الأربعاء فبراير 18, 2026

1. قال تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الجاثية: 13].

الشرح: إن مما أجمعت عليه الأمة أن الله سبحانه وتعالى ليس جسما فلا يقبل الانقسام ولا التجزؤ، لأنه سبحانه قال في القرءان الكريم في ذم المشركين {وجعلوا له من عباده جزءا} والجسم هو الذي يقبل التركيب والانقسام والله تعالى ليس جسما وليس صفة للجسم، وقد قال الفقيه المحدث الفقيه الحنفي الشيخ عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي: «معرفة الله عليك تفترض بأنه لا جوهر ولا عرض»، والله تعالى لو كان جسما لاحتاج إلى من يوجده والاحتياجية تنافي الألوهية ولو كان جسما لكان مخلوقا والمخلوق لا يخلق، وأما قول الله تعالى: {جميعا منه} فليس معناه أنه جسم وأن العالم أجزاء منه فهذا مستحيل شرعا وعقلا ولو كان الله تعالى جسما وعنه تفرع العالم لكان معنى ذلك أن الشياطين والخنازير والكلاب والجرذان والفئران والنجاسات أجزاء منه، وهذا على مقتضى قول المجسمة وهو أصرح الصريح في الكفر وتقدس الله وتنزه عن هذه السخافات، ولكن معنى الآية الكريمة {جميعا منه} أي أن كل الأشياء التي في هذا الكون صادرة من الله خلقا وتكوينا، ومعنى صادرة من الله أي وجدت بقدرته، وليس معناه انبثقت عنه ولا أنها خرجت منه ولا أنها أجزاء منه سبحانه بل هي مسخرة للإنسان أخرجها الله من العدم إلى الوجود وقضائه وقدره وخلقه وإيجاده ليس غير الله أوجدها.

وقد أجمعت الأمة على كفر من نسب إلى الله الجسمية أو الانقسام أو التجزؤ.

قال الإمام القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، وبين أنه خلق ما خلق لمنافعهم. وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه؛ يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام» اهـ.

وقال الرازي في كتابه التفسير الكبير ما نصه: «فإن قيل: ما معنى (منه) في قوله: {جميعا منه}؟ قلنا: معناه: أنها واقعة موقع الحال، والمعنى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده يعني أنه تعالى مكونها وموجدها بقدرته وحكمته ثم مسخرها لخلقه». اهـ.

وإن عقيدة التجسيم قد انتشرت بين الغوغاء ممن يدعون الإسلام والإسلام منهم براء وهذه العقيدة في الأصل أخذت من اليهود وننبه إلى خطر عظيم وبلاء جسيم وحيلة دهماء تشتغل عليها المجسمة الوهابية وهي أنهم بثوا وزرعوا أبواقا لهم بين الناس باسم الأشاعرة ولا يعرفون علنا بأنهم من الوهابية بل ربما ظنهم الناس أنهم من أئمة الأشاعرة الذين أعلنوا الحرب الشعواء على الوهابية وهذا المقصود من هذه الحيلة ليلتف حولهم الجهال باسم أنهم من مشايخ الأشاعرة ويعملون على نشر فسادهم ويركزون على عدم تكفير المجسمة وهذا إنما هو عين عمل الوهابية وشغلهم الشاغل وهو فتح الباب لهم وتمهيد الطريق أمامهم ليجلبوا الناس إليهم وليجمعوا السفهاء حولهم وبهذا العمل تقوى الوهابية وتنتشر وبعد ذلك يعم الفساد ويعظم الخطر وتنتشر البلايا لأنهم جمعوا الناس للشر والفساد وتكفير الأشاعرة والماتريدية وهؤلاء العميان موقفهم صعب يوم القيامة كيف أنهم غشوا الناس وخدعوا الأمة بقولهم: «المجسم ليس كافرا» وبقولهم «المسألة خلافيه» وبقولهم «الصحيح أن المجسم لا يكفر» وهذا فساد عظيم وهدم للدين والعقيدة.

ومن هؤلاء الذين يمهدون للوهابية في البلاد ويعملون على نشر هذا الفساد المدعو حسن قاطرجي اللبناني والمدعو فريد الباجي التونسي والمدعو سعيد فودة الأردني والمدعو على الجفري اليمني وآخر تركي وآخر مصري، فهؤلاء يتسترون باسم الأشاعرة وهنا الخطر ثم ينشرون بين الناس عدم تكفير المجسمة وبهذا يخربون ويفسدون من داخل مجتمعات الأشاعرة والماتريدية، فليتنبه لهذه الحيلة فإنهم يعملون للوهابية ما لا تقدر عليه الوهابية، فكن أخي المسلم متيقظا حذرا منتبها من هذا الغزو والهجوم على الأشاعرة والماتريدية من الداخل.

وللرد عليهم وبيان أن تكفير المجسمة إجماع والقول بعدم تكفيرهم قول ساقط لا طائل تحته ولا وزن له ولا عبرة به ننقل لك نصوص علماء المذاهب الأربعة في ذلك.

بيان أن الإجماع قائم على تكفير المجسم والجهوي

وقد نقل جمهرة من الأعلام الإجماع على تكفير المجسم والجهوي، وهذا التكفير لمثبت الجهة لله تعالى واضح، لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية، وإن قال غير ذلك فهو قول متناقض، وممن نقل ذلك:

قال الشيخ ابن حجر الهيتمي: «واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم، وهم حقيقون بذلك»([1]) أي جديرون بالحكم عليهم بالكفر.

قال الشيخ ابن حجر الهيتمي: عقيدة إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف متقلبه ومأواه وأفاض علينا وعليه من سوابغ امتنانه وبوأه الفردوس الأعلى من جنانه، موافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا من الجهة والجسمية وغيرهما من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه، فلعن الله من نسب ذلك إليه، أو رماه بشيء من هذه المثالب التي برأه الله منها، وقد بين الحافظ الحجة القدوة الإمام أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه الوصمة القبيحة الشنيعة، أن كل ما نسب إليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان وأن نصوصه صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه فاعلم ذلك فإنه مهم.

وإياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة، فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك، بل هم على أسوأ الضلال وأقبح الخصال وأبلغ المقت والخسران وأنهى الكذب والبهتان فخذل الله متبعهم وطهر الأرض من أمثالهم.

