرضا آخر وهو تأييسهم من أن يأتي بقرءان لا يخالف دينهم ولا يسفه أحلامهم وأصنامهم، قال تعالى: {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هـذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله} [يونس: 15] وهذه الجملة معطوفة عطف اعتراض فلك أن تجعل الواو اعتراضية فإنه لا معنى للواو الاعتراضية إلا ذلك. والتقول: نسبة قول لمن لم يقله، وهو تفعل من القول صيغت هذه الصيغة الدالة على التكلف؛ لأن الذي ينسب إلى غيره قولا لم يقله يتكلف ويختلق ذلك الكلام، ولكونه في معنى كذب عدي بـ(على) والمعنى: لو كذب علينا فأخبر أنا قلنا قولا لم نقله إلخ. و(بعض) اسم يدل على مقدار من نوع ما يضاف هو إليه، وهو هنا منصوب على المفعول به لـ (تقول). والأقاويل: جمع أقوال الذي هو جمع قول، أي بعضا من جنس الأقوال التي هي كثيرة فلكثرتها جيء لها بجمع الجمع الدال على الكثرة، أي ولو نسب إلينا قليلا من أقوال كثيرة صاد». اهـ.

وقال المفسر الفخر الرازي في تفسيره الكبير ما نصه: «اعلم أن حاصل هذه الوجوه أنه لو نسب إلينا قولا لم نقله لمنعناه عن ذلك. إما بواسطة إقامة الحجة فإنا كنا نقيض له من يعارضه فيه، وحينئذ يظهر للناس كذبه فيه، فيكون ذلك إبطالا لدعواه وهدما لكلامه، وإما بأن نسلب عنده القدرة على التكلم بذلك القول، وهذا هو الواجب في حكمة الله تعالى؛ لئلا يشتبه الصادق بالكاذب. المسألة الثانية: الوتين هو العرق المتصل من القلب بالرأس الذي إذا قطع مات الحيوان، قال أبو زيد: وجمعه الوتن و[يقال] ثلاثة أوتنة والموتون الذي قطع وتينه، قال ابن قتيبة: ولم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه، فكان كمن قطع وتينه، ونظيره قوله عليه السلام: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري «والأبهر عرق يتصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه، فكأنه قال: هذا، أو أن يقتلني السم وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره» اهـ.

وقال ابن كثير في تفسيره ما نصه: «يقول تعالى: {ولو تقول علينا} أي: محمد صلى الله عليه وسلم لو كان كما يزعمون مفتريا علينا، فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك، لعاجلناه بالعقوبة» اهـ.

تنبيه: يجب التحذير مما ذكر في بعض التفاسير كتفسير أبي حيان الأندلسي البحر المحيط وتفسير الفيض المبارك في تفسير جزء تبارك على تفسير قول الله تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} ما نصه: «ولا يكون الضمير في تقول عائدا على الرسول صلى الله عليه وسلم لاستحالة وقوع ذلك منه»، فهذا القول أي أن الضمير ليس عائدا على الرسول صلى الله عليه وسلم هو قول باطل مردود لأنه خلاف سياق الآيات وقال الإمام المحدث المفسر الشيخ عبد الله الهرري الحبشي رضي الله عنه «إنكار ذلك معصية كبيرة».