الأربعاء يناير 28, 2026

1. قال تعالى: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} [الذاريات: 47].

آيات يحتج بها الوهابيون لتحريم التوسل
وتكفير المسلمين المتوسلين

يحتج الوهابي عبد الرحمٰـن بن حسن آل الشيخ حفيد مؤسس الحركة الوهابية محمد بن عبد الوهاب النجدي في كتابه المسمى فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (فأصل المتن لمحمد بن عبد الوهاب والشرح لحفيده عبد الرحمٰـن آل الشيخ) بتعليق مفتي الوهابية وشيخ ضلالهم عبد العزيز بن باز فقال([1]): من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره.

يقول الله تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} [يونس: 106].

الشرح: إن الوهابية وإمامهم محمد بن عبد الوهاب وقدوتهم ابن تيمية والتابعين لهم كابن باز وابن عثيمين والفوزان وعبد العزيز آل الشيخ وعبد الرحمٰـن السعدي وعائض القرني ومحمد العريفي ومحمد حسان وعبد الرحمٰـن دمشقية والبشير بن حسن التونسي وأبو بكر الجزائري وعبد الهادي بن حسن وهبي اللبناني وأضرابهم حرفوا تفسير ومعاني هذه الآيات الكريمة التي نزلت في المشركين عباد الأوثان والأصنام فحملوها على المسلمين فكفروا المتوسلين والمستغيثين بالأنبياء والأولياء والصالحين. فكان حالهم تماما كحال الخوارج الذين قال فيهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: «انطلقوا إلى آيات نزلت في المشركين فحملوها على المؤمنين»، وهذا هو حال الوهابية خوارج العصر. وبتفسير علماء أهل السنة والجماعة لهذه الآيات ينكشف لك ويتضح وينفضح حال الوهابية الذين يكذبون على الناس ويحرفون شريعة الله ويقلبون الحقائق ويضعون الآيات في غير موضعها محرفين الكلام عن مواضعه نصرة لمذهبهم الرديء وعقيدتهم الكاسدة الفاسدة، فتنبه وكن حذرا منهم ومن مؤلفاتهم ومن فتاويهم وإليك نصوص علماء التفسير.

قال الطبري في تفسيره ما نصه: «قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تدع، يا محمد، من دون معبودك وخالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة -بزعمهم- والأصنام. يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفا ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر «فإن فعلت»، ذلك، فدعوتها من دون الله {فإنك إذا من الظالمين}، يقول: من المشركين بالله، الظالمي أنفسهم». اهـ.

وقال المفسر القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «ولا تدع أي لا تعبد من دون الله ما لا ينفعك إن عبدته ولا يضرك إن عصيته.

فإن فعلت أي عبدت غير الله فإنك إذا من الظالمين أي الواضعين العبادة في غير موضعها». اهـ.

وقال المفسر الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره ما نصه: «{ولا تدع} ولا تعبد، {من دون الله ما لا ينفعك} إن أطعته، {ولا يضرك} إن عصيته، {فإن فعلت} فعبدت غير الله، {فإنك إذا من الظالمين} الضارين لأنفسهم الواضعين للعبادة في غير موضعها». اهـ.

واستشهد أيضا بقوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} [يونس: 107].

الشرح: قال الطبري في تفسيره ما نصه: «قال أبو جعفر: يقول تعالى في ذكره لنبيه: وإن يصبك الله، يا محمد بشدة أو بلاء، فلا كاشف لذلك إلا ربك الذي أصابك به، دون ما يعبده هؤلاء المشركون من الآلهة – بزعمهم – والأنداد {وإن يردك بخير}، يقول: وإن يردك ربك برخاء أو نعمة وعافية وسرور {فلا راد لفضله}، يقول: فلا يقدر أحد أن يحول بينك وبين ذلك، ولا يردك عنه ولا يحرمكه لأنه الذي بيده السراء والضراء، دون الآلهة – بزعمهم – والأوثان، ودون ما سواه {يصيب به من يشاء}، يقول: يصيب ربك، يا محمد بالرخاء والبلاء والسراء والضراء، من يشاء ويريد {من عباده وهو الغفور}، لذنوب من تاب وأناب من عباده من كفره وشركه إلى الإيمان به وطاعته {الرحيم} بمن آمن به منهم وأطاعه، أن يعذبه بعد التوبة والإنابة». اهـ.

وقال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «قوله تعالى وإن يمسسك الله بضر أي يصيبك به فلا كاشف أي لا دافع له إلا هو وإن يردك بخير أي يصبك برخاء ونعمة فلا راد لفضله يصيب به أي بكل ما أراد من الخير والشر من يشاء من عباده وهو الغفور لذنوب عباده وخطاياهم الرحيم بأوليائه في الآخرة». اهـ.

واستشهدوا بقوله تعالى: {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} [العنكبوت: 17].

الشرح: قال المفسر محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان ما نصه: «قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون} [النحل: 73]، ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات بإنزال المطر، ولا من الأرض بإنبات النبات. وأكد عجز معبوداتهم عن ذلك بأنهم لا يستطيعون، أي: لا يملكون أن يرزقوا، والاستطاعة منفية عنهم أصلا لأنهم جماد ليس فيه قابلية استطاعة شيء.

ويفهم من الآية الكريمة: أنه لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق لأن أكلهم رزقه، وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية الكريمة بينه الله في مواضع أخر، كقوله: {إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} [العنكبوت: 17]، وقوله: {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور} [الملك: 21]، وقوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 56 – 58]، وقوله: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم} [الأنعام: 14]، وقوله: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى} [طه: 132]، وقوله: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} الآية [فاطر: 3]، وقوله: {قل من يرزقكم من السماء والأرض} الآية [يونس: 31]، إلى غير ذلك من الآيات». اهـ.

وقال المفسر الطبري السلفي في تفسيره ما نصه: «يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه أوثانا لا تملك لهم رزقا من السماوات لأنها لا تقدر على إنزال قطر منها لإحياء موتان الأرضين، {والأرض}: يقول: ولا تملك لهم أيضا رزقا من الأرض لأنها لا تقدر على إخراج شيء من نباتها وثمارها لهم، ولا شيئا مما عدد تعالى في هذه الآية أنه أنعم بها عليهم {ولا يستطيعون} يقول: ولا تملك أوثانهم شيئا من السماوات والأرض، بل هي وجميع ما في السماوات والأرض لله ملك، ﱫﭞﭟﱪ يقول: ولا تقدر على شيء». اهـ.

ويستشهد الوهابي أيضا بقوله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون} [الأحقاف: 5].

الشرح: قال المفسر الطبري السلفي في تفسيره ما نصه: «يقول – تعالى ذكره -: وأي عبد أضل من عبد يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة: يقول: لا تجيب دعاءه أبدا لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك.

وقوله: {وهم عن دعائهم غافلون} يقول – تعالى ذكره-: وآلهتهم التي يدعونهم عن دعائهم إياهم في غفلة لأنها لا تسمع ولا تنطق، ولا تعقل، وإنما عنى بوصفها بالغفلة تمثيلها بالإنسان الساهي عما يقال له، إذ كانت لا تفهم مما يقال لها شيئا، كما لا يفهم الغافل عن الشيء ما غفل عنه، وإنما هذا توبيخ من الله لهؤلاء المشركين لسوء رأيهم، وقبح اختيارهم في عبادتهم من لا يعقل شيئا ولا يفهم، وتركهم عبادة من جميع ما بهم من نعمته، ومن به استغاثتهم عند ما ينزل بهم من الحوائج والمصائب. وقيل: من لا يستجيب له، فأخرج ذكر الآلهة وهي جماد مخرج ذكر بني آدم، ومن له الاختيار والتمييز، إذ كانت قد مثلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم في خدمتهم إياها، فأجرى الكلام في ذلك على نحو ما كان جاريا فيه عندهم». اهـ.

وقال المفسر القرطبي في تفسيره ما نصه: «قوله تعالى: ومن أضل أي لا أحد أضل وأجهل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهي الأوثان». اهـ.

ويستشهد الوهابي بقوله تعالى: {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 6].

الشرح: قال المفسر القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «قوله تعالى: {كانوا لهم أعداء} يريد يوم القيامة. {كانوا لهم أعداء} أي هؤلاء المعبودون أعداء الكفار يوم القيامة. فالملائكة أعداء الكفار، والجن والشياطين يتبرؤون غدا من عبدتهم، ويلعن بعضهم بعضا. ويجوز أن تكون الأصنام للكفار الذين عبدوها أعداء على تقدير خلق الحياة لها، دليله قوله تعالى: تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل: عادوا معبوداتهم لأنهم كانوا سبب هلاكهم، وجحد المعبودون عبادتهم، وهو قوله: {وكانوا بعبادتهم كافرين}». اهـ.

وقال محمد بن جرير الطبري السلفي في تفسيره ما نصه: «يقول -تعالى ذكره -: وإذا جمع الناس يوم القيامة لموقف الحساب، كانت هذه الآلهة-بزعمهم- التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء لأنهم يتبرؤون منهم {وكانوا بعبادتهم كافرين} يقول – تعالى ذكره-: وكانت آلهتهم – بزعمهم – التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين لأنهم يقولون يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم يا ربنا». اهـ.

 واستشهد الوهابي بقوله تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما} [يونس: 12].

الشرح: قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «قوله تعالى {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه} [يونس: 12] قيل: المراد بالإنسان هنا الكافر، قيل: هو أبو حذيفة بن المغيرة المشرك، تصيبه البأساء والشدة والجهد. دعانا لجنبه أي على جنبه مضطجعا.

{أو قاعدا أو قائما} وإنما أراد جميع حالاته لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاث. قال بعضهم: إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الأمر، فهو يدعو أكثر، واجتهاده أشد، ثم القاعد ثم القائم.

فلما كشفنا عنه ضره مر أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ». اهـ.

وقال المفسر الطبري في تفسيره ما نصه: «قال أبو جعفر: يقول، تعالى ذكره: وإذا أصاب الإنسان الشدة والجهد {دعانا لجنبه}، يقول: استغاث بنا في كشف ذلك عنه {لجنبه}، يعني مضطجعا لجنبه. {أو قاعدا أو قائما} بالحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضر به {فلما كشفنا عنه ضره}، يقول: فلما فرجنا عنه الجهد الذي أصابه {مر كأن لم يدعنا إلىٰ ضر مسه}، يقول: استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء أو تناساه، وترك الشكر لربه الذي فرج عنه ما كان قد نزل به من البلاء حين استعاذ به، وعاد للشرك ودعوى الآلهة والأوثان أربابا معه. يقول، تعالى ذكره: {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون}، يقول: كما زين لهذا الإنسان الذي وصفنا صفته، استمراره على كفره بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضر، كذلك زين للذين أسرفوا في الكذب على الله وعلى أنبيائه، فتجاوزوا في القول فيهم إلى غير ما أذن الله لهم به، ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك به». اهـ.

ويستشهد الوهابي بقوله سبحانه: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم}.

 الشرح: قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «قوله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم} الاستغاثة: طلب الغوث والنصر. غوث الرجل قال: واغوثاه. والاسم الغوث والغواث والغواث. واستغاثني فلان فأغثته والاسم الغياث عن الجوهري. وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم ائتني ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض. فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله بالملائكة». اهـ.

وقال المفسر الطبري في تفسيره ما نصه: «ومعنى قوله: {تستغيثون ربكم}، تستجيرون به من عدوكم، وتدعونه للنصر عليهم {فاستجاب لكم} فأجاب دعاءكم، بأني ممدكم بألف من الملائكة يردف بعضهم بعضا، ويتلو بعضهم بعضا». اهـ.

ويستشهد الوهابي بقوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون} [النمل: 62].

الشرح: قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، أإله مع الله على جهة التوبيخ، كأنه قال أمع الله ويلكم إله؛ ف (إلٰه) مرفوع بـ (مع). ويجوز أن يكون مرفوعا بإضمار (إلٰه مع الله يفعل ذلك فتعبدوه). والوقف على {مع الله} حسن». اهـ.

وقال الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري في تفسيره ما نصه: «يقول تعالى ذكره: أم ما تشركون بالله خير، أم الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء النازل به عنه؟ كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ويكشف السوء} قال: الضر.

وقوله: {ويجعلكم خلفاء الأرض} يقول: ويستخلف بعد أمرائكم في الأرض منكم خلفاء أحياء يخلفونهم. وقوله: {أءلـٰـه مع الله} يقول: أإله مع الله سواه يفعل هذه الأشياء بكم، وينعم عليكم هذه النعم؟ وقوله: {قليلا ما تذكرون} يقول: تذكرا قليلا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون، وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرا، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته». اهـ.

واستشهد الوهابي الجويهل بقوله تعالى: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم} [فاطر: 14].

الشرح: قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «ذلكم الله ربكم له الملك أي هذا الذي من صنعه ما تقرر هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر فهو الذي يعبد. والذين تدعون من دونه يعني الأصنام. ما يملكون من قطمير أي لا يقدرون عليه ولا على خلقه. والقطمير القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة، قاله أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: هو شق النواة، وهو اختيار المبرد، وقاله قتادة. وعن قتادة أيضا: القطمير القمع الذي على رأس النواة. الجوهري.

ويقال: هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة، تنبت منها النخلة». اهـ.

وقال ابن كثير في تفسيره ما نصه: «{والذين تدعون من دونه} أي: من الأنداد والأصنام التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين، {ما يملكون من قطمير}». اهـ.

 

ابن تيمية يحرم التوسل بالأنبياء والصالحين
والتبرك بهم وآثارهم والرد عليه

قال الإمام المجتهد المجدد شيخ الإسلام والمسلمين عبد الله بن محمد الهرري الحبشي رضي الله عنه في كتابه المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية ما نصه([2]): «ومن أشهر ما صح عن ابن تيمية بنقل العلماء المعاصرين له وغيرهم ممن جاؤوا بعدهم، تحريمه التوسل بالأنبياء والصالحين بعد موتهم وفي حياتهم في غير حضورهم والتبرك بهم وبآثارهم، وتحريمه زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام للتبرك فيقول في كتابه التوسل ما نصه([3]): «وأما الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء، فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك». اهـ.

وقال في كتاب ءاخر ما نصه([4]): «وأما الزيارة المبتدعة التي هي من جنس زيارة المشركين فمقصودهم بها طلب الحوائج من الميت أو الغائب». اهـ.

وقال في كتابه التوسل والوسيلة ما نصه([5]): «ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه ولم يذكروا فيما شرع للمسلمين في هذه الحال التوسل به، كما لم يذكر أحد من العلماء دعاء غير الله والاستعانة المطلقة بغيره في حال من الأحوال». اهـ.

ثم ناقض ابن تيمية نفسه فذكر في فتاويه ما يخالف ما ادعاه من أن العلماء لم يذكروا فيما شرع للمسلمين في الاستسقاء وغيره التوسل به، فقال ما نصه([6]): «ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي صاحبه: إنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، ولكن غير أحمد قال: إن هذا إقسام على الله به ولا يقسم على الله بمخلوق، وأحمد في إحدى الروايتين قد جوز القسم به فلذلك جوز التوسل به». اهـ.