وإياك أن تغتر أيضا بما وقع في الغنية لإمام العارفين وقطب الإسلام والمسلمين الأستاذ عبد القادر الجيلاني، فإنه دسه عليه فيها من سينتقم الله منه وإلا فهو برئ من ذلك وكيف تروج عليه هذه المسألة الواهية مع تضلعه من الكتاب والسنة وفقه الشافعية والحنابلة حتى كان يفتي على المذهبين، هذا مع ما انضم لذلك من أن الله من عليه من المعارف والخوارق الظاهرة والباطنة وما أنبأ عنه ما ظهر عليه وتواتر من أحواله، ومنه ما حكاه اليافعي رحمه الله وقال: مما علمناه بالسند الصحيح المتصل أن الشيخ عبد القادر الجيلاني أكل دجاجة ثم لما لم يبق غير العظم توجه إلى الله في إحيائها فأحياها الله له وقامت تجري بين يديه كما كانت قبل ذبحها وطبخها، فمن امتن الله عليه ببث هذه الكرامات الباهرة يتصور أو يتوهم أنه قائل بتلك القبائح! التي لا يصدر مثلها إلا عن اليهود وأمثالهم ممن استحكم فيهم الجهل بالله وصفاته وما يجب له وما يجوز وما يستحيل: {سبحانك هـٰـذا بهتان عظيم} [النور: 16]. ومما يقطع به كل عاقل أن الشيخ عبد القادر لم يكن غافلا عما في (رسالة القشيري) وإذا لم يجهل ذلك فكيف يتوهم فيه هذه القبيحة الشنيعة، وفيها عن بعض رجالها أئمة القوم السالمين عن كل محذور ولوم أنه قال: كان في نفسي شيء من حديث الجهة فلما زال ذلك عني كتبت إلى أصحابنا إني قد أسلمت الآن، فتأمل ذلك واعتن به لعلك توفق للحق إن شاء الله تعالى وتجري على سنن الاستقامة»([2]). اهـ.

ونقل السيوطي هذا المعنى فقال: «قاعدة: قال الشافعي: لا يكفر أحد من أهل القبلة، واستثنى من ذلك المجسم، ومنكر علم الجزئيات، وقال بعضهم: المبتدعة أقسام:

الأول: ما نكفره قطعا، كقاذف عائشة رضي الله عنها، ومنكر علم الجزئيات، وحشر الأجساد، والمجسمة، والقائل بقدم العالم.

الثاني: ما لا نكفره قطعا، كالقائل بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وعلي على أبي بكر.

الثالث والرابع: ما فيه خلاف، والأصح التكفير أو عدمه، كالقائل بخلق القرءان صحح البلقيني التكفير والأكثرون عدمه، وساب الشيخين صحح المحاملي التكفير والأكثرون عدمه»([3]). اهـ.

انظر إلى قوله: «ما نكفره قطعا» ثم عد المجسمة فيهم.

ثم ها هو الأصولي أبو جعفر الطحاوي المولود سنة 227هـ في عقيدته المشهورة والتي ارتضاها المسلمون ودرسوها في معاهدهم وجامعاتهم، والتي ذكر أنها عقيدة أهل السنة والجماعة حيث قال فيها: «تعالى (الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات»([4]). اهـ.

ثم أوضح أن المتحيز في الجهة مشبه لسائر المبتدعات أي المخلوقات، وفي نفس المتن يقول: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر»([5]). اهـ.

وبالنظر إلى أنه قال في أول هذه الرسالة: إنها عقيدة أهل السنة والجماعة، ثم بين تكفير من وصف الله بصفة من صفات الخلق يتبين أنه ينقل إجماع أهل السنة على تكفير القائل بالجسمية والجهة في حق الله.

قال الحافظ البيهقي في شعب الإيمان ناقلا عن الحليمي: «وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا البارئ جل وعز ببعض صفات المحدثين، فمنهم من قال: إنه جوهر. ومنهم من قال: إنه جسم. ومنهم من أجاز أن يكون على العرش قاعدا كما يكون الملك على سريره، وكل ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك، فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شيء. وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه، لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض، وإذا لم يكن جوهرا ولا عرضا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث إنها جواهر كالتأليف، والتجسيم وشغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث إنها أعراض كالحدوث، وعدم البقاء»([6]). اهـ.

قال القاضي أبو على المحسن بن على بن محمد التنوخي المتوفى سنة 384 للهجرة، ما نصه: «حضرت مجلس أبي محمد المهلبي، وكانت العامة ببغداد قد هاجت في أيام وزارته وعظمت الفتنة وقبض على جماعة من العيارين وحملة السكاكين وجعلهم في زوارق مطبقة وحملهم إلى بيروذ([7]) وحبسهم هناك. فاستهانوا بالقصة وكثف أمرهم وكثر كلام القصاص في الجوامع ورؤساء الصوفية فخاف من تجديد الفتنة، فقبض على خلق منهم وحبسهم، وأحضر أبا السائب قاضي القضاة إذ ذاك، وجماعة من القضاة والشهود، والفقهاء وكنت فيهم لمناظرتهم، وأصحاب الشرط لنأمن مضرتهم إذا قامت الحجج عليهم.

فاتفق أن بدئ برجل من رؤساء الصوفية يعرف بأبي إسحاق بن ثابت ينزل بباب الشام أحد الربانيين عند أصحابه، فقال له: بلغني أنك تقول في دعائك: «يا واحدي بالتحقيق يا جاري اللصيق» فمن لا يعلم بأن الله لا يجوز أن يوصف بأنه لصيق على الحقيقة فهو كافر لأن الملاصقة من صفات الأجسام، ومن جعل الله جسما كفر، فمن يكون محله في العلم هذا يتكلم على الناس»([8]). اهـ.

وقال القاضي عبد الحق بن عطية الإشبيلي: «العلي يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأن الله منزه عن التحيز، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، وهذا قول جهلة مجسمين، وكان الوجه أن لا يحكى، وكذا «العظيم» هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر لا على معنى عظم الأجرام»([9]). اهـ.

ولا فرق بين الذي يقول: الله جسم، ويسكت وبين من يقول: الله جسم كالأجسام، أو الله جسم لا كالأجسام، أليس قال الله جسم؟ أليس الوصف بالجسم من صفات المخلوقات من بشر وجن وملائكة وحجر وجبل وهواء وروح وريح ونار ونور وغير ذلك؟

وقال الفخر الرازي: «بل الأقرب أن المجسمة كفار لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة فليس بموجود، ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة، فالمجسمة نفوا ذات الشيء الذي هو الإلٰــه فيلزمهم الكفر»([10]). اهـ.

وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي المالكي: «واعلم أن الوصف له تعالى بالاستواء إتباع للنص، وتسليم للشرع، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به، ولا يجوز أن يثبت له كيفية، لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشيء، ولا سألته الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسم، وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام، وقد أجمل مالك رحمه الله الجواب عن سؤال من سأله: الرحمٰـن على العرش استوى، كيف استوى؟ فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، ثم أمر بإخراج السائل»([11]). اهـ.

وقال ابن الملقن في شرح الجامع الصحيح: «ما ذكره في تفسير: {ولتصنع علىٰ عيني}([12]) هو قول قتادة، وهو معروف في اللغة يقال: صنعت الفرس وصنعته إذا أحسنت القيام عليه، واستدلاله من هذه الآية والحديث على أن لله تعالى (صفة) سماها (عينا) ليست هو ولا غيره، وليست كالجوارح المعقولة بيننا، لقيام الدليل على استحالة وصفه بأنه ذو جوارح وأعضاء تعالى عن ذلك، خلافا لما تقوله المجسمة من أنه تعالى جسم لا كالأجسام، واستدلوا على ذلك بهذه، كما استدلوا بالآيات المتضمنة لمعنى الوجه، واليدين. ووصفه لنفسه بالإتيان والمجيء والهرولة في حديث الرسول، وذلك كله باطل وكفر من متأوله، لقيام الدليل على تساوي الأجسام في دلائل الحدث القائم بها واستحالة كونه من جنس المحدثات، إذ المحدث إنما كان محدثا من حيث متعلق هو متعلق بمحدث أحدثه، وجعله بالوجود أولى منه بالعدم»([13]). اهـ.

