السبت فبراير 14, 2026

1. قال تعالى: {وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا} [الكهف: 18].

الشرح: اعلم أن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام هم أشجع الناس، فلا يوصفون بالجبن، وليس فيهم رعديد، وإذا نسب إلى بعضهم الخوف في بعض المواضع من آيات القرءان فهو الخوف الطبيعي الذي لا يدل على جبن ولا على انتقاص من قدرهم العالي ومرتبتهم العظيمة، ولا يقدح في عصمتهم، إنما هو الخوف الذي في طبيعة الإنسان كالخوف من لدغة العقرب ولسعة الحية والخوف من ظلم الملك الجائر الظالم الذي يقتل الناس بغير حق، وهذا في طبيعة الإنسان فإن الفارس الشجاع الذي يقتحم المعارك ويخترق الصفوف ويقطع الجيوش ويكسر الأعداء إذا خاف من لدغة العقرب لا يعتبر جبانا ولا يعتبر عند الناس رعديدا، بل هذا من حذره وانتباهه.

قال الحافظ الإمام المجتهد الحجة شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الهرري الحبشي رضي الله عنه وأرضاه في كتابه «عمدة الراغب في مختصر بغية الطالب» ما نصه([1]): «وكذلك يستحيل على الأنبياء الجبن، أما الخوف الطبيعي فلا يستحيل عليهم، بل الخوف الطبيعي موجود فيهم وذلك مثل النفور من الحية، فإن طبيعة الإنسان تقتضي النفور من الحية وما أشبه ذلك. ولا يقال عن النبي صلى الله عليه وسلم هرب، لأن هرب يشعر بالجبن، أما فر من أذى الكفار فهذا جائز ما فيه نقص، وعلى هذا المعنى

قول الله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال: {ففررت منكم لما خفتكم}، قال القشيري في تفسيره لقوله تعالى: {ففررت منكم لما خفتكم} «يجوز حمله على الظاهر وأنه خاف منهم على نفسه»، وقد قال الله تعالى مخاطبا نبيه موسى عليه السلام {خذها ولا تخف}، وقال تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسىٰ}. اهـ.

قال المفسر الإمام الطبري في تفسيره ما نصه: «ولملئت نفسك من اطلاعك عليهم فزعا، لما كان الله ألبسهم من الهيبة، كي لا يصل إليهم واصل، ولا تلمسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه في الوقت الذي أراد أن يجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه، وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده، ليعلموا أن وعد الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها». اهـ.

وقال أبو حيان الأندلسي في كتابه البحر المحيط ما نصه: «أعرضت بوجهك عنهم. وأوليتهم كشحك». اهـ.

([1]) عمدة الراغب في مختصر بغية الطالب (طبعة دار المشاريع الطبعة الأولى 1429هـ ص74).