فهو كما تبين يتقول على الأئمة وذلك عادة له، فقد خالف الإمام أحمد والإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي، وهو كما قال فيه الحافظ السبكي: ولم يسبق ابن تيمية في إنكاره التوسل أحد من السلف ولا من الخلف، بل قال قولا لم يقله عالم قط قبله، وقال في شفاء السقام([7]) ما نصه: «اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار». اهـ.

وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المتوفى في القرن العاشر الهجري في مبحث سن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم([8]) ما نصه: «ولا يغتر بإنكار ابن تيمية لسن زيارته صلى الله عليه وسلم فإنه عبد أضله الله كما قاله العز بن جماعة، وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل، ووقوعه في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بعجب فإنه وقع في حق الله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فنسب إليه العظائم كقوله إن لله تعالى جهة ويدا ورجلا وعينا([9]) وغير ذلك من القبائح الشنيعة، ولقد كفره كثير من العلماء، عامله الله بعدله وخذل متبعيه الذين نصروا ما افتراه على الشريعة الغراء». اهـ.

وهو أي ابن تيمية يحرم التوسل والاستغاثة برسول الله وغيره من الأنبياء والأولياء، وأخذ منه ذلك محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وزادوا التكفير بما فهموه من تعبيراته، والذي أدى بهم إلى ذلك هو جهلهم بمعنى العبادة الواردة في نحو قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]، وقوله تعالى حكاية عن المشركين: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفىٰ} [الزمر: 3] نقول لهم: العبادة في لغة العرب هي ما عرفها به اللغويون، فقد عرفها الإمام اللغوي الشهير الزجاج بقوله: «العبادة في لغة العرب الطاعة مع الخضوع»، وقال الإمام اللغوي أبو القاسم الراغب الأصبهاني في مفردات القرءان: «العبادة غاية التذلل»، وقال الإمام الحافظ الفقيه اللغوي المفسر على بن عبد الكافي السبكي([10]) في تفسيره لقوله تعالى: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] «أي نخصك بالعبادة التي هي أقصى غاية الخشوع والخضوع»، وقال النحوي اللغوي المفسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره([11]) عند قول الله تعالى: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5]: «العبادة عند جمهور اللغويين التذلل، وقال ابن السكيت: التجريد» اهـ. وقال الفيومي اللغوي في المصباح المنير([12]): «عبدت الله أعبده عبادة، وهي الانقياد والخضوع، والفاعل عابد، والجمع عباد وعبدة مثل كافر وكفار وكفرة، ثم استعمل فيمن اتخذ إلها غير الله وتقرب إليه فقيل: عابد الوثن والشمس وغير ذلك». اهـ. وكذلك جهل هؤلاء بمعنى الدعاء الوارد في القرءان في مواضع كقوله تعالى: {يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه} [الحج: 13] وقوله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له} [الأحقاف: 5]، ظنوا أن هذا الدعاء هو مجرد النداء، ولم يعلموا أن معناه العبادة التي هي غاية التذلل، فإن المفسرين قد أطبقوا على أن ذلك الدعاء هو عبادتهم لغير الله على هذا الوجه، ولم يفسره أحد من اللغويين والمفسرين بالنداء، لذلك صار هؤلاء يكفرون من يقول: يا رسول الله، أو: يا أبا بكر، أو: يا علي، أو: يا جيلاني، أو نحو هذا في غير حالة حضورهم في حياتهم وبعد وفاتهم، ظنا منهم أن هذا النداء هو عبادة لغير الله، هيهات هيهات، ألم يعلم هؤلاء أن القرءان والحديث لا يجوز تفسيرهما بما لا يوافق اللغة، وماذا يقول هؤلاء فيما رواه البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر أنه خدرت([13]) رجله فقيل له: اذكر أحب الناس إليك، فقال: يا محمد، فهل يكفرونه لهذا النداء أم ماذا يفعلون؟ وماذا يقولون في إيراد البخاري لهذا هل يحكمون عليه أنه وضع في كتابه الشرك ليعمل به؟.

ومن شبه هؤلاء إيرادهم لحديث ابن حبان([14]) وغيره: «الدعاء هو العبادة»، يريدون بذلك أن يوهموا الناس أن التوسل بالأنبياء والأولياء بعد موتهم أو في غير حضرتهم ولو كانوا أحياء شرك عبادة لغير الله. فالجواب: أن معنى الحديث أن الدعاء الذي هو الرغبة إلى الله كما عرف بذلك علماء اللغة الدعاء من أعظم أنواع العبادة، بمعنى ما يتقرب به إلى الله، لأن الصلاة التي هي أفضل ما يتقرب به إلى الله بعد الإيمان مشتملة على الدعاء، فهذا من العبادة التي هي أحد إطلاقي لفظ العبادة في عرف أهل الشرع كإطلاقها على انتظار الفرج، وهذا الإطلاق راجع إلى تعريف العبادة العام الذي هو غاية التذلل لأن العبد لما يدعو الله تعالى راغبا إليه حيث إنه خالق المنفعة والمضرة، فقد تذلل له غاية التذلل. وبالله التوفيق والعصمة.

ثم من المعلوم أن العبادة تطلق من باب الحقيقة الشرعية المتعارفة عند حملة الشريعة على فعل ما يتقرب به إلى الله، وقد وردت فيما صح عن رسول الله بمعنى الحسنة كقوله صلى الله عليه وسلم: «انتظار الفرج عبادة»([15]) أي حسنة يتقرب بها إلى الله، وبهذا المعنى الصدقة والصيام وعمل المعروف والإحسان إلى الناس، وهذا شائع كثيرا.

قال الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل ما نصه([16]): «وقد بلغ بالناظم وشيخه الغلو في هذا الصدد إلى حد تحريم شد الرحل لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، وعد السفر لأجل ذلك سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة، فأصدر الشاميون فتيا في ابن تيمية وكتب عليها البرهان بن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطرا بأشياء إلى أن قال بتكفيره ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل، وكتب تحت خطه كذلك المالكي، ثم عرضت الفتيا على قاضي قضاة الشافعية بمصر البدر بن جماعة فكتب على ظاهر الفتوى الحمد لله هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله: إن زيارة الأنبياء والصالحين بدعة وما ذكره من نحو ذلك، وإنه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء باطل مردود عليه، وقد نقل جماعة من العلماء أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور – يعني ابن تيمية – ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة والعلماء، ويمنع من الفتاوى الغريبة، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك ويشهر أمره ليتحفظ الناس من الاقتداء به. وكتبه محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي». اهـ.

ثم قال ما نصه([17]): «والأحاديث في زيارته صلى الله عليه وسلم في غاية من الكثرة وقد جمع طرقها الحافظ صلاح الدين العلائي في جزء، قال على القاري في شرح الشفاء: «وقد فرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أفرط غيره حيث قال كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة وجاحده محكوم عليه بالكفر ولعل الثاني أقرب إلى الصواب لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفرا لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه…»([18]). اهـ.

ثم قال: «فسعيه في منع الناس من زيارته صلى الله عليه وسلم يدل على ضغينة كامنة فيه نحو الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف يتصور الإشراك بسبب الزيارة والتوسل في المسلمين الذين يعتقدون في حقه عليه السلام أنه عبده ورسوله وينطقون بذلك في صلواتهم نحو عشرين مرة في كل يوم على أقل تقدير إدامة لذكرى ذلك. ولم يزل أهل العلم ينهون العوام عن البدع في كل شؤونهم ويرشدونهم إلى السنة في الزيارة وغيرها إذا صدرت منهم بدعة في شيء، ولم يعدوهم في يوم من الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسل، كيف وقد أنقذهم الله من الشرك وأدخل في قلوبهم الإيمان، وأول من رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودمائهم لحاجة في النفس، ولم يخف ابن تيمية من الله في رواية عد السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة عن الإمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي، وحاشاه عن ذلك، راجع كتاب التذكرة له تجد فيه مبلغ عنايته بزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم والتوسل به كما هو مذهب الحنابلة، وإنما قوله بذلك في السفر إلى المشاهد المعروفة في العراق لما قارن ذلك من البدع في عهده وفي نظره. وإليك نص عبارته في التذكرة المحفوظة بظاهرية دمشق تحت رقم «87» في الفقه الحنبلي: «فصل: ويستحب له قدوم مدينة الرسول صلوات الله عليه، فيأتي مسجده فيقول عند دخوله: بسم الله اللهم صل على محمد وءال محمد وافتح لي أبواب رحمتك وكف عني أبواب عذابك، الحمد لله الذي بلغ بنا هذا المشهد وجعلنا لذلك أهلا، الحمد لله رب العالمين». إلى أن قال: «واجعل القبر تلقاء وجهك، وقم مما يلي المنبر وقل السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اللهم صل على محمد وعلى ءال محمد إلى ءاخر ما تقوله في التشهد الأخير، ثم تقول: اللهم أعط محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود الذي وعدته اللهم صل على روحه في الأرواح وجسده في الأجساد كما بلغ رسالاتك وتلا ءاياتك وصدع بأمرك حتى أتاه اليقين، اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك صلى الله عليه وسلم: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64] وإني قد أتيت نبيك تائبا مستغفرا فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي ذنوبي». إلى أن قال: «وإن أحببت تمسح بالمنبر وبالحنانة وهو الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم فلما اعتزل عنه حن إليه كحنين الناقة». اهـ.

ففي هذا التوسل الذي أورده ابن عقيل دليل على أن عمل المسلمين كان على التوسل بالنبي بعد موته من غير نكير، إنما هذا التحريم من ابن تيمية ومن أتباعه فيما بعده، وابن عقيل توفي قبل ابن تيمية([19]) وهو من أساطين الحنابلة من أهل التخريج. وليكن منك على ذكر حديث: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» فقد رواه أبو يعلى الـموصلي والبزار([20]) في مسنديهما، وأورده البيهقي في الجزء الذي ألفه في حياة الأنبياء وهو مطبوع، وأورده أيضا الحافظ ابن حجر في شرح البخاري وسيأتي مفصلا.

وأما أدلة أهل الحق على جواز التوسل بالرسول في حياته وبعد مماته فمن ذلك ما أخرجه الطبراني في معجميه الكبير والصغير([21]) عن عثمان ابن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكى إليه ذلك، وقال: ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، ثم رح حتى أروح معك. فانطلق الرجل ففعل ما قال، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان ابن عفان فأجلسه على طنفسته، فقال: ما حاجتك؟ فذكر له حاجته، فقضى له حاجته وقال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، ثم خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره، فقال: «إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك»، قال: يا رسول الله إنه شق علي ذهاب بصري وإنه ليس لي قائد، فقال له: «ائت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك…». إلى ءاخر الدعاء. قال عثمان بن حنيف: ففعل الرجل ما قال، فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر كأنه لم يكن به ضر قط.

قال الطبراني في معجمه: «والحديث صحيح». اهـ. ولفظ الحديث عند علماء الحديث يطلق على ما يرفع إلى النبي وما يوقف على الصحابي كما هو مقرر في كتب الاصطلاح، وقد أطلق الإمام أحمد لفظ الحديث على أثر لعمر في الجبن الذي يأتي به المجوس، وكان من عاداتهم أن يستعملوا في الجبن أنفحة الميتة.

فهذا الحديث حجة في جواز التوسل بالرسول في حياته وبعد مماته، في حضرته وفي غير حضرته، وليس الأمر كما يقول ابن تيمية فإنه قال: لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر، وبما أن الألباني يتبعه فقد طعن في القدر الموقوف من الحديث بقوله: إن الموقوف منكر، ومنشأ هذا الخبط للألباني هو مجاوزته حده حيث لم يقف عند نصوص علماء الحديث أن من لم يبلغ مرتبة الحافظ ليس له التصحيح والتضعيف، وكذا الحكم بالوضع. وروى هذا الحديث أيضا الحافظ السبكي والبيهقي.

 ومما يدل على ما قدمنا ما ذكره ابن حجر في شرح البخاري ونصه([22]): «وقد تقدم في كتاب الزكاة([23]) من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه بلفظ: «إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد، فيشفع ليقضى بين الخلق». اهـ.

ولنزد على ما مضى أن توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم بالصيغة التي علمه رسول الله لم يكن بحضور الرسول، بل ذهب إلى الميضأة فتوضأ وصلى ودعا باللفظ الذي علمه رسول الله، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم والنبي لم يفارق مجلسه لقول راوي الحديث عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر.

ومما يدل أيضا على أن توسل هذا الأعمى كان في غير حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال يا محمد في غير حضرته، أنه قد ثبت النهي عن نداء الرسول باسمه في وجهه لقوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} الآية [النور: 63].

ومن ذلك حديث: «من قال إذا خرج إلى المسجد: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك» ـرواه ابن ماجه وغيره([24]) وحسنه الحافظ ابن حجر العسقلاني([25]) والحافظ الدمياطي([26]) والحافظ أبو الحسن المقدسي([27]) والحافظ العراقي([28]) – ولا التفات بعد تحسين هؤلاء الحفاظ له إلى قول الألباني بتضعيفه، لأن الألباني ليس من أهل مرتبة الحفظ بل بعيد منها بعد الأرض من السماء، وقد اعترف هو في بعض ما كتب بعدم بلوغه مرتبة الحفظ. والشرط في تصحيح الحديث أو تضعيفه وكذا الحكم بالوضع أن لا يؤخذ إلا من كلام حافظ كما نص عليه السيوطي في تدريب الراوي، وهل تجرؤ الألباني على التصحيح والتضعيف والحكم بالوضع عن عدم اطلاع على كلام أهل الحديث في المصطلح؟ أم يكون اطلع لكن الهوى جره وحب الظهور ودعوى ما ليس له ظنا منه أن الناس يروج عليهم كلامه إذا صحح أو حسن أو ضعف؟.

ولنذكر هنا نص الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار لما في ذلك من إزالة لبس توهمه بعض الناس من عدم الفرق بين الحديثين الحديث الفعلي والحديث القولي، لأن الحديث الفعلي هو الضعيف وأما الحديث القولي فإنه ثابت، قال: «قوله – يعني النووي – وروينا في كتاب ابن السني عن بلال، وبالسند الماضي إلى أبي بكر بن السني مرارا، ثنا عبد الله بن محمد البغوي، ثنا الحسن بن عرفة، ثنا على بن ثابت الجزري، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمـن، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن بلال رضي الله عنه مؤذن النبي صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم قال: «كان النبي صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم إذا خرج إلى الصلاة قال: «بسم الله ءامنت بالله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك، أسألك أن تعيذني من النار وتدخلني الجنة»، هذا حديث واه جدا أخرجه الدارقطني في الأفراد من هذا الوجه، وقال: تفرد الوازع به، وقد نقل المصنف أنه متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث، قلت: والقول فيه أشد من ذلك، قال يحيى ابن معين والنسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم وجماعة: متروك، وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة. قلت: وقد اضطرب في هذا الحديث، وأخرجه أبو نعيم في اليوم والليلة من وجه ءاخر عنه فقال: عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن بلال ولم يتابع عليه أيضا.