وقد قال ملا على القاري في أثناء كلامه على مذهب العلماء في المتشابهات ما نصه: «بكلامه -أي النووي- وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا وغيرهم يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر، كالمجيء والصورة والشخص والرجل والقدم واليد والوجه والغضب والرحمة والاستواء على العرش والكون في السماء وغير ذلك مما يفهمه ظاهرها، لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره»([14]) اهـ.

وضبط هذه المسألة الشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي، فقال: «وأما القسم الثاني وهو الاعتقاد، فينقسم قسمين:

مطابق في نفس الأمر: ويسمى الاعتقاد الصحيح، كاعتقاد عامة المؤمنين المقلدين.

وغير مطابق: ويسمى الاعتقاد الفاسد، والجهل المركب كاعتقاد الكافرين، فالفاسد أجمعوا على كفر صاحبه، وأنه آثم غير معذور مخلد في النار، اجتهد أو قلد، ولا يعتد بخلاف من خالف في ذلك من المبتدعة»([15]) اهـ. يلخص هذا كله ما قاله الشيخ تقي الدين الحصني رحمه الله، ونصه: «الكيف من صفات الحدث، وكل ما كان من صفات الحدث فالله عز وجل منزه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقق عند جميع أهل السنة والجماعة»([16]). اهـ.

وقال محمد مرتضى الزبيدي: «وقال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: اعلم أن حكم الجواهر والأعراض كلها الحدوث، فإذا العالم كله حادث. وعلى هذا إجماع المسلمين بل كل الملل، ومن خالف في ذلك فهو كافر لمخالفته الإجماع القطعي، وهذا المطلب مما يكفي السمع لعدم توقفه عليه لحصول العلم بوجود الصانع بإمكان العالم وإمكانه ضروري، ثم أقام البرهان على حدوث الجوهر وأن الجوهر لا يخلو عن عرض والعرض حادث، فالجوهر لا يخلو عن الحادث وما لا يخلو عن الحادث لا يسبقه إذ لو سبقه لخلا عنه وما لا يسبق الحادث حادث، فالجوهر حادث. قال: وهو أشهر حجج أهل النظر العقلي. قال: وقد يقال على وجه أخص وأتم وهو أن كل ما سوى الواجب ممكن وكل ممكن حادث، فالعالم حادث. أما المقدمة الأولى فظاهرة، وأما الثانية فلأن الممكن يحتاج في وجوده إلى موجد، والموجد لا يمكن أن يوجد حال وجوده، وإلا لكان إيجادا للموجد وهو محال. فيلزم أن يوجده حال لا وجوده فيكون وجوده مسبوقا بعدمه وذلك حدوثه وهو المطلوب»([17]). اهـ. وقال النسفي في تفسيره المشهور عند تفسير ءاية: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمآئه سيجزون ما كانوا يعملون} [الأعراف: 180] ومن الإلحاد تسمية الله بالجسم والجوهر والعقل والعلة»([18]). اهـ.

قال الشيخ محمد بن أحمد الفاسي المالكي الشهير بميارة والمتوفى سنة 1072هـ «وخرج بوصفه بالمطابق الجزم غير المطابق ويسمى الاعتقاد الفاسد والجهل المركب كاعتقاد الكافرين التجسيم أو التثليث أو نحو ذلك والإجماع على كفر صاحبه أيضا، وأنه ءاثم غير معذور مخلد في النار اجتهد أو قلد. قال في شرح الكبرى: ولا يعتد بخلاف من خالف في ذلك من المبتدعة»([19]). اهـ.

وهذه نقول عن العلماء في بيان كفر من يعتقد أن الله يسكن السماء أو يتحيز فوق العرش أو في غير ذلك من الأماكن، لتأكيد ما نبهنا عليه من أمر الإجماع على هذه المسألة، وإنما خصصناها بمزيد من العناية والنقول لأن بعض الناس يتهاون فيها ما لا يتهاون في تكفير المجسم.

  • قال الإمام المجتهد أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه الفقه الأبسط ما نصه: «من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض»([20]). اهـ.
  • ووافقه على ذلك الشيخ العز بن عبد السلام في كتابه حل الرموز فقال ما نصه: «لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا، ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه». اهـ.
  • وارتضاه الشيخ ملا علي القاري الحنفي وقال ما نصه: «ولا شك أن ابن عبد السلام من أجل العلماء وأوثقهم، فيجب الاعتماد على نقله»([21]). اهـ.
  • وحكى القاضي حسن عن نص الشافعي أنه قال: «وهذا منتظم من كفره مجمع عليه، ومن كفرناه من أهل القبلة، كالقائلين بخلق القرءان، وبأنه لا يعلم المعدومات قبل وجودها، ومن لا يؤمن بالقدر، وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش»([22]). اهـ.
  • وقال أبو القاسم القشيري في رسالته القشيرية ما نصه: «سمعت الإمام أبا بكر بن فورك رحمه الله تعالى يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا بمكة: إن أسلمت الآن إسلاما جديدا»([23]). اهـ.
  • وقال أبو منصور البغدادي: «إن أصحابنا أكفروا أهل البدع في صفات البارئ عز وجل بإجماع الأمة على إكفار من أنكر النبوات أو شك في عقائد الأنبياء، فما كان شكه في صفة من صفات بعض الناس يورثه الكفر فشكه في صفة لازمة لله تعالى أو جهله بها أولى بأن يوجب تكفيره»([24]). اهـ.
  • وقال رحمه الله تعالى: «وأما مجسمة خراسان من الكرامية فتكفيرهم واجب لقولهم إن الله تعالى له حد ونهاية من جهة السفل ومنها ياس عرشه»([25]). اهـ.
  • أبو حامد الغزالي يقول: «فعلى العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك في حق الله تعالى محال وهو عنه مقدس، فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم فهو مخلوق، وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف»([26]). اهـ.
  • وقال الأسفراييني أبو المظفر: «وأما الهشامية فإنهم أفصحوا عن التشبيه بما هو كفر محض باتفاق جميع المسلمين، وهم الأصل في التشبيه، وإنما أخذوا تشبيههم من اليهود حن نسبوا إليه الولد، وقالوا: عزير ابن الله، وأثبتوا له المكان والحد والنهاية والمجيء والذهاب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا»([27]). اهـ.
  • وقال لسان المتكلمين أبو المعين ميمون بن محمد النسفي الحنفي ما نصه: «والله تعالى نفى المماثلة بن ذاته وبين غيره من الأشياء، فيكون القول بإثبات المكان له ردا لهذا النص المحكم -أي قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} – الذي لا احتمال فيه لوجه ما سوى ظاهره، وراد النص كافر، عصمنا الله عن ذلك»([28]). اهـ.
  • وقال الشيخ زين الدين الشهير بابن نجيم الحنفي ما نصه: «ويكفر بإثبات المكان لله تعالى، فإن قال: الله في السماء، فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر»([29]). اهـ.
  • وقال الشيخ ملا علي القاري الحنفي ما نصه: «فمن أظلم ممن كذب على الله، أو ادعى ادعاء معينا مشتملا على إثبات المكان والهيئة والجهة من مقابلة وثبوت مسافة وأمثال تلك الحالة، فيصير كافرا لا محالة»([30]). اهـ.
  • وقال: «من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها فهو كافر، وإن عد قائله من أهل البدعة، وكذا من قال: بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمر عليه زمان ونحو ذلك كافر، حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان»([31]). اهـ.
  • وقال أيضا ما نصه: «بل قال جمع منهم – أي من السلف- ومن الخلف إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي، وقال: إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني»([32]). اهـ.
  • وقال الشيخ العلامة كمال الدين البياضي الحنفي في شرح كلام الإمام أبي حنيفة ما نصه: «فقال – أي أبو حنيفة- (فمن قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فهو كافر) لكونه قائلا باختصاص البارئ بجهة وحيز وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة، فهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى (كذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض) لاستلزامه القول باختصاصه تعالى بالجهة والحيز والنقص الصريح في شأنه سيما في القول بالكون في الأرض ونفي العلو عنه تعالى بل نفي ذات الإلٰه المنزه عن التحيز ومشابهة الأشياء. وفيه إشارات:

الأولى: أن القائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسا، فمنهم منكرون لذات الإلٰه المنزه عن ذلك، فلزمهم الكفر لا محالة. وإليه أشار بالحكم بالكفر.

الثانية: إكفار من أطلق التشبيه والتحيز، وإليه أشار بالحكم المذكور لمن أطلقه، واختاره الإمام الأشعري فقال في النوادر: من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به، كما في شرح الإرشاد لأبي قاسم الأنصاري»([33]). اهـ.

  • قال الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي ما نصه: «وأما أقسام الكفر فهي بحسب الشرع ثلاثة أقسام ترجع جميع أنواع الكفر إليها، وهي: التشبيه، والتعطيل، والتكذيب… وأما التشبيه: فهو الاعتقاد بأن الله تعالى يشبه شيئا من خلقه، كالذين يعتقدون أن الله تعالى جسم فوق العرش، أو يعتقدون أن له يدين بمعنى الجارحتين، وأن له الصورة الفلانية أو على الكيفية الفلانية، أو أنه نور يتصوره العقل، أو أنه في السماء، أو في جهة من الجهات الست، أو أنه في مكان من الأماكن، أو في جميع الأماكن، أو أنه ملأ السمٰوات والأرض، أو أن له الحلول في شيء من الأشياء، أو في جميع الأشياء، أو أنه متحد بشيء من الأشياء، أو في جميع الأشياء، أو أن الأشياء منحلة منه، أو شيئا منها. وجميع ذلك كفر صريح والعياذ بالله تعالى، وسببه الجهل بمعرفة الأمر على ما هو عليه»([34]). اهـ.
  • وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي عند ذكر ما يوقع في الكفر والعياذ بالله ما نصه: «وكاعتقاد جسمية الله وتحيزه، فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدث»([35]). اهـ.
  • وذكر هذا الحكم أيضا الشيخ العلامة المحدث الفقيه أبو المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي الحنفي في كتابه الاعتماد في الاعتقاد فقد قال: «ومن قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض كفر -لأنه جعل أحدهما له مكانا -»([36]). اهـ.
  • وفي كتاب الفتاوى الهندية لجماعة من علماء الهند ما نصه: «يكفر بإثبات المكان لله تعالى. ولو قال: الله تعالى في السماء، فإن قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد به المكان يكفر»([37]). اهـ.
  • وقال تقي الدين الحصني: «إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة([38])، قلت (تقي الدين الحصني): وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه مخالفة صريح القرءان، قاتل الله المجسمة والمعطلة، ما أجرأهم على مخالفة من {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]، وفي هذه الآية رد على الفرقتين». اهـ.
  • وقال الشيخ محمود بن محمد بن أحمد خطاب السبكي المصري ما نصه: «سألني بعض الراغبين في معرفة عقائد الدين والوقوف على مذهب السلف والخلف في المتشابه من الآيات والأحاديث بما نصه: ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله عز وجل له جهة، وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص، ويقول: ذلك هو عقيدة السلف، ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد، ويقول لهم: من لم يعتقد ذلك يكون كافرا مستدلا بقوله تعالى: {الرحمٰن على العرش استوىٰ} [طه: 5]، وقوله عز وجل: {ءأمنتم من في السماء} [الملك: 16]، أهذا الاعتقاد صحيح أم باطل؟ وعلى كونه باطلا أيكفر ذلك القائل باعتقاده المذكور ويبطل كل عمله من صلاة وصيام وغير ذلك من الأعمال الدينية وتبين منه زوجه، وإن مات على هذه الحالة قبل أن يتوب لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهل من صدقه في ذلك الاعتقاد يكون كافرا مثله؟ فأجبت بعون الله تعالى، فقلت: بسم الله الرحمٰـن الرحيم الحمد لله الهادي إلى الصواب، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى ءاله وأصحابه الذين هداهم الله ورزقهم التوفيق والسداد. أما بعد: فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقده كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين، والدليل العقلي على ذلك قدم الله تعالى ومخالفته للحوادث، والنقلي قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، فكل من اعتقد أنه تعالى حل في مكان أو اتصل به أو بشيء من الحوادث كالعرش أو الكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعا، ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك، وتبين منه زوجه، ووجب عليه أن يتوب فورا، وإذا مات على هذا الاعتقاد والعياذ بالله تعالى لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومثله في ذلك كله من صدقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وأما حمله الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد المكفر، وقوله لهم: من لم يعتقد ذلك يكون كافرا، فهو كفر وبهتان عظيم»([39]). اهـ.

ثم قال الشيخ محمود محمد خطاب السبكي عقب هذه الفتوى: «هذا وقد عرضت هذه الإجابة على جمع من أفاضل علماء الأزهر فأقروها، وكتبوا عليها أسمائهم، وهم أصحاب الفضيلة:

الشيخ محمد النجدي شيخ السادة الشافعية.

والشيخ محمد سبيع الذهبي شيخ السادة الحنابلة.

والشيخ محمد العربي رزق المدرس بالقسم العالي.

والشيخ عبد الحميد عمار المدرس بالقسم العالي.

والشيخ على النحراوي المدرس بالقسم العالي.

والشيخ دسوقي عبد الله العربي من هيئة كبار العلماء.

والشيخ على محفوظ المدرس بقسم التخصص بالأزهر.

والشيخ إبراهيم عيارة الدلجموني المدرس بقسم التخصص بالأزهر.

والشيخ محمد عليان من كبار علماء الأزهر.

والشيخ أحمد مكي المدرس بقسم التخصص بالأزهر.