قوله: – يعني النووي – وروينا في كتاب ابن السني معناه من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم، وعطية أيضا ضعيف، قلت: ضعفه إنما جاء من قبل التشيع ومن قبل التدليس، وهو في نفسه صدوق. وقد أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأخرج له أبو داود عدة أحاديث ساكتا عليها، وحسن له الترمذي عدة أحاديث بعضها من أفراده، فلا تظن أنه مثل الوازع.

قرأت على فاطمة بنت محمد بن أحمد بن محمد بن عثمان الدمشقية بها، عن أبي الفضل بن أبي طاهر قال: أنا إسمـعيل بن ظفر، أنا محمد ابن أبي زيد، أنا محمود ابن إسمعيل، أنا أبو الحسين بن فاذشاه، أنا الطبراني في كتاب الدعاء، ثنا بشر بن موسى، ثنا عبد الله بن صالح هو العجلي، ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم: «إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل([29]) الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته»، هذا حديث حسن أخرجه أحمد عن زيد ابن هارون، عن فضيل بن مرزوق، وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن يزيد، عن إبراهيم التستري، عن الفضل ابن موفق، وأخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد من رواية محمد بن فضيل بن غزوان، ومن رواية أبي خالد الأحمر، وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني من رواية أبي نعيم الكوفي، كلهم عن فضيل بن مرزوق. وقد رويناه في كتاب الصلاة لأبي نعيم وقال في روايته عن فضيل عن عطية قال حدثني أبو سعيد فذكره لكن لم يرفعه، وقد أمن بذلك تدليس عطية.

وعجبت للشيخ كيف اقتصر على سوق رواية بلال دون أبي سعيد وعلى عزو رواية أبي سعيد لابن السني دون ابن ماجه وغيره. والله الموفق([30]) اهـ. ففي هذا الحديث دليل على جواز التوسل بالأحياء والأموات لأن لفظ السائلين جمع يشمل الأحياء والأموات من كان حيا ومن كان غائبا، فظهر بطلان تلبيس ابن تيمية، وفي الحديث دليل على جواز التوسل بالعمل الصالح وهو ممشى الرجل إلى المسجد لوجه الله، فالشرع لم يفرق بين التوسل بالذوات الفاضلة وبين التوسل بالعمل الصالح، بل لقائل أن يقول: كيف لا يجوز التوسل بذات رسول الله الذي هو أشرف خلق الله ويجوز التوسل بصلاة العبد وصيامه وصدقته، وكلا الأمرين خلق الله، الذوات الفاضلة خلق الله، والأعمال الصالحة التي يعملها العباد خلق الله، فأي معنى للتفريق؟.

قال الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء عقب إيراده لهذا الحديث وإيراد تحسين الحافظ العراقي له ما نصه([31]): «والمراد بالحق في الموضعين: الجاه والحرمة». اهـ.

قال الحافظ التقي السبكي في شفاء السقام([32]) ما نصه: «وأقول إن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم جائز في كل حال: قبل خلقه، وبعد خلقه في مدة حياته في الدنيا، وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة والجنة. وهو على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: أن يتوسل به بمعنى أن طالب الحاجة يسأل الله تعالى به أو بجاهه أو ببركته فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة، وقد ورد في كل منها خبر صحيح، أما الحالة الأولى قبل خلقه فيدل على ذلك ءاثار عن الأنبياء الماضين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين اقتصرنا منها على ما تبين لنا صحته وهو ما رواه الحاكم أبو عبد الله بن البيع في المستدرك على الصحيحين أو أحدهما، قال ثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور الـمعدل، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحـق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، ثنا إسماعيل بن مسلمة، أنا عبد الرحمٰـن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما اعترف ءادم عليه السلام بالخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله يا ءادم، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه، قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: «لا إلٰــه إلا الله محمد رسول الله» فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا ءادم، إنه لأحب الخلق إلي، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمٰـن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب. ورواه البيهقي أيضا في دلائل النبوة وقال تفرد به عبد الرحمٰـن وذكره الطبراني وزاد فيه «وهو ءاخر الأنبياء من ذريتك».

وذكر الحاكم مع هذا الحديث أيضا عن على بن حمشاذ العدل، ثنا هارون ابن العباس الهاشمي، ثنا جندل بن والق، ثنا عمرو بن أوس الأنصاري، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس قال: «أوحى الله إلى عيسى عليه السلام، يا عيسى ءامن بمحمد وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت ءادم، ولولاه ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه «لا إلٰــه إلا الله فسكن». قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح الإسناد ولم يخرجاه. انتهى ما قاله الحاكم.

والحديث المذكور لم يقف عليه ابن تيمية بهذا الإسناد ولا بلغه أن الحاكم صححه فإنه قال -أعني ابن تيمية: – «أما ما ذكره في قصة ءادم من توسله فليس له أصل ولا نقله أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد يصلح للاعتماد عليه ولا للاعتبار ولا للاستشهاد، ثم ادعى ابن تيمية أنه كذب وأطال الكلام في ذلك جدا بما لا حاصل تحته بالوهم والتخرص ولو بلغه أن الحاكم صححه لما قال ذلك أو لتعرض للجواب عنه، وكأني به إن بلغه بعد ذلك يطعن في عبد الرحمٰـن بن زيد بن أسلم راوي الحديث، ونحن نقول: قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم، وأيضا عبد الرحمٰـن بن زيد بن أسلم لا يبلغ في الضعف إلى الحد الذي ادعاه، وكيف يحل لمسلم أن يتجاسر على منع هذا الأمر العظيم الذي لا يرده عقل ولا شرع وقد ورد فيه هذا الحديث، وسنزيد هذا المعنى صحة وتثبيتا بعد استيفاء الأقسام». انتهى كلام السبكي.

قلت: والبيهقي التزم في كتابه أن لا يذكر حديثا يعلمه موضوعا، فالعجب من جرأة ابن تيمية على إطلاق أن أحدا ممن يعتد به من المحدثين لم يذكره ومن قول الذهبي في هذا الحديث أظنه موضوعا، وليس هناك أدنى متمسك، وليس فيه ركاكة من حيث المعنى، فعبد الرحمٰـن بن زيد بن أسلم ليس ممن اتهم بالكذب، فما الداعي للذهبي إلى أن يقول هذه المقالة، اللهم إلا أن يكون من الذين هم قلوبهم منحرفة عن التوسل بالنبي.

 ثم قال: «وأما ما ورد من توسل نوح وإبراهيم وغيرهما من الأنبياء فذكره المفسرون واكتفينا عنه بهذا الحديث لجودته وتصحيح الحاكم له، ولا فرق في هذا المعنى بين أن يعبر عنه بلفظ التوسل أو الاستعانة أو التشفع أو التجوه، والداعي بالدعاء المذكور وما في معناه متوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه جعله وسيلة لإجابة الله دعاءه ومستغيث به – والمعنى أنه استغاث الله به على ما يقصده، فالباء ههنا للسببية وقد ترد للتعدية كما تقول: من استغاث بك فأغثه – ومستشفع به ومتجوه به ومتوجه فإن التجوه والتوجه راجعان إلى معنى واحد». انتهى كلام السبكي.

ومما يدل أيضا على جواز التوسل ما رواه الطبراني([33]) بإسناد حسن عن عبد الله بن حسان العنبري، أن جدتيه أخبرتاه أن قيلة بنت مخرمة كانت إذا أخذت حظها من المضجع بعد العتمة قالت: بسم الله وأتوكل على الله، وضعت جنبي لربي وأستغفره لذنبي حتى تقولها مرارا، ثم تقول: أعوذ بالله وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وشر ما ينزل في الأرض وشر ما يخرج منها، وشر فتن النهار، وشر طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير، ءامنت بالله واعتصمت به، الحمد لله الذي استسلم لقدرته كل شيء، والحمد لله الذي ذل لعزته كل شيء، والحمد لله الذي تواضع لعظمته كل شيء، والحمد لله الذي خشع لملكه كل شيء، اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وجدك الأعلى، واسمك الأكبر، وكلماتك التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، أن تنظر إلينا نظرة مرحومة، لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا فقرا إلا جبرته، ولا عدوا إلا أهلكته، ولا عريا إلا كسوته، ولا دينا إلا قضيته، ولا أمرا لنا فيه صلاح في الدنيا والآخرة إلا أنطيتناه، يا أرحم الراحمين، ءامنت بالله واعتصمت به»، الحديث بطوله، وفيه التوسل بالجماد، فإذا كان يجوز التوسل بالعرش بمعاقد العز وهو جماد فكيف التوسل بسيد الأنبياء وإخوانه وأولياء الله الكرام.

وأكثر ما يوردونه من الشبه لتحريم التوسل وتحريم زيارة قبر الرسول أمور ليس فيها ما يدعون، كحديث عبد الله بن عباس مرفوعا وفيه: «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله»([34])، ويجاب عن ذلك بأن الحديث ليس فيه لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله، وإنما مراد النبي بذلك أن الأولى بأن يسأل ويستعان به هو الله، فكيف يفترون على رسول الله وابن عباس لإثبات دعواهم بتكفير المتوسل والمستغيث برسول الله، وإنما هذا كقول رسول الله في حديث ابن حبان([35]): «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي»، فهل في هذا الحديث أن مصاحبة غير المسلم حرام؟ وهل يفهم منه أن إطعام غير التقي حرام؟! وقد رخص الله في كتابه في إطعام الأسير الكافر، بل مدح ذلك بقوله: {ويطعمون الطعام علىٰ حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8].

ومن شبههم حديث عمر أنه استسقى بالعباس، فادعوا أن عمر إنما توسل بالعباس لأن الرسول كان قد توفي. والجواب أن يقال: هل قال لكم عمر أو العباس إن هذا التوسل لأن الرسول كان قد توفي، فعمر لم يقل ذلك ولا أشار إليه، ولا قال العباس ذلك ولا أشار إليه، إنما هو من افتراءاتكم عليهما لتؤيدوا به هواكم هو تكفير المتوسل بالنبي، وأن توسل عمر بالعباس بعد موت النبي ليس لأن الرسول قد مات بل كان لأجل رعاية حق قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قول العباس حين قدمه عمر: «اللهم إن القوم توجهوا بي إليك لمكاني من نبيك»، روى هذا الأثر الزبير بن بكار.

وروى الحاكم([36]) أيضا أن عمر رضي الله عنه خطب الناس فقال: «أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم»، وهذا يوضح سبب توسل عمر بالعباس.

وأيضا فإن ترك الشيء لا يدل على منعه كما هو مقرر في كتب الأصول، فترك عمر للتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لا دلالة فيه أصلا على منع التوسل إلا بالحي الحاضر، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من المباحات فهل دل تركه لها على حرمتها؟ وقد أراد سيدنا عمر بفعله ذلك أن يبين جواز التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الصلاح ممن ترجى بركته، ولذا قال الحافظ في الفتح([37]) عقب هذه القصة ما نصه: «ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة» اهـ.

وقد يذكرون حديثا متفقا على ضعفه وهو من شبههم أيضا أن أبا بكر قال: قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق، فقال رسول الله: إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله. والجواب عن هذه الشبهة أن يقال: هذا الحديث فيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وهو معارض للحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا وفيه أن الشمس تدنو من رؤوس الناس يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، فكيف يتعلقون بحديث غير ثابت وقد عارضه الحديث الصحيح.

وقد نص الحنابلة في كتبهم على جواز التوسل بالصالحين، قال ابن مفلح الحنبلي في الفروع ما نصه([38]): «ويجوز التوسل بصالح، وقيل: يستحب». اهـ. وقال البهوتي الحنبلي في كتاب كشاف القناع([39]) ما نصه: «وقال السامري وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسل للاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين، وقال في المذهب: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح، وقيل يستحب.

وقال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي: إنه يتوسل بالنبي في دعائه -يعني أن المستسقي يسن له في استسقائه أن يتوسل بالنبي-، وجزم به في المستوعب وغيره، ثم قال: قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف الكرخي الترياق المجرب». اهـ. وإبراهيم الحربي من معاصري أحمد بن حنبل، توفي بعده بنحو أربعين سنة، وكان من جلة المحدثين الثقات بل ومن المجتهدين، وقد ذكر في ترجمته أنه كان يشبه بأحمد بن حنبل، فقول ابن تيمية إن ذلك بدعة قبيحة باتفاق الأئمة كلام مردود، يشهد برده نص كلام الإمام أحمد وكلام إبراهيم الحربي الذي هو من جلة الأئمة من السلف فأين الاتفاق الذي يدعيه ابن تيمية؟

قال الشيخ علاء الدين على المرداوي الحنبلي وهو من مشاهير علماء الحنابلة في كتابه الإنصاف([40]) ما نصه: «ومنها يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب، وقيل: يستحب، قال الإمام أحمد للمروذي: يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، وجزم به في المستوعب وغيره، وجعله الشيخ تقي الدين كمسألة اليمين به، قال: والتوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته ونحوه مما هو من فعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقه مشروع إجماعا» اهـ.، فتبين بهذا أن ابن تيمية خالف برأيه الفاسد حتى أهل مذهبه نسأل الله السلامة.

قال الحافظ اللغوي مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء([41]) ما نصه: «وكان صفوان بن سليم المدني أبو عبد الله، وقيل أبو الحـرث القرشي الزهري الفقيه العابد، وأبوه سليم مولى حميد بن عبد الرحمٰـن بن عوف، قال أحمد: هو يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره، وقال مرة: هو ثقة من خيار عباد الله الصالحين. قال الواقدي وغيره: مات سنة 132 عن اثنتين وسبعين سنة روى له الجماعة([42])». اهـ. ونقل ذلك أيضا السيوطي في طبقات الحفاظ فقال: «وذكر -أي صفوان بن سليم- عند أحمد فقال([43]): هذا رجل يستشفى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره. مات سنة أربع وعشرين ومائة». اهـ. وروى عبد الله بن أحمد ابن حنبل([44]) عن أبيه أحمد بن حنبل قال: «قال ابن عيينة: رجلان صالحان يستسقى بهما ابن عجلان ويزيد بن يزيد بن جابر». اهـ.

وذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة([45]) في ترجمة الصحابي عبد الرحمٰـن بن أبي ربيعة الباهلي أنه استشهد ببلنجر من أرض الترك ودفن هناك فهم يستسقون به إلى الآن.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ما نصه([46]): «قال – يعني الحاكم في تاريخ نيسابور: وسمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي على الثقفي مع جماعة من مشائخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر على بن موسى الرضى بطوس قال: فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ما تحيرنا». اهـ.