والشيخ محمد حسين حمدان»([40]). اهـ.

  • وقال أيضا: «إن من اعتقد وصفه تعالى بشيء من الجسمية أو الاستقرار على العرش أو الجهة… فهو كافر بإجماع السلف والخلف»([41]). اهـ.
  • وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية ما نصه: «إن القول بإثبات الجهة له تعالى كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة كما نقل عنهم العراقي على ما في شرح المشكاة لعلي القاري»([42]). اهـ.
  • وقال العلامة الشيخ المحدث الفقيه عبد الله الهرري المعروف بالحبشي رضي الله عنه ما نصه: «وحكم من يقول: (إن الله تعالى في كل مكان أو في جميع الأماكن) التكفير إذا كان يفهم من هذه العبارة أن الله بذاته منبث أو حال في الأماكن، أما إذا كان يفهم من هذه العبارة أنه تعالى مسيطر على كل شيء وعالم بكل شيء فلا يكفر. وهذا قصد كثير ممن يلهج بهاتين الكلمتين، ويجب النهي عنهما في كل حال»([43]). اهـ.
  • وقال أيضا: «ويكفر من يعتقد التحيز لله تعالى، أو يعتقد أن الله شيء كالهواء أو كالنور يملأ مكانا أو غرفة أو مسجدا، ونسمي المساجد بيوت الله لا لأن الله يسكنها بل لأنها أماكن يعبد الله فيها.

وكذلك يكفر من يقول: (الله يسكن قلوب أوليائه) إن كان يفهم الحلول.

وليس المقصود بالمعراج وصول الرسول إلى مكان ينتهي وجود الله تعالى إليه ويكفر من اعتقد ذلك، إنما القصد من المعراج هو تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم باطلاعه على عجائب في العالم العلوي، وتعظيم مكانته ورؤيته للذات المقدس بفؤاده من غير أن يكون الذات في مكان»([44]). اهـ.

قال الشيخ تقي الدين الحصني: «فإن الفوقية باعتبار المكان لا تكون بالضرورة إلا في الأجرام والأجسام مركبة كانت أو بسيطة، والرب سبحانه وتعالى منزه عن ذلك إذ هو من صفات الحدث»([45]). اهـ.

وكان قال قبل ذلك: «والعجب من قول هذا ما نحن مجسمة، وهو تشبيه محض، تعالى الله عز وجل عن المحل والحيز لاستغنائه عنهما، ولأن ذلك مستحيل في حقه عز وجل، ولأن المحل والحيز من لوازم الأجرام، ولا نزاع في ذلك، وهو سبحانه وتعالى منزه عن ذلك لأن الأجرام من صفات الحدث وهو عز وجل منزه عن ذلك شرعا وعقلا، بل هو أزلي لم يسبق بعدم بخلاف الحادث، ومن المعلوم أن الاستواء إذا كان بمعنى الاستقرار والقعود لا بد فيه من المماسة، والمماسة إنما تقع بين جسمين أو جرمين، والقائل بهذا شبه وجسم وما أبقى في التجسيم والتشبيه بقية كما أبطل دلالة: {ليس كمثله شيء}، ومن المعلوم في قوله تعالى: {لتستووا على ظهوره} [الزخرف: 13]، أنه الاستقرار على الأنعام والسفن وذلك من صفات الآدميين فمن جعل الاستواء على العرش بمعنى الاستقرار والتمكن فقد ساوى بينه عز وجل وبين خلقه، وذلك من الأمور الواضحة التي لا يقف في تصورها بليد، فضلا عمن هو حسن التصور جيد الفهم والذوق، وحينئذ فلا يقف في تكذيبه: {ليس كمثله شيء}، وذلك كفر محقق»([46]). اهـ.

فبان من هذه النصوص الواضحة عن جملة من علماء الأمة الإسلامية من السلف الصالح والخلف أن معتقد الجهة والمكان في حق الله تعالى مكذب للقرءان الكريم ولنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ومخالف لما اتفقت عليه كلمة هذه الأمة.

قال ابن منده: «ذكر الدليل على أن المجتهد المخطئ في معرفة الله عز وجل ووحدانيته كالمعاند، قال الله تعالى مخبرا عن ضلالتهم ومعاندتهم: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 103، 104] وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه لما سئل عن الأخسرين أعمالا فقال: «كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق، فأشركوا بربهم عز وجل وابتدعوا في دينهم، وأحدثوا على أنفسهم، فهم يجتمعون في الضلالة، ويحسبون أنهم على هدى، ويجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق، ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». وقال علي رضي الله عنه: «منهم أهل حروراء»([47]). اهـ.

فمن ادعى أن انحرافه في العقيدة من نحو اعتقاد الجسمية والجهة في حق الله اجتهاد منه فقد نادى على نفسه بالجهل والكفر والشذوذ عن إجماع الأمة.

 

التمايز بين المسلم المنزه والمشبه المجسم الجهوي

ذلك أنك لو سئلت من هو المسلم؟ لقلت: هو المنـزه الموحد الذي ينفي عن الله الشبيه والجسمية والكيفية، والأعراض التي هي صفات الخلق من حركة وسكون واجتماع وافتراق واتصال وانفصال إلى غير ذلك مما لا يجوز في حق الخالق سبحانه، إلى غير ذلك مما هو شرط في صحة الإيمان، من نحو الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فلا يدخل المشبه بهذا الوصف لأنه يعبد جسما سواء تخيله في باله أم لم يتخيله، لكنه في المحصلة يعتقد أنه يعبد حجما كثيفا كالإنسان والحجر وغيرهما مما يمسك باليد، وسواء في ذلك اعتقد أنه كشيء من أعيان الأجسام الكثيفة التي يراها أو يتخيلها أم اعتقد أنه يخالفها في الشكل والكيف والحجم لكنه في النهاية يتصوره جسما، وسواء قال هو مركب أم ليس مركبا، وكذا لو اعتقد أنه جسم لطيف أي لا يمسك باليد كالضوء والظلام والروح والريح ونحو ذلك، وسواء حدد لمعبوده واحدة من هذه الكيفيات أم لم يحدد، لكنه اعتقده جسما لطيفا فهذا كافر ما شم رائحة الإيمان.

ثم هو لا يختلف عمن اعتقد أن معبوده صنم يراه أمامه ويعبده، لأن هذا العابد للصنم لو جعل صنمه في خزانة أو رفعه على سطح بيته أو برج إيفل أو فوق شاهق جبل أو أرسله في قمر صناعي إما ليبقى فيه أو ليجعل على سطح القمر أو غيره، فإنه يبقى وثني يعبد صنما وصورة، هذه حقيقته، وكذلك عابد جسم يتخيل أنه بذاته فوق العرش ساكن أو في السماء السابعة وسواء اعتقده مستقرا ثابتا كالزمن لا يستطيع الحراك أم اعتقده يتحرك ويتحول من حال إلى حال وينتقل فإنه لم يعرف الله ولم يعبده.

وفي هذا قال إمام الحرمين رحمه الله: «فذهبت طوائف إلى وصف الرب بما يتقدس في جلاله عنه، من التحيز في جهة حتى انتهى غلاة إلى التشكيل والتمثيل تعالى الله عن قول الزائغين. والذي دعاهم إلى ذلك طلبتهم ربهم من المحسوسات، وما يتشكل في الأوهام ويتقدر في مجاري الوساوس، وخواطر الهواجس، وهذا حيد([48]) بالكلية عن صفات الإلٰهية، وأي فرق بين هؤلاء وبين من يعبد بعض الأجرام العلوية»([49]). اهـ.

وها هو القرطبي يكشف في تفسيره لقوله تعالى: {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] خطورة ما ذهبت إليه المشبهة فينقل عن شيخه أبي العباس رحمة الله عليه أن «من متبعي المتشابه من يتبعه طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك، وأن الصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد»([50]). اهـ.

وقال الملا على القاري: «وما أحسن المثل المضروب لمثبت الصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ للشاربين يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه، فالمعطل يعبد عدما، والمشبه يعبد صنما»([51]). اهـ.

وقال البغدادي: «وإنما تبرؤوا – أي أهل السنة- من أهل الملل الخارجة عن الإسلام، ومن أهل الأهواء الضالة مع انتسابها إلى الإسلام، كالقدرية والمرجئة والرافضة والخوارج والجهمية والنجارية والمجسمة»([52]). اهـ.

وقال الحافظ المدقق البحر العلامة ابن الجوزي: «وإنما يقع الإشكال في وصف من له أشكال، وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، فأما من لم يزل ولا يزال فما للحس معه مجال، عظمته عظمت عن نيل كف الخيال، كيف يقال له كيف، والكيف في حقه محال، أنى تتخايله الأوهام وهي صنعه، كيف تحده العقول وهي فعله، كيف تحويه الأماكن وهي وضعه، انقطع سير الفكر، وقف سلوك الذهن، بطلت إشارة الوهم، عجز لطف الوصف، عشيت عين العقل، خرس لسان الحس، لا طور للقدم في طور القدم، عز المرقى فيأس المرتقى، بحر لا يتمكن منه غايص، ليل لا يبين للعين فيه كوكب.

مرام شط مرمى العقل فيه

 

فدون مداه بيد لا تبيد

جادة التسليم سليمة، وادي النقل بلا نقع، انزل عن علو غلو التشبيه ولا تعل، قلل أباطيل التعطيل، فالوادي بين جبلين. المشبه متلوث بفرث التجسيم، والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق لبن خالص هو التنزيه، تخمر في نفوس الكفار حب الأصنام، فجاء محمد فمحا ذلك بالتوحيد، وتخمر في قلوب المشبهة حب صورة وشكل حييت فمحوتها بالتنزيه، والعلماء ورثة الأنبياء، ما عرفه من كيفه، ولا وحده من مثله، ولا عبده من شبهه، المشبه أعشى والمعطل أعمى»([53]). اهـ.

وقال أيضا: «وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر، فإن المجسمة دخلوا في ذلك لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون»([54]). اهـ.

وقال: «ومن تأمل حال بني إسرائيل رآهم قد أمروا بقول حطة، فقالوا: حنطة، وقيل لهم: {ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154] فدخلوا زحفا، وقالوا عن نبيهم: هو آدر([55]).

ومن مذهبهم التشبيه والتجسيم، وهذا من أعظم التغفيل، لأن الجسم مؤلف ولا بد للمؤلف من مؤلف»([56]). اهـ.

وقال الشيخ تقي الدين الحصني: «الكيف من صفات الحدث، وكل ما كان من صفات الحدث فالله عز وجل منزه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقق عند جميع أهل السنة والجماعة»([57]). اهـ.

فأما أن يقال إن لله كيفا لكن نحن لا نستطيع أن نحدد ذلك الكيف فهو ضلال مبين، وهو تشبيه لله بخلقه من بعض الوجوه لأن الكيف معناه صفات الخلق، وإنما الذي يجب اعتقاده والقطع به أن الله تعالى لا كيف له بالمرة، فهو رب الكيف ورب الصور والهيئات والأشكال والألوان والأحجام.

ويقول أبو المظفر الأسفراييني: «والكرامية من جملة المشبهة لقولهم: بأنه جسم وله حد ونهاية، وأنه محل الحوادث، وأنه مماس للعرش ملاق له، فهؤلاء كلهم مشبهة ذاته بالذوات، وأما مشبهة الصفات فهم المعتزلة البصرية الذين أثبتوا إرادة حادثة كإرادات الإنسان، قالوا: إنها من جنس إرادتهم، وشبهوا كلامه بكلام الخلق، وقالوا: أنه عرض حال في جسم، وكذلك الكرامية شبهوا في الصفات، فقالوا: إن إرادته وقوله عرض حادث من جنس كلام الخلق وإرادتهم.

والزرارية من الروافض أتباع زرارة بن أعين، زعموا أن حياته وعلمه وقدرته وسمعه وبصره كحياة الخلق وعلمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم، وزعموا أنها كلها حادثة مثل صفات الأجسام.

والشيطانية من الروافض زعموا أن الله تعالى لا يعلم الشيء قبل أن يكون حتى يكون، وأن علمه محدث كعلوم العباد، ومن تأمل قول هؤلاء المشبهة علم كفرهم وضلالتهم ولم يبق له في ذلك شبهة فاستغنى بذكرها عن إقامة الحجة عليها»([58]). اهـ.

وقال الذهبي في تاريخه: «عبيد الله بن المحدث عبد الله بن الحسين البصري القاضي أبو القاسم المروزي قاضي نسف، قال المستغفري: كان صلب المذهب، لما دخل سبكتكين صاحب غزنة إلى بلخ، دعا فقهاءها إلى مناظرة الكرامية، وكان منهم القاضي عبيد الله، وهو يومئذ على قضاء بلخ، فقال سبكتكين: ما تقولون في هؤلاء الزهاد الأولياء يعني الكرامية؟ فقال القاضي: هؤلاء كفار. فقال: ما تقولون في إن كنت أعتقد مذهبهم؟ فقال: قولنا فيك كقولنا فيهم، فقام وضربهم بطبرزين حتى أدماهم، وشبح القاضي وقيدهم وحبسهم، ثم خاف الملامة فأطلقهم، وتوفي القاضي سنة ثمان وثمانين»([59]). اهـ.

وجاء في شرح النووي على صحيح مسلم: «قال القاضي عياض رحمه الله: هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين الله تعالى، وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله تعالى وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته، لدلالة السمع عندهم على هذا وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذب رسولا.

قال القاضي عياض رحمه الله: ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من اليهود، أو أجاز عليه البداء أو أضاف إليه الولد منهم أو أضاف إليه الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه مما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به، إذ ليس موصوفا بصفات الإلٰـه الواجبة له، فإذا ما عرفوا الله سبحانه»([60]). اهـ.