أما ما يذكر عن أبي حنيفة أنه كره أن يقال أسألك بحق أنبيائك، فليس معناه تحريم التوسل على الإطلاق في جميع صوره وألفاظه، إنما كره أبو حنيفة هذه العبارة: بحق أنبيائك، كما قال أهل مذهبه([47])، لأنها توهم أن للعباد حقا على الله لازما، وأهل مذهبه أدرى بكلامه، فالحنفية ما زالوا يتوسلون بأنبياء الله ويرون ذلك قربة إلى الله. والظاهر أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه ما بلغه هذا الحديث الذي فيه التوسل بلفظ بحق، ولو بلغه لم يقل ذلك، فالعمل على جوازه بلا كراهة، لأن الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الهدى لا يقدمون كلامهم على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك عمل أهل مذهبه على استعمال هذا اللفظ في التوسل، ما رأينا أحدا منهم يستنكر استعمال لفظ بحق في التوسل، والذي يعتقده كل الأئمة هذه القاعدة: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

وأما ما يذكر أنه قال: لا يدعى الله بغيره، فهو بعيد من الصحة، كيف وقد ثبت في الصحيح أن ثلاثة أواهم المطر إلى الغار، فانطبقت صخرة نزلت من أعلى الجبل على فم الغار، فدعا كل من الثلاثة الله بصالح عمله، وهذا أخرجه البخاري وغيره([48])، فكيف يلتفت إلى هذا النقل عن أبي حنيفة المصادم للصحيح، فقد ذكر الألباني في بعض المجالس في الكلام على التوسل هذه العبارة: أما التوسل فقد كفانا أبو حنيفة المؤنة، يريد بذلك أن أبا حنيفة يحرم التوسل مطلقا كما يحرمونه، فليثبت هؤلاء إن استطاعوا أن أبا حنيفة قال يحرم التوسل بالنبي بعد موته أو في حياته في غير حضرته كما يدعي أتباع ابن تيمية في قوله: لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر.

قال ابن عابدين الحنفي في حاشيته([49]): «ذكر العلامة المناوي في حديث: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة» عن العز بن عبد السلام أنه ينبغي كونه مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن لا يقسم على الله بغيره، وأن يكون من خصائصه، قال: قال السبكي: يحسن التوسل بالنبي إلى ربه ولم ينكره أحد من السلف ولا الخلف إلا ابن تيمية فابتدع ما لم يقله عالم قبله». اهـ.

فائدة: إن قال مانعو التوسل بالأموات والحي الغائب لا معنى للتوسل بهم بأن يقال: يا رسول الله أغثني أو: أتوجه بك إلى الله ليقضي لي حاجتي لأنه لا يسمع، وأما الحي الحاضر فيسمع. قلنا: لا مانع شرعا ولا عقلا من أن يسمع النبي أو الولي كلام من يتوسل به وهو في القبر، أما النبي فلأنه حي أحياه الله بعد موته كما ثبت من حديث أنس عن رسول الله أنه قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» صححه البيهقي في جزء حياة الأنبياء([50])، وأورده الحافظ ابن حجر على أنه ثابت في فتح الباري([51])، وذلك لما التزمه أن ما يذكره من الأحاديث شرحا أو تتمة لحديث في متن البخاري فهو صحيح أو حسن، ذكر ذلك في مقدمة الفتح([52]). ولأنه ثبت حديث: «ما من رجل مسلم يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه

 

ورد عليه السلام»([53])، صححه الحافظ عبد الحق الإشبيلي([54]).

قال المناوي([55]) في شرح الجامع الصغير تعليقا على هذا الحديث ما نصه: «قال ابن الجوزي: حديث لا يصح، وقد أجمعوا على تضعيف عبد الرحمٰـن بن زيد أي أحد رواته، وقال ابن حبان: يقلب الأخبار ولا يعلم حتى كثر ذلك في روايته واستحق الترك، وأفاد الحافظ العراقي أن ابن عبد البر خرجه في التمهيد والاستذكار بإسناد صحيح من حديث ابن عباس، وممن صححه عبد الحق بلفظ: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام»، قلت: بل قال الحافظ في تهذيب التهذيب عن عبد الرحمٰـن بن زيد العدوي: «قال ابن عدي: له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم، وهو ممن يكتب حديث». اهـ.

وعبارة الحافظ في شرح البخاري([56]) في باب أحاديث الأنبياء ما نصه: «وقد جمع البيهقي كتابا لطيفا في «حياة الأنبياء في قبورهم»، أورد فيه حديث أنس: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون»، أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير وهو من رجال الصحيح عن المستلم بن سعيد، وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الأسود وهو ابن أبي زياد البصري، وقد وثقه أحمد وابن معين عن ثابت عنه، وأخرجه أيضا أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه وأخرجه البزار لكن وقع عنده عن حجاج الصواف وهو وهم، والصواب الحجاج الأسود كما وقع التصريح به في رواية البيهقي وصححه البيهقي». اهـ.

ثم قال البيهقي([57]): «وشاهد الحديث الأول ما ثبت في صحيح مسلم([58]) من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رفعه: «مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره»، وأخرجه أيضا من وجه ءاخر عن أنس. فإن قيل هذا خاص بموسى، قلنا: قد وجدنا له شاهدا من حديث أبي هريرة أخرجه

مسلم([59]) أيضا من طريق عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي» الحديث، وفيه: «وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة» وفيه: «وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة ابن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم، فحانت الصلاة فأممتهم». قال البيهقي: وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه لقيهم ببيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم ثم اجتمعوا في بيت المقدس. وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة الإسراء أنه لقيهم بالسمـوات، وطرق ذلك صحيحة، فيحمل على أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره، ثم عرج به هو ومن ذكر من الأنبياء إلى السمـوات فلقيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اجتمعوا في بيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم. قال: وصلاتهم في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يرده العقل، وقد ثبت به النقل فدل ذلك على حياتهم. قلت: وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النقل فإنه يقويه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرءان، والأنبياء أفضل من الشهداء. ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود([60]) من حديث أبي هريرة رفعه وقال فيه: «وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» سنده صحيح. وأخرجه أبو الشيخ في «كتاب الثواب» بسند جيد بلفظ: «من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته»، وعند أبي داود([61]) والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره عن أوس بن أوس رفعه في فضل يوم الجمعة: «فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي»، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».

ومما يشكل على ما تقدم ما أخرجه أبو داود من وجه ءاخر عن أبي هريرة رفعه([62]): «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» ورواته ثقات. ووجه الإشكال فيه أن ظاهره أن عود الروح إلى الجسد يقتضي انفصالها عنه وهو الموت، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: أحدها: أن المراد بقوله: «رد الله علي روحي» أن رد روحه كانت سابقة عقب دفنه لا أنها تعاد ثم تنزع ثم تعاد. الثاني: سلمنا، لكن ليس هو نزع موت بل لا مشقة فيه، الثالث: أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك، الرابع: المراد بالروح النطق فتجوز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه، الخامس: أنه يستغرق في أمور الملإ الأعلى، فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه ليجيب من سلم عليه. وقد استشكل ذلك من جهة أخرى، وهو أنه يستلزم استغراق الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة، وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة، والله أعلم». انتهى كلام الحافظ بحروفه.

وروى البزار([63]) في مسنده قال: «حدثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم يعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم». قال البزار: لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد». اهـ.

وفي الألفاظ الواردة في السلام على أهل القبور دلالة على ذلك، وذلك في نحو قول الزائر «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر»، أخرجه الترمذي وحسنه([64])، وفي صحيح مسلم بلفظ([65]): «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» الحديث، فلولا صحة سماع الميت لم يكن لهذا الخطاب معنى. ولا حجة في استدلال نفاة التوسل بقول الله تعالى: {وما أنت بمثسمع من في القبور} [فاطر: 22] فإنه مؤول لا يحمل على الظاهر، والمراد به تشبيه الكفار بمن في القبور في عدم انتفاعهم بكلامه وهم أحياء، وليس المعنى أنه لا يحصل لأهل القبور سماع شيء من كلام الأحياء على الإطلاق للأخبار الصحيحة. منها ما رواه البخاري([66]) أن رسول الله قام على القليب قليب بدر وفيه قتلى المشركين فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ءابائهم: يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان قال: «فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا»، فقال عمر: ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، وكذلك حديث البخاري ومسلم([67]) عن أنس عن النبي: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم».

ثم مما يؤيد صحة سماع الموتى ما رواه الترمذي أن رجلا ضرب خباءه([68]) ليلا على قبر فسمع من القبر قراءة {تبأرك الذي بيده الملك} [الملك: 1] إلى ءاخرها، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هي المانعة هي المنجية». حسنه السيوطي([69]). فإذا كان من على وجه الأرض عند القبر يسمع قراءة صاحب القبر، فأي مانع من أن يسمع صاحب القبر كلام من على وجه الأرض ولو كان في مسافة بعيدة من صاحب القبر بالنسبة لعباد الله الذين منحهم الله الكرامات كما سمع الجيش الذي كان مع سارية في نهاوند صوت عمر وهو على المنبر في المدينة.

وكذلك يؤيد صحة سماع الموتى للأحياء ما قاله الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء([70]) ونصه: «وقال سعيد بن عبد الله الأودي من بني أود بن سعد العشيرة وفي بعض النسخ الأزدي، فإن كان كذلك فهو سعيد بن عبد الله بن ضرار بن الأزور، وضرار بن الأزور أسدي، ويقال في الأزدي الأسدي، وسعيد ضعيف كما تقدم: شهدت أبا أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه وهو في النزع فقال: يا سعيد إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إذا ما مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب» – أي لا يستطيع الجواب – «ثم ليقل يا فلان ابن فلانة المرة الثانية فإنه يستوي قاعدا، ثم ليقل يا فلان ابن فلانة المرة الثالثة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تسمعون»، وفي لفظ: «لا تشعرون، فيقول» وفي لفظ: «فليقل له: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إلٰه إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرءان إماما، فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما»، وفي لفظ: «يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه فيقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون الله عز وجل حجيجه دونهما»، وفي لفظ: «ولكن الله حجته دونهم»، فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه قال: «فلينسبه إلى حواء» أي فليقل: يا فلان ابن حواء. قال العراقي رواه الطبراني بسند ضعيف. اهـ. قلت: لعله لمكان سعيد بن عبد الله إن كان هو ابن ضرار فقد قال أبو حاتم إنه ليس بقوي نقله الذهبي، هكذا رواه الطبراني في الكبير وفي كتاب الدعاء وابن منده في كتاب الروح وابن عساكر والديلمي، ورواه ابن منده من وجه ءاخر عن أبي أمامة قال: إذا مت فدفنتموني فليقم إنسان عند رأسي فليقل يا صدي بن عجلان اذكر ما كنت عليه في الدنيا شهادة أن لا إلٰــه إلا الله وأن محمدا رسول الله، ورواه ابن عساكر من وجه ءاخر عن أبي أمامة رفعه: «إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعدا، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول له: أرشدني يرحمك الله، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إلٰــه إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله باعث من في القبور، فإن منكرا ونكيرا عند ذلك يأخذ كل واحد بيد صاحبه ويقول قم ما تصنع عند رجل لقن حجته فيكون الله تعالى حجيجهما دونه». انتهى كلام الزبيدي.

وقال الحافظ الزبيدي في موضع ءاخر([71]) ما نصه: «فصل: اتفق أهل السنة على أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته، والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع فيما يصل من ثواب الحج، فعن محمد بن الحسن أنه إنما يصل للميت ثواب النفقة والحج للحاج، وعند عامة أصحابنا ثواب الحج للمحجوج عنه وهو الصحيح، واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرءان والذكر فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها، وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء ألبتة لا الدعاء ولا غيره، وقوله مردود بالكتاب والسنة، واستدلاله بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعىٰ} [النجم: 39] مدفوع بأنه لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما نفى ملك غير سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه وتعالى لم يقل أنه لا ينتفع إلا بما سعى، ثم قراءة القرءان وإهداؤه له تطوعا بغير أجرة يصل إليه، أما لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرءان على قبره فالوصية باطلة لأنه في معنى الأجرة كذا في الاختيار، والعمل الآن على خلافه فالأولى أن يوصي بنية التعلم والتعليم ليكون معونة لأهل القرءان فيكون من جنس الصدقة عنه فيجوز. ثم القراءة عند القبور مكروهة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية لأنه لم ترد به السنة، وقال محمد بن الحسن وأحمد في رواية لا تكره لما روي عن ابن عمر أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها». اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير([72]) ما نصه: «قوله: ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن، فيقال: يا عبد الله يا ابن أمة الله، اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إلٰــه إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق، وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرءان إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، ورد به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. الطبراني عن أبي أمامة: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إلٰــه إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرءان إماما، فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته»، قال: فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال: «ينسبه إلى أمه حواء، يا فلان ابن حواء»، وإسناده صالح، وقد قواه الضياء في أحكامه». اهـ.

وأما الحي الغائب فإنه يدل على صحة سماعه خطاب من يناديه من بعيد قصة عمر رضي الله عنه في ندائه جيشه الذي كان بأرض العجم بقوله: «يا سارية الجبل الجبل»، فسمعه سارية بن زنيم وكان سارية قائد الجيش، فانحاز بجيشه إلى الجبل فانتصروا. صححه الحافظ الدمياطي في جزء ألفه لهذه القصة، ووافقه الحافظ السيوطي على ذلك. وأوردها الحافظ الزبيدي فقال في شرح القاموس([73]) في فصل السين من باب الواو والياء ما نصه: «وسارية بن زنيم بن عمرو بن عبد الله بن جابر بن محمية بن عبد بن عدي بن الديل الخلجي الكناني الذي ناداه عمر رضي الله عنه على المنبر وسارية بنهاوند، فقال يا سارية الجبل الجبل، فسمع صوته وكان يقاتل العدو فانحاز بهم إلى الجبل، فسلم من مكيدتهم، وهذه الكرامة ذكرها غير واحد من أصحاب السير، وقد ذكره ابن سعد وأبو موسى ولم يذكرا ما يدل له على صحبته لكنه أدرك، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. ومن الدليل على صحة سماع الغائب النداء من بعيد ما ثبت أن ابن عباس قال: قام إبراهيم على الحجر فقال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج، فأسمع من في أصلاب الآباء وأرحام النساء فأجابه من ءامن ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك. صححه الحافظ ابن حجر». اهـ.

فإن قيل: إن كثيرا من الناس يزورون على عقيدة فاسدة كاعتقاد أن أصحاب الضرائح لهم خصوصية بجلب المنفعة لمن يزورها ودفع المضرة عنهم، وعلى اعتقاد أنهم يستحقون بهذا غاية التذلل.

قلنا: لأجل ظن حصول من نيتهم هكذا هل يحرم على الجميع بمن فيهم من نياتهم صحيحة ولا يعتقدون هذا، إنما يعتقدون أن الله جعلها سببا لحصول بعض المنافع عند الدعاء عندهم، فمثل هذا كمثل السوق فإن الرسول سماها شر البلاد ومع ذلك لا يحرم على جميع الناس دخولها إنما يحرم على من يذهب ليغش الناس أو يسرق أو ليرابي أو لمقصد محرم غير ذلك، فلم يحرم الرسول دخولها على الإطلاق والإجمال بل جعل دخولها حراما بحالات مخصوصة، والكعبة حين كان حولها ثلاثمائة وستون صنما والمشركون يذهبون إليها ليقدسوها كان الرسول يذهب للصلاة عند الكعبة، ولم يحرم الذهاب إليها على المؤمنين لأجل وجود الأصنام ومن يعبدها، وهكذا قصد قبور الأولياء للتبرك وقصدها رجاء الإجابة عندها من الله تعالى لا يحكم على كل من دخلها بأنه يعتقد ذلك الاعتقاد الفاسد وأنه يعبد هذه الضرائح.