 

من نتائج عقيدة المجسمة

  • من نتائج عقيدة المجسمة إنكار وجود الله، لأن الله قال في القرءان الكريم {الحمد لله رب العالمين} ففي هذه الآية أثبت وجود نفسه وأنه خالق للعالمين وربهم ومالكهم، والجسم من العالمين وأما على مقتضى عقيدة المجسمة، صار الله جسما، والجسم مخلوق وليس خالقا، وبهذا أنكروا وجود الله، وجعلوا هذا الجسم الذي تخيلوه هو خالقا للعالم، فعلى مقتضى قولهم ومن نتائج عقيدتهم أن الله تعالى مخلوق لغيره لأنهم اعتقدوه جسما وأن العالم غير موجود، لأن الجسم لا يستطيع أن يخلق جسما، فكيف يخلق هذا العالم بأسره وبما أن العالم موجود، فموجده لا يشبهه بوجه من الوجوه فلا يكون جسما.
  • من نتائج عقيدة المجسمة تكذيب القرءان الكريم لأن الله تعالى قال: {ليس كمثله شيء} وهم يقولون: الله جسم سواء قالوا: «جسم كالأجسام» أو قالوا: «جسم لا كالأجسام» ففي كلا الحالين كذبوا هذه الآية الكريمة.
  • من نتائج عقيدة المجسمة أنهم يعبدون جسما تخيلوه قاعدا فوق العرش لا وجود له فهم في الحقيقة إنما يعبدون جسما تخيلوه وهذا الجسم ليس الله لأن الله ليس جسما بالمرة ولا يتخيل في البال، فيا لخيبتهم ويا لحسرتهم.
  • من نتائج عقيدة المجسمة أنهم جوزوا عبادة الأجسام فهذا الجسم الذي تخيلوه اعتقدوا أنه الله وفي الحقيقة ليس هو الله إذا هم صاروا عابدين لهذا الجسم، وما الفرق بينهم وبين من يعبد الشمس أو القمر أو النار أو القرد أو الحجر أو الصنم. فكل هؤلاء يعبدون أجساما لا فرق بين من يعبد جسما تخيله فوق العرش وبين من يعبد جسما تخيله في الطائرة في الجو أو من يعبد جسما وضعه في بطن الوادي، فعند هؤلاء المجسمة تجوز عبادة الأجسام وهذا تكذيب للإسلام.
  • من نتائج عقيدة المجسمة أن الجسم أزلي وأن الأزلي حادث، فعى مقتضى عقيدتهم أن الخالق العظيم الذي لا شبيه له ولا مثيل، الأزلي الأبدي، حادث مخلوق له بداية لأنه جسم بزعمهم، وأن الجسم الذي اعتقدوه الله أزليا أبديا، وهذا جمع بن كفريتين عجيبتني، وهو تكذيب لقول الله تعالى: {هو الأول والأخر}، قال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي رضي الله عنه في شرحه على عقيدة ابن الحاجب: «إن الذي يقول بأزلية الأجسام كافر بالإجماع لأنه إنكار للإجماع القطعي»…
  • من نتائج عقيدة المجسمة أن الجسم الحادث المخلوق خالق للكون والعالم، لأنهم اعتقدوا الله جسما، وهذا تكذيب لقول الله عز وجل: {فلا تضربوا لله الَمْأمثال} ومعارض لقول الله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: 17]…
  • من نتائج عقيدة المجسمة أنهم لا يستطيعون إثبات حدوث العالم والأجسام، لأنهم قالوا: الله جسم، والجسم مخلوق، فعلى هذا لا يستطيعون أن يثبتوا أن الأجسام حادثة ومخلوقة، لأنهم بهذا يقولون الإلٰه حادث ومخلوق، لأنهم يعتقدونه جسما، وهذا كفر صريح بإجماع أهل الإسلام قاطبة.
  • من نتائج عقيدة المجسمة الخبيثة التناقض والتضارب فقولهم: «الله جسم» أي مخلوق، لأنه كل جسم مخلوق، ولا يوجد جسم غير مخلوق، وقولهم: «لا كالأجسام» أي ليس مخلوقا وهذا تناقض مع الأول، فيصير قولهم: «الله مخلوق، الله ليس مخلوقا» ولا يقول هذا عاقل، وهذا كفر صريح كما نص عليه إمام السنة سيدنا أحمد بن حنبل رضي الله عنه فيما رواه عنه الحافظ بدر الدين الزركشي في كتابه تشنيف المسامع: «من قال الله جسم لا كالأجسام كفر».
  • من نتائج عقائد المشبهة والمجسمة أنه يجوز على مقتضى دينهم وعقيدتهم أن يقال: «الله عاجز لا كالعاجزين» و«الله ضعيف لا كالضعفاء» و«الله جائع لا كالجائعين» و«الله محتاج لا كالمحتاجين» لأنهم قالوا: «جسم» والجسم مخلوق، وهكذا العاجز والضعيف والجائع والمحتاج كلهم مخلوقون عاجزون ولا يجوز تشبيه الله بهم، ولو قالوا: «جائع لا كالجائعين» لأنهم بعدما قالوا عنه جسم، جعلوه مخلوقا، فلا ينفعهم قولهم بعد ذلك «لا كالمخلوقين» عندما قالوا: «لا كالأجسام».
  • ومن نتائج عقائد المشبهة والمجسمة أن الله تعالى كذب حيث قال: {ليس كمثله شيء} لأنهم قالوا: «هو جسم لا كالأجسام» و«كيفية لا كالكيفيات» و«جالس لا كجلوسنا» فعلى هذا صارت الآية كذبا لأنهم شبهوه ببعض المخلوقات واعتقدوه مخلوقا، والآية تنفي كل ذلك عن الله ثم مع كل هذا يقولون: «جالس لا كجلوسنا» أو «جسم لا كالأجسام» وهذا شتم وتكذيب له، وتكذيب للإسلام، ولكل الأنبياء، فهل يرضوا أن يقال لأحدهم أنت «جدار لا كالجدران» أو أنت «تيس لا كالتيوس» أو أنت «بهيمة لا كالبهائم» فإنهم لا يرضون بذلك ولو قيل «لا كالبهائم» فكيف أجازوا لأنفسهم أن يكذبوا الله ويصفوه بصفات خلقه ويشبهوه بهم ثم بعد ذلك يقولون «لا كالأجسام لا كجلوسنا» وهذا تناقض مفضوح، فيا لتعاستهم، فأبئس وأسفه بهم من قوم، ناقضوا العقل، وكذبوا القرءان وخرجوا بالكلية عن المعقول والمنقول.
  • من فضائح وقبائح نتائج عقيدة المجسمة والمشبهة أنهم أجازوا لأنفسهم أن يسموا الله بما لم يسم به نفسه ولا سماه به نبي من الأنبياء ولا كتاب من الكتب السماوية الصحيحة المنزلة على الأنبياء ولا أجمعت عليه الأمة، فقولهم: «الله جسم» من أين جاؤوا به؟! وما هو دليلهم على زعمهم؟! ومن هو سلفهم في هذا؟! فالباحث والمطلع يعرف أن التشبيه والتجسيم جاء من اليهود ومن الفرق الكافرة وكتب أصحاب الأديان الباطلة، وبتسميتهم لله جسما أجازوا أن يسمى جسدا وحجما وكمية وقمرا ولحما وجبلا وعسلا وخبزا وزيدا وبكرا وعمرا، وهذا دين جديد. وقد قال الإمام حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي في عقيدته المشهورة بين المسلمين سلفا وخلفا وشرقا وغربا وتلقوها بالقبول ما نصه: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» وهذا إجماع قطعي. وقال إمام أهل السنة والجماعة سيدنا الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه: «لا يجوز تسمية الله إلا بما سمى به نفسه أو ثبت في السنة الصحيحة أو أجمعت عليه الأمة». وقال أبو بكر الباقلاني: «ما أطلق الله على نفسه أطلقناه عليه وما لا فلا»، وقال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي: «أسماء الله توقيفية». فلا تثبت صفة لله تعالى بقول صحابي أو تابعي، فمن أين جاء هؤلاء بتسمية الله جسما؟! إذا هؤلاء اخترعوا لغة جديدة وعقيدة محدثة. نسأل الله السلامة في ديننا ودنيانا.
  • ومن نتائج عقائدهم الباطلة أن الله تعالى يجوز عليه التغير والتطور والتبدل فقولهم: «الله جالس على العرش» معناه قبل أن يخلق العرش لم يكن جالسا عليه ثم بعد ما خلقه جلس، وهذا تغير والتغير أكر علامات الحدوث، وعلى هذا فيكون الله مخلوقا حادثا بزعمهم، وهذا من أصرح الصريح في الكفر، وخلق الله للخلق لم يغير في صفة الله شيئا، فهو أزلي أبدي والأزلي الأبدي لا يتغير لأن المتغير يحتاج لمن يغيره والاحتياجية تنافي الألوهية. وقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في الوصية: «من قال بحدوث صفة من صفات الله أو شك أو توقف كفر».
  • ومن نتائج عقائد المجسمة الخطيرة والخبيثة أنه لا فرق بين المسلم المؤمن المنزه الموحد وبين عابد الصنم والوثن وهذا تكذيب للدين والقرءان، لأن الله تعالى قال: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} [القلم: 35].