والعبادة في اللغة غاية التذلل كما قال الراغب الأصبهاني الذي يكثر النقل عنه خاتمة اللغويين مرتضى الزبيدي، وقال أبو حيان الأندلسي في تفسير قوله تعالى: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] إن العبادة التذلل عند جمهور اللغويين، وقال ابن السكيت إنها التجريد وقد تقدم ذلك. ومصيبة جماعتكم جهل معنى العبادة التي يكون بها الإنسان إذا فعلها لغير الله مشركا، فإذا كان صورة السجود بغير نية غاية التذلل لا يكون إشراكا في شرعنا إنما يكون حراما، فكيف يجعلون مجرد زيارة الشخص قبر ولي أو نبي للتبرك شركا، وقد ثبت عن معاذ بن جبل أنه سجد لرسول الله فلم يزده على أن قال: «لا تفعل» ولم يقل له أشركت.

والحديث المار ذكره الوارد في السوق حديث حسن كما قال الحافظ ابن حجر في الأمالي، ورواه مسلم أتم من هذا اللفظ مع مغايرة في اللفظ.

ثم إن التوسل والتوجه والاستغاثة مؤداها واحد كما قال الحافظ تقي الدين السبكي وهو من اللغويين كما قال السيوطي، وذلك ظاهر، فإن الصحابي الذي ذهب إلى قبر رسول الله في عام الرمادة فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، يصح أن يطلق على فعله التوسل والاستغاثة، فإنه ذهب إلى قبر الرسول لقصد أن يطلب من الرسول إنقاذهم من الشدة التي أهلكتهم بطلب السقيا من الله.

وهذا الحديث رواه البيهقي بإسناد صحيح([74]) عن مالك الدار – وكان خازن عمر- قال: «أصاب الناس قحط في زمان عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له: أقرئ عمر السلام وأخبره أنهم يسقون وقل له: عليك الكيس الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر وقال: «يا رب ما ءالو إلا ما عجزت». وهذا الرجل هو بلال بن الحـٰـرث المزني الصحابي، فهذا الصحابي قد قصد قبر الرسول للتبرك والاستغاثة فلم ينكر عليه عمر ولا غيره.

وفي فتح الباري([75]) ما نصه: «وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار ـ وكان خازن عمر ـ قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر… الحديث. وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحـٰـرث المزني أحد الصحابة». اهـ.

وفي البداية والنهاية لابن كثير([76]) ما نصه: «وقد روينا أن عمر عس المدينة ذات ليلة([77]) عام الرمادة فلم يجد أحدا يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلا يسأل، فسأل عن سبب ذلك فقيل له: يا أمير المؤمنين إن السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال، والناس في هم وضيق فهم لا يتحدثون ولا يضحكون. فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد، وكتب إلى عمرو ابن العاص بمصر أن يا غوثاه لأمة محمد، فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمات، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة. وهذا الأثر جيد الإسناد». اهـ. وهذا فيه الرد على ابن تيمية لقوله إنه لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر، فهذا عمر بن الخطاب استغاث بأبي موسى وعمرو ابن العاص وهما غائبان.

ثم يقول في الصحيفة التي تليها: «وقال سيف بن عمر: عن سهل بن يوسف السلمي، عن عبد الرحمٰـن بن كعب بن مالك قال: كان عام الرمادة في ءاخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثماني عشرة أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، فكان الناس بذلك وعمر كالمحصور([78]) عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحـٰـرث المزني فاستأذن على عمر فقال: أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد عهدتك كيسا، وما زلت على ذلك فما شأنك». قال: متى رأيت هذا؟ قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال: أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرا غيره خير منه فقالوا: اللهم لا، فقال: إن بلال بن الحـٰـرث يزعم ذيت وذيت([79]) قالوا: صدق بلال فاستغث بالله ثم بالمسلمين، فبعث إليهم وكان عمر عن ذلك محصورا، فقال عمر: الله أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف، ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم الأذى والبلاء. وكتب إلى أمراء الأمصار أن أغيثوا أهل المدينة ومن حولها فإنه قد بلغ جهدهم، وأخرج الناس إلى الاستسقاء، فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيا، فخطب وأوجز وصلى ثم جثى لركبتيه وقال: اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا. ثم انصرف، فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران.

ثم روى سيف عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر ابن الخطاب أن رجلا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال: ليس فيهن شيء، فألحوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال: يا محمداه، فلما أمسى أري في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: «أبشر بالحياة، إيت عمر فأقرئه مني السلام وقل له: إن عهدي بك وفي العهد شديد العقد فالكيس الكيس يا عمر». فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه: استأذن لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى عمر فأخبره، ففزع ثم صعد عمر المنبر فقال للناس: أنشدكم الله الذي هداكم للإسلام هل رأيتم مني شيئا تكرهونه؟ فقالوا: اللهم لا، وعم ذاك؟ فأخبرهم بقول المزني ـ وهو بلال بن الحـٰـرث – ففطنوا ولم يفطن، فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا، فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال: اللهم عجزت عنا أنصارنا وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اسقنا وأحي العباد والبلاد.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر، حدثنا إبراهيم بن على الذهلي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: «إيت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم مسقون وقل له: عليك بالكيس الكيس»، فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: «يا رب ما ءالو إلا ما عجزت عنه». هذا إسناد صحيح». اهـ. وهذا إقرار بصحة هذا الحديث من الحافظ ابن كثير.

ومنكرو التوسل أتباع ابن تيمية يقولون لماذا تجعلون واسطة بقولكم: اللهم إني أسألك بعبدك فلان؟ الله لا يحتاج إلى واسطة، يقال لهم: الواسطة قد تأتي بمعنى المعين والمساعد وهو محال بالنسبة إلى الله تعالى، أما الواسطة بمعنى السبب فالشرع والعقل لا ينفيانه، فالله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، جعل الأدوية أسبابا للشفاء، وهو خالق الأدوية وخالق الشفاء بها، كذلك جعل الله تعالى التوسل بالأنبياء والأولياء سببا لنفع المتوسلين، ولولا أن التوسل سبب من أسباب الانتفاع ما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعمى التوسل به، ثم الله تعالى هو خالق التوسل وخالق النفع الذي يحصل به بإذن الله، فالتوسل بالأنبياء والأولياء من باب الأخذ بالأسباب، لأن الأسباب إما ضرورية كالأكل والشرب، وإما غير ضرورية كالتوسل، وكل من جملة الأسباب. والمؤمن الذي يتوسل بالأنبياء والأولياء لا يعتقد أن كونهم وسطاء بينه وبين الله بمعنى أن الله يستعين بهم في إيصال النفع للمتوسل أو أنه لا يستقل بذلك، بل يراهم أسبابا جعلها الله لحصول النفع بإذنه.

ثم إن مقصود المتوسل قد يحصل وقد لا يحصل كما أن الذي يتداوى بالأدوية قد يحصل له الشفاء بها وقد لا يحصل، كذلك زيارة قبور الأنبياء والأولياء للتبرك رجاء إجابة الدعاء عندها جعلها الله سببا لحصول المنفعة، وذلك معلوم بين المسلمين عوامهم وخواصهم، ما كان ينكره أحد قبل ابن تيمية، ومن ذلك قصة الصحابي الذي زار قبر النبي عام الرمادة، وقد مر ذكرها قبل قليل وثبوت صحتها كما قال الحافظ البيهقي وابن كثير.

 فقول هؤلاء المنكرين لم تجعلون وسائط بينكم وبين الله، ولم لا تطلبون حاجاتكم من الله من غير واسطة، كلام لا معنى له، لأن الشرع رخص للمؤمن بين أن يطلب من الله حاجته بدون توسل وبين أن يطلب حاجته مع التوسل، فالذي يقول: اللهم إني أسألك بنبيك، أو: بجاه نبيك، أو نحو ذلك، فقد سأل الله، كما أن الذي يقول: اللهم إني أسألك كذا وكذا قد سأل الله، فكلا الأمرين سؤال من العبد ربه، وكلاهما داخل تحت حديث: «إذا سألت فاسأل الله».

فالأمر ليس كما تزعمون أيها التيميون، وكل ما يحصل منكم منذ أن نشر ابن تيمية في الناس هذا الاعتقاد الفاسد فيما يتعلق بالتوسل وزيارة القبور للتبرك من تضليل وتكفير فوباله عليكم وعلى إمامكم، لأن ذلك داخل تحت حديث: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده».

هذا وقد صرح ابن تيمية في غير موضع بأن قصد القبر للدعاء عنده بدعة قبيحة. قال البهوتي صاحب كشاف القناع([80]) نقلا عن صاحب الفروع ما نصه: «وقال شيخنا – يعني ابن تيمية -: قصده – يعني القبر – للدعاء عنده رجاء الإجابة بدعة لا قربة باتفاق الأئمة». اهـ. وصاحب الفروع هو شمس الدين بن مفلح الحنبلي وهو من تلامذة ابن تيمية، وقال في موضع ءاخر في كشاف القناع: «قال الشيخ – يعني ابن تيمية -: ويحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقا، ثم قال: واتفقوا على أنه لا يقبله ولا يتمسح به، فإنه من الشرك، وقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر». اهـ. هذه عبارته التي نقلها عنه البهوتي، وفي طي هذا الكلام تكفير أبي أيوب الأنصاري الذي ثبت أنه وضع جبهته على قبر الرسول، فرءاه مروان بن الحكم فأخذ برقبته فالتفت إليه أبو أيوب فمضى مروان، فقال أبو أيوب: إني لم ءات الحجر وإنما أتيت رسول الله، إني سمعت رسول الله يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله». رواه الحاكم في المستدرك وصححه([81]) ووافقه الذهبي على تصحيحه. فإذا كان وضع الوجه على القبر من أبي أيوب لم يستنكره أحد من الصحابة، فماذا يقول ابن تيمية؟ هل يكفر أبا أيوب أم ماذا يفعل؟ ثم ماذا يفعل بنص الإمام أحمد الذي نقله عنه ابنه عبد الله في كتابه العلل ومعرفة الرجال([82]) قال: «سألته – يعني سأل أباه الإمام أحمد – عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز فقال: لا بأس بذلك». اهـ.

قال البهوتي([83]): «ولا بأس بلمسه – أي القبر – باليد وأما التمسح به والصلاة عنده أو قصده لأجل الدعاء عنده معتقدا أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره، أو النذر له أو نحو ذلك، فقال الشيخ -يعني ابن تيمية – فليس هذا من دين المسلمين بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك، قال – يعني: ابن تيمية – في الاختيارات: اتفق السلف والأئمة على أن من سلم على النبي أو غيره من الأنبياء والصالحين فإنه لا يتمسح بالقبر ولا يقبله، بل اتفقوا على أنه لا يستلم ولا يقبل إلا الحجر الأسود، والركن اليماني يستلم ولا يقبل على الصحيح. ثم قال البهوتي ردا على ابن تيمية: قلت: بل قال إبراهيم الحربي: يستحب تقبيل حجرة النبي». اهـ. والبهوتي حنبلي لكنه لما علم أن كلام ابن تيمية غير صحيح رده عليه، فأبطل بذلك دعواه اتفاق السلف على منع تقبيل القبر، وهو لم يدرك ابن تيمية، وقد توفي البهوتي بعد الألف.

قال صاحب غاية المنتهى الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي([84]) ما نصه: «ولا بأس بلمس قبر بيد لا سيما من ترجى بركته». اهـ.

وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف([85]) ما نصه: «يجوز لمس القبر من غير كراهة، قدمه في الرعايتين والفروع، وعنه يكره، وأطلقهما في الحاويين والفائق وابن تميم، وعنه يستحب قال أبو الحسين في تمامه: وهي أصح». اهـ. فبهذا تبين أن ابن تيمية شذ عن الإمام أحمد الذي كان ينتسب إليه وأهل مذهبه الذين قبله كما شذ عن سائر أئمة المسلمين.

وقال السمهودي في وفاء الوفا([86]) ما نصه: «لما قدم بلال رضي الله عنه من الشام لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم أتى القبر فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، وإسناده جيد كما سبق. وفي تحفة ابن عساكر من طريق طاهر بن يحيى الحسيني قال: حدثني أبي عن جدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على رضي الله عنه قال: لما رمس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها فوقفت على قبره صلى الله عليه وسلم وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعت على عينها وبكت، وأنشأت تقول:

ماذا على من شم تربة أحمد
صبت علي مصائب لو أنها

 

أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت على الأيام عدن لياليا

ذكر الخطيب بن حملة أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يضع يده اليمنى على القبر الشريف، وأن بلالا رضي الله عنه وضع خديه عليه أيضا، ثم قال: ورأيت في كتاب السؤالات لعبد الله ابن الإمام أحمد وذكر ما تقدم عن ابن جماعة نقله عنه، ثم قال: ولا شك أن الاستغراق في المحبة يحمل على الإذن في ذلك.

وقال الحافظ ابن حجر: «استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر الأسود جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من ءادمي وغيره، فأما تقبيل يد الآدمي فسبق في الأدب، وأما غيره فنقل عن أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبره فلم ير به بأسا، واستبعد بعض أتباعه صحته عنه ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين، ونقل الطيب الناشري عن المحب الطبري أنه يجوز تقبيل القبر ومسه قال: وعليه عمل العلماء الصالحين» اهـ. كلام السمهودي.

وفي عمدة القاري بشرح صحيح البخاري للعيني([87]) ما نصه: «وقال – يعني شيخه زين الدين – أيضا: وأخبرني الحافظ أبو سعيد بن العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتقبيل منبره فقال: لا بأس بذلك، قال فأريناه للشيخ تقي الدين بن تيمية فصار يتعجب من ذلك ويقول عجبت أحمد عندي جليل يقوله([88])؟ هذا كلامه أو معنى كلامه، وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة وكيف بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقال المحب الطبري: ويمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز تقبيل ما في تقبيله تعظيم الله تعالى فإنه إن لم يرد فيه خبر بالندب لم يرد بالكراهة، قال: وقد رأيت في بعض تعاليق جدي محمد بن أبي بكر عن الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الصيف أن بعضهم كان إذا رأى المصاحف قبلها وإذا رأى أجزاء الحديث قبلها وإذا رأى قبور الصالحين قبلها، قال: ولا يبعد هذا والله أعلم في كل ما فيه تعظيم لله تعالى». اهـ.

وفي مصنف ابن أبي شيبة([89]): «حدثنا أبو بكر – يعني ابن أبي شيبة – قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثني أبو مودودة قال: حدثني يزيد بن عبد الملك ابن قسيط قال: رأيت نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمانة المنبر([90]) القرعاء([91]) فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيدا يفعل ذلك». اهـ.

وفي كتاب سؤالات عبد الله بن أحمد بن حنبل لأحمد([92]) قال: «سألت أبي عن مس الرجل رمانة المنبر يقصد التبرك، وكذلك عن مس القبر»، فقال: «لا بأس بذلك». وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال ما نصه([93]): «سألته عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز فقال: لا بأس بذلك».

قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم([94]): «فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ويده». اهـ.

وفي «مناقب الإمام أحمد»([95]) لابن الجوزي: «عن أبي طالب علي بن أحمد: قال: «دخلت يوما على أبي عبد الله وهو يملي علي وأنا أكتب، فاندق قلمي فأخذ قلما فأعطانيه، فجئت بالقلم إلى أبي علي الجعفري فقلت: هذا قلم أبي عبد الله أعطانيه، فقال لغلامه: خذ القلم فضعه في النخلة عسى تحمل، فوضعه في النخلة فحملت النخلة».

وفيه أيضا([96]): عن فاطمة بنت أحمد بن حنبل قالت: «وقع الحريق في بيت أخي صالح، وكان قد تزوج إلى قوم مياسير، فحملوا إليه جهازا شبيها بأربعة ءالاف دينار، فأكلته النار، فجعل صالح يقول يا غمتي ما ذهب مني إلا ثوب لأبي كان يصلي فيه أتبرك به وأصلي فيه».

وفيه أيضا([97]): «عن عبد الله بن موسى قال: خرجت أنا وأبي في ليلة مظلمة نزور أحمد، فاشتدت الظلمة فقال أبي: يا بني تعال حتى نتوسل إلى الله تعالى بهذا العبد الصالح حتى يضيء لنا الطريق، فإني منذ ثلاثين سنة ما توسلت به إلا قضيت حاجتي، فدعا أبي وأمنت على دعائه، فأضاءت السماء كأنها ليلة مقمرة حتى وصلنا إليه». اهـ.

فماذا تقول الوهابية بعد هذا، هل توافق زعيمها الأول أم لا تتبعه، فيا لها من فضيحة عليهم.

التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم

اعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبركون بآثار النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، ولا زال المسلمون بعدهم إلى يومنا هذا على ذلك، وجواز هذا الأمر يعرف من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قسم شعره حين حلق في حجة الوداع وأظفاره.

أما اقتسام الشعر فأخرجه البخاري([98]) ومسلم([99]) من حديث أنس وأحمد([100]) من حديث عبد الله بن زيد، ففي لفظ مسلم عنه قال: لما رمى صلى الله عليه وسلم الجمرة ونحر نسكه وحلق، ناول الحالق شقه الأيمن فحلق، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه، ثم ناوله الشق الأيسر فقال: «احلق»، فحلق فأعطاه أبا طلحة فقال: «اقسمه بين الناس».

وفي رواية: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس ثم قال بالأيسر – أي فعل – فصنع مثل ذلك، ثم قال: «هـهنا أبو طلحة»، فدفعه إلى أبي طلحة.

وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام قال للحلاق: «ها» وأشار بيده إلى الجانب الأيمن فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه فأعطاه أم سليم. اهـ.

فمعنى الحديث أنه وزع بنفسه بعضا بين الناس الذين يلونه، وأعطى بعضا لأبي طلحة ليوزعه في سائرهم، وأعطى بعضا أم سليم. ففيه التبرك بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الشعر لا يؤكل إنما يستعمل في غير الأكل، فأرشد الرسول أمته إلى التبرك بآثاره كلها حتى بصاقه، وكان أحدهم أخذ شعرة والآخر أخذ شعرتين، وما قسمه إلا ليتبركوا به فكانوا يتبركون به في حياته وبعد وفاته، حتى إنهم كانوا يغمسونه في الماء فيسقون هذا الماء بعض المرضى تبركا بأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث في البخاري([101]) ومسلم([102]) وأبي داود([103]). وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم بصق في في الطفل المعتوه، وكان يعتريه الشيطان كل يوم مرتين وقال: «اخرج عدو الله أنا رسول الله» رواه الحاكم([104]).

فقسم صلى الله عليه وسلم شعره ليتبركوا به، وليستشفعوا إلى الله بما هو منه، ويتقربوا بذلك إليه، وليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم، ثم تبع الصحابة في خطتهم في التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم من أسعده الله، وتوارد ذلك الخلف عن السلف. فلو كان التبرك به في حال الحياة فقط لبين ذلك.

وخالد بن الوليد رضي الله عنه كانت له قلنسوة وضع في طيها شعرا من ناصية رسول الله أي مقدم رأسه لما حلق في عمرة الجعرانة، وهي أرض بعد مكة إلى جهة الطائف، فكان يلبسها يتبرك بها في غزواته. روى ذلك الحافظ ابن حجر في المطالب العالية([105]) عن خالد بن الوليد أنه قال: «اعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة اعتمرها فحلق شعره، فسبقت إلى الناصية، فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدمة القلنسوة، فما وجهت في وجه إلا فتح لي». اهـ. وعزاه الحافظ لأبي يعلى.

وقال ابن كثير في البداية والنهاية عند ذكره محنة الإمام أحمد ما نصه([106]): «قال أحمد: فعند ذلك قال – يعني المعتصم – لي: لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه. قال أحمد: فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعاقبين والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مصرورة في ثوبي، فجردوني منه وصرت بين العقابين». اهـ.

وأما الأظفار فأخرج الإمام أحمد في مسنده([107]) أن النبي صلى الله عليه وسلم قلم أظفاره وقسمها بين الناس.

أما جبته صلى الله عليه وسلم فقد أخرج مسلم في الصحيح([108]) عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء بنت أبي بكر قال: «أخرجت إلينا جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين([109]) بالديباج، وقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها». وفي رواية: «نغسلها للمريض منا».

وعن حنظلة بن حذيم قال: وفدت مع جدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي بنين ذوي لحى وغيرهم هذا أصغرهم، فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح رأسي وقال: «بارك الله فيك»، قال الذيال: فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالرجل الوارم وجهه أو الشاة الوارم ضرعها فيقول: «بسم الله على موضع كف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمسحه فيذهب الورم». رواه الطبراني في الأوسط والكبير وأحمد في المسند([110])، وقال الحافظ الهيثمي([111]): «ورجال أحمد ثقات». اهـ.

وعن ثابت قال: كنت إذا أتيت أنسا يخبر بمكاني فأدخل عليه فآخذ بيديه فأقبلهما وأقول: بأبي هاتان اليدان اللتان مستا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عينيه وأقول: بأبي هاتان العينان اللتان رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو يعلى([112]).

وهذا سيدنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي هو أحد مشاهير الصحابة والذي هو أول من نزل الرسول عنده لما هاجر من مكة إلى المدينة، جاء ذات يوم إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع وجهه على قبر النبي تبركا وشوقا، روى ذلك الإمام أحمد عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه أبو أيوب فقال: نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ءات الحجر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله» رواه أحمد([113]) والطبراني في الكبير([114]) والأوسط([115]). وعن حليمة بنت أميمة، عن أمها قالت: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره، فقام فطلبه فلم يجده فسأل: «أين القدح»؟ قالوا: شربته سرة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فقد احتظرت من النار بحظار» رواه الطبراني([116]) ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وحكيمة وهما ثقتان.

وأخرج البخاري([117]) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاءت امرأة ببردة، قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها قالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال رجل من القوم: يا رسول الله أكسنيها، فقال: «نعم»، فجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه لقد علمت أنه لا يرد سائلا، فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه.

وأخرج([118]) أيضا في صحيحه عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم ورأيت بلالا أخذ وضوء النبي صلى الله عليه وسلم والناس يبتدرون الوضوء فمن أصاب منه شيئا تمسح به ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه.

وروى ابن الجوزي في مناقب أحمد([119]) بالإسناد المتصل إلى عبد الله ابن أحمد بن حنبل قال: «رأيت أبي – يعني أحمد بن حنبل – يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه ويقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه، ويغمسها في الماء ثم يشربه يستشفي به، ورأيته قد أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها…». اهـ.

وروى ابن حبان في صحيحه([120]) تحت باب: «ذكر إباحة التبرك بوضوء الصالحين من أهل العلم إذا كانوا متبعين لسنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، عن ابن أبي جحيفة، عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء ورأيت بلالا أخرج وضوءه فرأيت الناس يبتدرون وضوءه يتمسحون». اهـ.

وفي كتاب السير للذهبي([121]) ما نصه: «قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبلها. وأحسب أني رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به. ورأيته أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها، ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به، ويمسح به يديه ووجهه. قلت: أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويمس الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك بأسا. أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع». اهـ.

وفي شرح الإحياء للحافظ الزبيدي([122]) ما نصه: «قال محمود بن محمد حدثنا الميمون حدثنا سريج بن يونس حدثنا إسمـعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي قال: حضرت عائشة رضي الله عنها فقالت: إني قد أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثا ولا أدري ما حالي عنده فلا تدفنوني معه، فإني أكره أن أجاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أدري ما حالي عنده، ثم دعت بخرقة من قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ضعوا هذه على صدري وادفنوها معي لعلي أنجو بها من عذاب القبر». اهـ. وفي البداية والنهاية لابن كثير([123]) ما نصه: «قال أحمد: فعند ذلك قال لي – يعني قال له المعتصم حين طالبه بالقول بخلق القرءان فامتنع أحمد -: لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه، قال أحمد: فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعاقبين والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مصرورة في ثوبي، فجردوني منه وصرت بين العقابين». اهـ.

قال صلاح الدين الصفدي ما نصه([124]): «وحبسه المعتصم عنده – أي للإمام أحمد – ثم ناظروه ثاني يوم وجرى ما جرى في اليوم الأول وضجروا وقاموا، فلما كان في اليوم الثالث أخرجوه فإذا الدار غاصة وقوم معهم السيوف وقوم معهم السياط وغير ذلك فأقعده المعتصم وقال: ناظروه، فلما ضجروا وطال الأمر قربه المعتصم وقال له ما قال في اليوم الأول، فرد عليه أيضا كذلك، فقال عليك وذكر اللعن، ثم قال: خذوه واسحبوه وخلعوه، فسحب ثم خلع وسعى بعضهم إلى القميص ليخرقه فنهاه المعتصم فنزعه، قال أحمد بن حنبل: فظننت أنه إنما ذرئ عن القميص لئلا يخرق ما كان في كمي من الشعر الذي وصل إلي من شعر النبي صلى الله عليه وسلم». اهـ.

وفي كشف الأستار عن زوائد البزار([125]) ما نصه: «باب دفن الآثار الصالحة مع الميت: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن محمد، ثنا مخول بن إبراهيم، ثنا إسرائيل عن عاصم عن محمد بن سيرين، عن أنس أنه كانت عنده عصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمات فدفنت معه بين جنبه وقميصه. قال الحافظ الزبيدي في الإتحاف([126]) ما نصه: «ويروى أن ءاخر خطبة خطبها معاوية إذ قال: أيها الناس إني من زرع قد استحصد وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد من بعدي إلا وهو شر مني كما كان من قبلي خيرا مني، ويا يزيد – يعني ولده – إذا وفى أجلي فول غسلي رجلا لبيبا فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد -أي اقصد- إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب النبي صلى الله عليه وسلم وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعيني، واجعل الثوب على جلدي دون أكفاني». اهـ.

هذا وقد صرح بعض الحنابلة كأبي الفرج بن الجوزي وشيخه ابن عقيل بأنه يكره قصد القبور للدعاء، لكنهما لم يحرما، ولم يحرم أحد من السلف ولا الخلف ذلك، إنما الذي ورد عن بعض العلماء هو الكراهة وليس التحريم. أما ابن تيمية فقد طغى قلمه فزاغ عن الصواب إلى تكفير المسلمين بذلك. ومن تتبع تراجم المحدثين والعلماء يجد الكثير منها فيه أن فلانا من المحدثين أو الصالحين دفن ببلد كذا وأنه يزار قبره وتستجاب الدعوة عنده، ومن ذلك ما ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحافظ عبد الغافر بن إسمـعيل الفارسي، يقول ابن عساكر: «ودفن بنيسابور وقبره يزار وتجاب الدعوة عنده». وقد تقدم أن إبراهيم الحربي قال: «وقبر معروف الترياق المجرب».

وذكر المحدث الحافظ شيخ القراء شمس الدين بن الجزري في كتابه الحصن الحصين ومختصره عدة الحصن الحصين أن من مواضع إجابة الدعاء قبور الصالحين، وهو بعد ابن تيمية من أقران الحافظ ابن حجر العسقلاني.

قال الحافظ ولي الدين العراقي في حديث: «أن موسى قال: رب ادنني من الأرض المقدسة رمية بحجر»، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر»([127]) ما نصه([128]): «فيه استحباب معرفة قبور الصالحين لزيارتها والقيام بحقها، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لقبر السيد موسى عليه السلام علامة هي موجودة في قبر مشهور عند الناس اليوم بأنه قبره، والظاهر أن الموضع المذكور هو الذي أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقد دل على ذلك حكايات ومنامات، وقال الحافظ الضياء: حدثني الشيخ سالم التل، قال: ما رأيت استجابة الدعاء أسرع منها عند هذا القبر، وأنه نام فرأى في منامه قبة عنده وفيها شخص أسمر فسلم عليه وقال له: أنت موسى كليم الله، أو قال: نبي الله، فقال: نعم، فقلت: قل لي شيئا، فأومأ إلي بأربع أصابع، ووصف طولهن، فانتبهت ولم أدر ما قال، فأخبرت الشيخ ذيالا بذلك فقال: يولد لك أربعة أولاد، فقلت: أنا قد تزوجت امرأة فلم أقربها، فقال: تكون غير هذه، فتزوجت أخرى فولدت لي أربعة أولاد». اهـ.

فأنى لابن تيمية أن يحكم على هذا الأمر المتواتر بين المسلمين خواصهم وعوامهم بأنه شرك، سبحانك هذا بهتان عظيم.

فبهذا يتبين أن ابن تيمية قد نسب رأيه الذي يهواه إلى الأئمة، وادعى الاتفاق على ذلك بغير حجة، فليعلم ذلك من أخذ من الناس بقول ابن تيمية فحكم على من يقصد قبر الرسول وغيره للدعاء عنده بأن زيارة القبر بهذه النية شرك وكفر، فليحذر ذلك وليدع التقليد الأعمى، إنما الأمر ما قاله الحافظ السبكي: «ويستحسن التوسل بالنبي ولم ينكره أحد من السلف ولا من الخلف غير ابن تيمية، فقال ما لم يقله عالم قبله».

وأما احتجاجهم بقطع عمر رضي الله عنه شجرة بيعة الرضوان لتحريمهم التبرك بقبور الأنبياء والصالحين فليس في ذلك دليل لهم، فإنه محمول على أنه تخوف أن يأتي زمان قد يعبد الناس فيه تلك الشجرة، وليس مقصوده تحريم التبرك بآثار الرسول، ولو كان الأمر كما ظنوا ما كان ابنه عبد الله يأتي إلى شجرة سمرة التي كان الرسول ينزل تحتها، فكان عبد الله ينزل تحتها أي تبركا، وكان يسقيها الماء كي لا تيبس – رواه ابن حبان وصححه([129]) – ولا شك أن عبد الله بن عمر أفهم بسيرة أبيه من ابن تيمية وأتباعه.