ومن نتائج عقائدهم أن من يعبد صنما يعبد جسما ومن يعبد جسما تخيله فوق العرش يعبد جسما فالنتيجة واحدة وهذا دين الكفار وليس دين المسلمين لأن دين الإسلام هو «الله ليس جسما بالمرة ولا يتصف بصفات الجسم» وهم ساووا بين الإسلام والكفر.

([1]) المنهاج القويم للشيخ ابن حجر الهيتمي (ص224)، وشرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص215).

([2]) الفتاوى الحديثية (ص144، 145) الشيخ ابن حجر الهيثمي، دار الفكر، لبنان ـ بيروت.

([3]) الأشباه والنظائر (1/488).

([4]) العقيدة الطحاوية: 26.

([5]) المصدر نفسه: 23.

([6]) شعب الإيمان (1/104)، الأول من شعب الإيمان وهو باب في الإيمان بالله عز وجل.

([7]) بيروذ: وهي من نواحي أهواز، يراجع الأنساب (ص429).

([8]) نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة (2/153، 154)، دار الكتب العلمية.

([9]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/336).

([10]) معالم أصول الدين (ص138).

([11]) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني للقاضي أبي محمد عبد الوهاب بن على بن نصر البغدادي المالكي (ص28).

([12]) سورة طه: جزء من الآية 39.

([13]) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (المجلد 33/255، 256): كتاب التوحيد والرد على الجهمية، إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر.

([14]) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (2/136).

([15]) الدر الثمين والمورد المعين للفقيه الشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي، شرح المرشد المعين للشيخ ابن عاشر المالكي، (ص70).

([16]) دفع شبه من شبه وتمرد (ص18).

([17]) إتحاف السادة المتقين، بشرح إحياء علوم الدين الجزء الثاني (ص153): كتاب قواعد العقائد، دار الكتب العلمية.

([18]) تفسير النسفي: الجزء الثاني (ص87).

([19]) مختصر الدر الثمين والمورد المعين (ص19، 20) شركة دار المشاريع، بيروت – لبنان 1430هـ – 2009م.

([20]) الفقه الأبسط، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص12)، وشرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص171)، والبرهان المؤيد للإمام أحمد الرفاعي (ص18)، ودفع شبه من شبه وتمرد لتقي الدين الحصني (ص18).

([21]) نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح رسالة الفقه الأكبر (ص198).

([22]) نجم المهتدي لابن المعلم القرشي (ص551) مخطوط، وهو في كفاية النبيه شرح التنبيه في فقه الإمام الشافعي لابن الرفعة المتوفى سنة 710هـ (4/24).

([23]) الرسالة القشيرية (ص5).

([24]) تفسير الأسماء والصفات (ق/187).

([25]) أصول الدين المسألة الحادية عشرة من هذا الفصل في حكم المجسمة والمشبهة (ص).

([26]) إلجام العوام عن علم الكلام (ص62، 63)، من مجموعة رسائل الغزالي.

([27]) التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية (ص41).

([28]) تبصرة الأدلة (1/169).

([29]) البحر الرائق: باب أحكام المرتدين (5/129).

([30]) شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح الرسالة (ص215).

([31]) المصدر السابق (ص271، 272).

([32]) مرقاة المفاتيح (3/300).

([33]) إشارات المرام (ص200).

([34]) الفتح الرباني والفيض الرحماني (ص124).

([35]) منح الجليل شرح مختصر خليل (9/206).

([36]) الاعتماد في الاعتقاد (ص5).

([37]) الفتاوى العالمكيرية وهي الفتاوى الهندية (2/259).

([38]) المجموع شرح المهذب (4/253)، ونصه: «فممن يكفر من يجسم تجسيما صريحا». اهـ.

([39]) إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص3، 4) الطبعة الأولى، مطبعة الاستقامة.

([40]) إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص8) الطبعة الأولى، مطبعة الاستقامة.

([41]) الدين الخالص للشيخ محمود السبكي (ص24).

([42]) مقالات الكوثري (ص222).

([43]) الصراط المستقيم (ص62).

([44]) المصدر نفسه، (ص62).

([45]) دفع شبه من شبه وتمرد (ص14).

([46]) دفع شبه من شبه وتمرد (ص9).

([47]) التوحيد لابن منده (ص80).

([48]) حيد أي ابتعاد.

([49]) العقيدة النظامية (ص).

([50]) تفسير القرطبي (4/13، 14).

([51]) الرد على القائلين بوحدة الوجود (ص45).

([52]) الفرق بين الفرق (ص354).

([53]) المدهش (ص137، 138).

([54]) صيد الخاطر (ص256)، فصل: قياس صفات الخالق على صفات المخلوقين كفر.

([55]) الأدرة وزان غرفة انتفاخ الخصية، يقال: أدر يأدر من باب تعب فهو آدر، والجمع أدر، مثل أحمر وحمر. المصباح المنير (ص9).

([56]) التبصرة (1/491).

([57]) دفع شبه من شبه وتمرد (ص18).

([58]) التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية (ص120، 121).

([59]) تاريخ الإسلام (27/168).

([60]) شرح النووي على صحيح مسلم (1/199، 200).