وروى البخاري في صحيحه([130]) في باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة. وحدثني نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة، وسألت سالما فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء. حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا أنس ابن عياض قال: حدثنا موسى بن عقبة عن نافع أن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط من بطن واد، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية فعرس ثم حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي، فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي كان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب إلى مكة بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك، وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، وقد ابتني ثم مسجد فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد كان يتركه على يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه، وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من ءاخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح، وأن عبد الله حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين، وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كثب كثيرة، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في طرف تلعة من وراء العرج، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة على القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة فيصلي الظهر في ذلك المسجد، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق في مسيل دون هرشى ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى بينه وبين الطريق قريب من غلوة، وكان عبد الله يصلي إلى سرحة هي أقرب السرحات إلى الطريق وهي أطولهن، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الطريق إلا رمية بحجر، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى ويبيت بها حتى يصبح يصلي الصبح حين يقدم مكة ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة ليس في المسجد الذي بني ثم ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة، وأن عبد الله حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة». اهـ. انتهى نص البخاري رحمه الله تعالى. قال الحافظ الزبيدي([131]): «وإنما كان ابن عمر يصلي في هذه المواضع للتبرك». اهـ.

قال الحافظ ابن حجر([132]): «ومحصل ذلك أن ابن عمر كان يتبرك بتلك الأماكن، وتشدده في الاتباع مشهور، ولا يعارض ذلك ما ثبت عن أبيه أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان فسأل عن ذلك فقالوا: قد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا ءاثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا، لأن ذلك من عمر محمول على أنه كره زيارتهم لمثل ذلك بغير صلاة أو خشي أن يشكل ذلك على من لا يعرف حقيقة الأمر فيظنه واجبا، وكلا الأمرين مأمون من ابن عمر، وقد تقدم حديث عتبان وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين». اهـ.

وإننا نتحدى من يتعصب لكلام ابن تيمية على الإتيان بنقل صحيح من إمام من السلف أو الخلف حرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم للتبرك أو التوسل به في حياته أو بعد مماته، ولن يجدوا ذلك، ولهذا خالف ابن كثير شيخه ابن تيمية في مسألة التوسل، وكان يتبعه في مسائل الطلاق فعذب لذلك، فصرح في تفسيره باستحسان التوسل بالنبي بعد موته والاستغاثة به، كما ذكر ذلك في تاريخه البداية والنهاية في ترجمة عمر بن الخطاب.

قال الحافظ ولي الدين العراقي قاضي القضاة في فتاويه ما نصه([133]): «مسألة سئلت عمن يزور الصالحين من الموتى فيقول عند قبر الواحد منهم: يا سيدي فلان أنا مستجير أو متوسل بك أن يحصل لي كذا وكذا، أو أطلب منك أن يحصل لي كذا وكذا، أو يقول: يا رب أسألك بمنزلة هذا الرجل أو بسره أو بعمله أن يفعل لي كذا وكذا، هل هذه العبارات حسنة أو غير حسنة أو بعضها حسن وبعضها قبيح، وما كانت السلف تقول عند زيارة قبور الصالحين، وهل إذا قال الشخص عند قبر الصالح: يا سيدي متى حصل لي كذا وكذا أجىء إليك بكذا وكذا هل يلزم الوفاء به أم لا؟

فأجبت: زيارة الرجال للقبور مندوب إليها، فقبور الصالحين ءاكد في الاستحباب وينبغي الدعاء عندها لأن لتلك البقع فضلا وشرفا بوجود ذلك الصالح فيها، والدعاء في البقاع الشريفة أقرب إلى الإجابة، وقد اشتهر عند أهل بغداد إجابة الدعاء عند قبر معروف الكرخي وانه الترياق المجرب، واشتهر ذلك في قبور كثير من الصالحين، وأيضا فإن الداعي عقب عبادة وهو زيارته ذلك القبر وعقب قراءة إن كان قد قرأ شيئا من القرءان كما هو الغالب وذلك أقرب إلى الإجابة، ولا امتناع في التوسل بالصالحين فإنه ورد التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولصلحاء أمته حظ مما لم يعد من خصائصه أمته لمن شاء منهم، وهي بركة نمت عليهم، وقد توسل عمر بالعباس رضي الله عنهما. ولا يمنع من ذلك موت ذلك الصالح لأن الموت إنما طرأ على الجسد وأما الروح فحية، وقد ورد ما يدل على اتصالها به في بعض الأحيان كيف يشاؤه الله تعالى. وأما قوله: وأنا أطلب منك أن يحصل لي كذا فأمر منكر، فالطلب إنما هو من الله تعالى والتوسل إليه بالأعمال الصالحة أو بأصحابها أحياء وأمواتا لا ينكر فإن المنح الإلهية لم تنقطع عن الأولياء بموتهم، والذي كانت السلف تقوله عند زيارة القبور ما علمهم إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو «سلام عليكم دار قوم مؤمنين» إلى ءاخره، ولا بأس بالدعاء بغير ذلك. وقوله: متى حصل لي كذا أجئ إليك بكذا إن لم يقترن به لفظ التزام ولا نذر لم يلزم به شيء، وإن اقترن بذلك فإن أراد التصدق على الفقراء المجاورين من… أو عمارة مشهد حيث احتيج لذلك لزم الوفاء به، وإن أراد تمليكه لنفس الميت فهو لاغ لا يجب له شيء والله أعلم». اهـ.

وفي فتاوى شمس الدين الرملي([134]) ما نصه: «سئل عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان، يا رسول الله، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا؟ وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم؟ وماذا يرجح ذلك؟

فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار، وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم». اهـ. قوله: «ويحجون» لم يثبت في السنة. فيعلم مما مر أن مصيبة هؤلاء المكفرين للمتوسلين والمستغيثين بالأنبياء والأولياء بعد موتهم وفي حياتهم في غير حضورهم، سوء فهمهم للآيات والأحاديث التي يستدلون بها على ذلك، ظنوا أن معنى العبادة هو النداء والاستعانة والخوف والرجاء والاستغاثة، فهذه في ظنهم هي العبادة التي من صرفها لغير الله يكون مشركا، وكذلك ظنوا أن من طلب من غير الله ما لم تجر به العادة صار مشركا.

كيف ساغ لهم ذلك وقد ثبت أن الحـرث بن حسان البكري رضي الله عنه قال: «أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد»، الحديث المشهور الذي رواه الإمام أحمد([135]) في مسنده وحسنه الحافظ ابن حجر، وتمامه كما في مسند أحمد عن الحـرث بن يزيد البكري قال: «خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع([136]) بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فهل أنت مبلغي إليه، قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس، قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها([137])، قال: فجلست، قال: فدخل منزله أو قال رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت فقال: هل كان بينكم وبين بني تميم شيء، قال فقلت: نعم، قال: وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت قالت: يا رسول الله فإلى أين تضطر مضرك، قال قلت: إنما مثلي ما قال الأول: معزاء حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: هيه وما وافد عاد وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه، قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه خمرا وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا، قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا، قال ابن وائل: وصدق، قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد». اهـ.

والدليل فيه أن الرسول لم يقل للحـرث أشركت لقولك «ورسوله»، حيث استعذت بي([138]).

وثبت أيضا([139]) أن ابن عباس روى عن النبي أنه قال: «إن لله ملائكة سوى الحفظة سياحين يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله»، حسنه الحافظ ابن حجر في الأمالي مرفوعا، وقال الحافظ الهيثمي: ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقي في الشعب موقوفا.

وروى البيهقي أيضا في الشعب([140]) أن الإمام أحمد قال: «حججت خمس حجج اثنتين راكبا وثلاث ماشيا، أو ثلاث راكبا واثنتين ماشيا، فضللت الطريق في حجة وكنت ماشيا فجعلت أقول: يا عباد الله دلوني على الطريق، قال: فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق». اهـ. فهل يقول منصف ذو لب إن فعل الإمام أحمد هذا ظاهرة شركية لأنه طلب من غير الله تعالى!

فلما ساء فهمهم جعلوا هذه الأشياء عبادة لغير الله لمجرد ألفاظها، فكفروا المسلمين من أجل أمر اتفق السلف والخلف على جوازه، وذلك دليل على أنهم لم يفهموا معنى العبادة الواردة في القرءان على حسب مفهوم اللغة العربية، وقد بينها علماء اللغة بيانا لا يبقى معه لبس، وقد مر تعريفهم للعبادة بأنها غاية التذلل، وكيف حكموا بأن طلب ما لم تجر به العادة شرك وجعلوا ذلك قاعدة وقد طلب بعض الصحابة وهو ربيعة بن كعب الأسلمي من رسول الله أن يكون رفيقه في الجنة، فلم ينكر عليه بل قال له من باب التواضع: «أو غير ذلك»، فقال الصحابي: هو ذاك، فقال له: «فأعني على نفسك بكثرة السجود»، رواه مسلم([141]).

وقد صحح ابن حبان والحاكم والحافظ الهيثمي([142]) أن امرأة من بني إسرائيل سألت موسى أن يعطيها حكمها فقال: ما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في الجنة، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها.

ولفظ الحديث كما في المطالب العالية([143]) عن أبي موسى قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي، فأكرمه فقال له: «ائتنا»، فأتاه فقال: «سل حاجتك»، فقال: ناقة نركبها وأعنز يحلبها أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟» فسألوه فقال: «إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر ضلوا الطريق، فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا: عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها، فأتته، فقال: دلوني على قبر يوسف، قالت: حتى تعطيني حكمي، قال: ما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت: أنضبوا هذا الماء، فأنضبوه قالت: احتفروا، فحفروا واستخرجوا عظام يوسف، فلما أقلوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار» (لأبي يعلى) ([144])». اهـ.

ولا ينافي هذا حياة الأنبياء في قبورهم، لأن هذا من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل وهو من أنواع المجاز المشهورة كما قال ابن قيس الرقيات في طلحة الطلحات قال:

رحم الله أعظما دفنوها

 

بسجستان طلحة الطلحات

بسجستان طلحة الطلحات([145]) ومعلوم أن ابن قيس لا يقصد أنهم دفنوا الأعظم المتجرد عن الجلد واللحم، ومن الشائع المشهور عند العرب قولهم وجه فلان وجه خير وهم يقصدون بالوجه ذاته، فتبين أن ذكر العظام في قصة يوسف المراد به جملة الجسد فلا ينافي معناه حديث: «الأنبياء أحياء في قبورهم».

وإنما يكون شركا طلب ما انفرد به الله تعالى كطلب خلق شيء أي إحداثه من العدم، وطلب مغفرة الذنوب، قال تعالى: {هل من خالق غير الله} [فاطر: 3] وقال: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [ءال عمران]. وقد قال جبريل لمريم: {لأهب لك غلاما زكيا} [مريم: 19] فواهب الغلام الذي هو عيسى لمريم في الحقيقة هو الله، ولكن الله جعل جبريل سببا، فأضاف جبريل هذه الهبة إلى نفسه. وقصة جبريل هذه يعلم منها عظم شطط هؤلاء في تكفير المتوسلين والمستغيثين لمجرد قول أحدهم: يا رسول الله ضاقت حيلتي أغثني يا رسول الله، وما شابه ذلك من العبارات التي يطلقونها ولا يعنون بها أن رسول الله يخلق أو أنه يستحق العبادة التي هي غاية التذلل، بل يعنون أنه سبب لنيل المقصود والبركة من الله، ولا يفهمون من الواسطة إلا معنى السببية، وإن أطلق بعضهم في ذلك لفظ الواسطة فهذا ما يعنونه. وقد أجرى الله العادة بربط المسببات بالأسباب، فالله تبارك وتعالى كان قادرا على أن يعطي مريم ذلك الغلام الزكي من دون أن يكون لجبريل سببية في ذلك.

فكيف يسوغ تكفير المسلم لمجرد أنه قال: إن النبي والولي واسطة بمعنى السبب، إنما الشرك هو إثبات الواسطة بمعنى أن شيئا يعين الله أو أن الله سبحانه لا يستطيع أن يحصل ذاك الشيء استقلالا إلا بواسطة النبي أو الولي، فهذا هو الشرك لو كانوا يفهمون.

فائدة: فيها تأكيد ما سبق ذكره أن علماء المسلمين كانوا يرون التوسل والاستغاثة بالنبي بعد موته أمرا جائزا لا بأس به:

ذكر الحافظ عبد الرحمٰـن بن الجوزي في كتاب «الوفا بأحوال المصطفى»([146]) – وذكره الحافظ الضياء المقدسي – ما نصه: «عن أبي بكر الـمنقري قال: كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في حرم رسول الله وكنا على حالة فأثر فينا الجوع وواصلنا ذلك اليوم – أي ما أكلنا -، فلما كان وقت العشاء حضرت قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت: يا رسول الله الجوع الجوع، وانصرفت. فقال لي أبو القاسم: اجلس فإما أن يكون الرزق أو الموت. قال أبو بكر: فقمت أنا وأبو الشيخ والطبراني جالس ينظر في شيء، فحضر بالباب علوي([147]) فدق ففتحنا له فإذا معه غلامان مع كل واحد زنبيل([148]) فيه شيء كثير فجلسنا وأكلنا وظننا أن الباقي يأخذه الغلام، فولى وترك عندنا الباقي، فلما فرغنا من الطعام قال العلوي: يا قوم أشكوتم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأمرني أن أحمل بشيء إليكم». اهـ.

ففي هذه القصة أن هؤلاء الأكابر رأوا الاستغاثة بالرسول أمرا جائزا حسنا ثم نقلها عدد من العلماء في مؤلفاتهم منهم الحنابلة وغيرهم، فهؤلاء في نظر المسلمين موحدون بل من أجلاء الموحدين، وأما في نظر نفاة التوسل الذين اتبعوا ابن تيمية قد أشركوا، لأن من استحسن الشرك يكفر، فما جواب هؤلاء عن أمثال هذه الحادثة التي لو تتبعت وجمعت لجاءت مجلدا واسعا، فليعدوا جوابا إذا سئلوا يوم العرض. ومن ذلك ما أورده الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وهو الذي قيل فيه: إن المؤلفين في كتب الحديث دراية عيال على كتبه، قال ما نصه([149]): «أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الإستراباذي، قال: أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي قال: سمعت الحسن بن إبراهيم أبا على الخلال يقول: ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب».

ثم قال([150]): «أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري قال: أنبأنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا على الصفار يقول: سمعت إبراهيم الحربي يقول: قبر معروف الترياق المجرب – أي أنه يقصد للدعاء عنده فتقضى الحاجات -.

أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي قال: أنبأنا أبو الفضل عبيد الله ابن عبد الرحمٰـن بن محمد الزهري قال: سمعت أبي يقول: قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج، ويقال: إنه من قرأ عنده مائة مرة {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} [سورة الإخلاص} وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته.

حدثنا أبو عبد الله محمد بن على بن عبد الله الصوري قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع يقول: سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة، ما قصده مهموم إلا فرج الله همه.

أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن على بن محمد الصيمري قال: أنبأنا عمر بن إبراهيم المقري قال: نبأنا مكرم بن أحمد قال: نبأنا عمر بن إسحـق بن إبراهيم قال: نبأنا على بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم – يعني: زائرا – فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى.

ومقبرة باب البردان فيها أيضا جماعة من أهل الفضل، وعند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبر يعرف بقبر النذور، ويقال: إن المدفون فيه رجل من ولد على بن أبي طالب رضي الله عنه يتبرك الناس بزيارته، ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته.

حدثني القاضي أبو القاسم على بن المحسن التنوخي قال: حدثني أبي قال: كنت جالسا بحضرة عضد الدولة ونحن مخيمون بالقرب من مصلى الأعياد في الجانب الشرقي من مدينة السلام نريد الخروج معه إلى همذان في أول يوم نزل المعسكر، فوقع طرفه على البناء الذي على قبر النذور فقال لي: ما هذا البناء؟ فقلت: هذا مشهد النذور، ولم أقل قبر لعلمي بطيرته من دون هذا، واستحسن اللفظة وقال: قد علمت أنه قبر النذور، وإنما أردت شرح أمره، فقلت: هذا يقال إنه قبر عبيد الله بن

 محمد بن عمر بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب، ويقال: إنه قبر عبيد الله ابن محمد بن عمر بن على بن أبي طالب، وإن بعض الخلفاء أراد قتله خفيا، فجعلت له هناك زبية وسير عليها وهو لا يعلم، فوقع فيها وهيل عليه التراب حيا، وإنما شهر بقبر النذور لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلا صح وبلغ الناذر ما يريد ولزمه الوفاء بالنذر، وأنا أحد من نذر له مرارا لا أحصيها كثرة نذورا على أمور متعذرة، فبلغتها ولزمني النذر فوفيت به، فلم يتقبل هذا القول وتكلم بما دل أن هذا إنما يقع منه اليسير اتفاقا، فيتسوق العوام بأضعافه، ويسيرون الأحاديث الباطلة فيه، فأمسكت، فلما كان بعد أيام يسيرة ونحن معسكرون في موضعنا استدعاني في غدوة يوم وقال: اركب معي إلى مشهد النذور، فركبت وركب في نفر من حاشيته إلى أن جئت به إلى الموضع، فدخله وزار القبر وصلى عنده ركعتين سجد بعدهما سجدة أطال فيها المناجاة بما لم يسمعه أحد، ثم ركبنا معه إلى خيمته وأقمنا أياما، ثم رحل ورحلنا معه يريد همذان، فبلغناها وأقمنا فيها معه شهورا، فلما كان بعد ذلك استدعاني وقال لي: ألست تذكر ما حدثتني به في أمر مشهد النذور ببغداد، فقلت: بلى، فقال:

إني خاطبتك في معناه بدون ما كان في نفسي اعتمادا لإحسان عشرتك، والذي كان في نفسي في الحقيقة أن جميع ما يقال فيه كذب، فلما كان بعد ذلك بمديدة طرقني أمر خشيت أن يقع ويتم، وأعملت فكري في الاحتيال لزواله ولو بجميع ما في بيوت أموالي وسائر عساكري، فلم أجد لذلك فيه مذهبا، فذكرت ما أخبرتني به في النذر لمقبرة النذور، فقلت: لم لا أجرب ذلك، فنذرت إن كفاني الله تعالى ذلك الأمر أن أحمل إلى صندوق هذا المشهد عشرة ءالاف درهم صحاحا، فلما كان اليوم جاءتني الأخبار بكفايتي ذلك الأمر، فتقدمت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف – يعني: كاتبه – أن يكتب إلى أبي الريان وكان خليفته ببغداد يحملها إلى المشهد، ثم التفت إلى عبد العزيز وكان حاضرا، فقال له عبد العزيز: قد كتبت بذلك ونفذ الكتاب». اهـ.

وليعلم أننا لا نقول بتصحيح ما يكون من النذور لقبور الأولياء والمشايخ على اعتقاد أن تلك الأماكن لها خصوصية في جلب منفعة أو دفع مضرة من غير أن يكون القصد التقرب إلى الله بالتصدق عن أصحابها ليقضي الله لهم حاجاتهم، بل نقول كما قال الأذرعي رحمه الله: إن كثيرا من نذور العوام للمشاهد باطلة محرمة لأنهم يقصدون أن تلك الأماكن بخصوصية لها تجلب المنافع وتدفع المضار. والله سبحانه وتعالى أعلم.

وقال نور الدين على القاري في شرح المشكاة ما نصه: «قال شيخ مشايخنا علامة العلماء المتبحرين شمس الدين الجزري في مقدمة شرحه للمصابيح المسمى بتصحيح المصابيح: إني زرت قبره بنيسابور «يعني مسلم بن الحجاج القشيري» وقرأت بعض صحيحه على سبيل التيمن والتبرك عند قبره، ورأيت ءاثار البركة ورجاء الإجابة في تربته». اهـ.

هذا وغيره مما نقل عن حفاظ المحدثين من التوسل بالنبي بعد وفاته يدل على أنهم كانوا لا يعبئون بإنكار ابن تيمية التوسل بالنبي، وأنه شذ عن علماء الأمة المحدثين والفقهاء ممن كانوا قبله وممن عاصروه، فأما من عاصره فمنهم المحدث الحافظ تقي الدين السبكي وغيره، وأما من قبل ابن تيمية فالحافظ عبد الغافر الفارسي والحافظ الخطيب البغدادي الذي ذكر المحدثون في كتب المصطلح التنويه به وعد أحد المشاهير البارزين في الحديث، ولم يسبق ابن تيمية بذلك من المحدثين أحد حتى من المجسمة أمثاله، فلا سند له فيما ارتكبه، وكذلك من جاؤوا بعده من الحفاظ كالحافظ محمد مرتضى الزبيدي، فعلى قوله وقول أتباعه أتباع محمد بن عبد الوهاب يلزم أن يكون جمهور الأمة الذين هم مئات الملايين على ضلال ويكون هو والشرذمة التي اتبعته على هدى، وقد ثبت أن جمهور الأمة لا يضلون، دل على ذلك حديث أبي داود([151]) في افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة حيث قال: «ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» أي الجمهور، فمما لا شك فيه أن بعض الأمة ضلوا وهؤلاء البعض لو تعددت أسامي فرقهم إلى هذا العدد الاثنتين والسبعين فهم شرذمة بالنسبة للذين هم محفوظون من الضلال في العقيدة، وهذا الذي عناه الرسول لم يعن كثرة التقصير في الأعمال والانغمار في الغفلة، وقد صح موقوفا على أبي مسعود الصحابي الجليل: «إن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة». اهـ. صححه الحافظ ابن حجر في الأمالي. وفي عصرنا هذا مئات الملايين من المسلمين أشاعرة وإن كان يوجد فيهم اليوم جزء قليل من الماتريدية، والأشاعرة والماتريدية فرقة واحدة باعتبار أصول العقيدة ولا خلاف بينهم يؤدي إلى التضليل والتبديع، فعلماء الأمة في كل النواحي في المشرق والمغرب أشاعرة، هذا الحاصل في مصر والشام والعراق واليمن والمغرب والجزائر وتونس وتركيا وأندونيسيا والباكستان والهند وأهل أفريقيا السوداء ودول جنوب أفريقيا، وأما المشبهة والوهابية الذين جمعوا بين التشبيه والبدعة التي نشرها ابن تيمية بدعة تكفير زوار القبور للتبرك والتكفير الذي يصدر من بعضهم للمتوسلين والمستغيثين بالرسول وغيره من أصفياء الله فليس عددهم بالنسبة لمخالفيهم إلا كنسبة الوشل([152]) إلى البحر، فيا سخافة عقول الذين يعتقدون أن جمهور علماء الأمة وأتباعهم منذ أربعة عشر قرنا كانوا على ضلال، وقد صرح بعض هؤلاء بهذه المقالة الشنيعة: إن الناس فارقوا التوحيد منذ ستمائة سنة، كما نقل ذلك الشيخ أحمد زيني دحلان مفتي مكة في أواخر الدولة العثمانية كما تقدم.

وفي كتاب المعيار لأبي العباس أحمد بن يحيى الوانشريسي المالكي ما نصه([153]): «وسئل بعض القرويين عمن نذر زيارة قبر رجل صالح أو حي فأجاب: يلزمه ما نذر وإن أعمل فيه المطي. قال ابن عبد البر: كل عبادة أو زيارة أو رباط أو غير ذلك من الطاعة غير الصلاة فيلزمه الإتيان إليه، وحديث: «لا تعمل المطي»([154]) مخصوص بالصلاة، وأما زيارة الأحياء من الإخوان والمشيخة ونذر ذلك والرباط ونحوه فلا خلاف في ذلك، والسنة تهدي إليه من زيارة الأخ في الله والرباط في الأماكن التي يرابط بها. وتوقف بعض الناس في زيارة القبور وءاثار الصالحين، ولا يتوقف في ذلك لأنه من العبادات غير الصلاة، ولأنه من باب الزيارة والتذكير لقوله صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور فإنها تذكركم الموت»([155])، وكان صلى الله عليه وسلم يأتي حراء وهو بمكة ويأتي قباء وهو بالمدينة، والخير في اتباعه صلى الله عليه وسلم واقتفاء ءاثاره قولا وفعلا لا سيما فيمن ظهرت الطاعة فيه». اهـ.

وفي ضمن كلام الوانشريسي أن عمل المسلمين جرى على التبرك بزيارة القبور المباركة عكس عقيدة التيميين، فتبين بذلك أنهم شاذون عن الأمة في نحلتهم المعروفة وهي محاربة التوسل بالرسول وغيره من الأنبياء والأولياء ومحاربة زيارة القبور بقصد التبرك، وقد أسفر الصبح لذي عينين.

ومن العبر التي يعتبر بها من فتح الله قلبه ما ذكره تقي الدين الحصني ونصه([156]): «وذكر ابن عساكر في تاريخه أن أبا القاسم بن ثابت البغدادي رأى رجلا بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم أذن الصبح عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه: الصلاة خير من النوم، فجاءه خادم من خدم المسجد فلطمه حين سمع ذلك منه، فبكى واستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله في حضرتك يفعل بي هذا الفعل، قال: فضربه الفالج في الحال – أي: الخادم – وحمل إلى داره فمكث ثلاثة أيام ثم مات». اهـ.

فإن قيل: أليس في حديث: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث» دلالة على أن الميت لا ينفع غيره.

فالجواب: أنه ليس في الحديث الذي رواه ابن حبان([157]): «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» دلالة على أن الميت لا ينفع غيره، إذ إن الحديث نفى استمرار العمل التكليفي الذي يتجدد به للميت ثواب، أما أن ينفع غيره فغير ممنوع بدليل أن سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم قال لمحمد عليه الصلاة والسلام في حديث المعراج: «ارجع فسل ربك التخفيف»([158])، وهذا نفع كبير لأمة محمد كان بعد موت موسى بسنين عديدة.

وأجاب الحافظ ابن الصلاح([159]) عن سؤال ورده «في قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعىٰ} [النجم: 9] وقد ثبت أن أعمال الأبدان لا تنتقل، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وقد اختلف في القرءان هل يصل إلى الميت أم لا؟ كيف يكون الدعاء يصل إليه والقرءان أفضل؟.

فأجاب ما نصه: «هذا قد اختلف فيه، وأهل الخير وجدوا البركة في مواصلة الأموات بالقرءان، وليس الاختلاف في هذه المسألة كالاختلاف في الأصول بل هي من مسائل الفروع، وليس نص الآية المذكورة دالا على بطلان قول من قال: إنه يصل، فإن المراد أنه لا حق له ولا جزاء إلا فيما سعى، فلا يدخل فيما يتبرع عليه الغير من قراءة أو دعاء فإنه لا حق له في ذلك ولا مجازاة وإنما أعطاه إياه الغير تبرعا، وكذلك الحديث لا يدل على بطلان قوله فإنه في عمله وهذا من عمل غيره». اهـ.

 

فائدة
في بيان جواز نداء النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته

تقدم أن البخاري ذكر في كتابه الأدب المفرد جواز نداء النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته بيا محمد، وذلك خلاف معتقد الوهابية فإنه عندهم شرك، وأورده أيضا ابن السني في كتابه عمل اليوم والليلة([160])، ونص البخاري في كتابه المذكور:

«باب ما يقول الرجل إذا خدرت رجله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحـق، عن عبد الرحمٰـن بن سعد قال: خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك؟ فقال: يا محمد». اهـ. وأورده ابن تيمية في كتابه المشهور الكلم الطيب([161]) ونص عبارته:

فصل في الرجل إذا خدرت رجله

عن الهيثم بن حنش قال: كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك، فقال: يا محمد فكأنما نشط من عقال». اهـ.

وذكره الحافظ شيخ القراء ابن الجزري في كتابيه: الحصن الحصين وعدة الحصن الحصين، وذكره الشوكاني أيضا في كتابه «تحفة الذاكرين»([162]) وهو غير مطعون به عندهم، ورواه أيضا ابن الجعد([163]).

وهذا الذي حصل من عبد الله بن عمر استغاثة برسول الله بلفظ يا محمد، وذلك عند الوهابية كفر أي الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم بعد موته، فماذا تفعل الوهابية أيرجعون عن رأيهم من تكفير من ينادي يا محمد أم يتبرءون من ابن تيمية في هذه القضية وهو الملقب عندهم شيخ الإسلام، فيا لها من فضيحة عليهم وهو إمامهم الذي أخذ منه ابن عبد الوهاب بعض أفكاره التي خالف بها المسلمين، وهم في هذه المسئلة على موجب عقيدتهم يكونون كفروا ابن تيمية لأنه استحسن ما هو شرك عندهم.

ولو قال أحدهم: ابن تيمية رواه من طريق راو مختلف فيه، يقال لهم: مجرد إيراده لهذا في هذا الكتاب دليل على أنه استحسنه إن فرض أنه يراه صحيحا وإن فرض أنه يراه غير ذلك، لأن الذي يورد الباطل في كتابه ولا يحذر منه فهو داع إلى ذلك الشيء، ومحاولة الألباني لتضعيف هذا الأثر لا عبرة بها، لأن الألباني محروم من الحفظ الذي هو شرط التصحيح والتضعيف عند أهل الحديث وقد اعترف في بعض المجالس بأنه ليس محدث حفظ بل قال: أنا محدث كتاب، وذلك بعد أن سأله محام سوري: يا أستاذ أنت محدث، فقال: نعم، فقال له: أتسرد لي عشرة أحاديث بأسانيدها، فأجابه الألباني: لا، أنا محدث كتاب، فأجابه المحامي: إذن أنا أستطيع أن أفعل ذلك. فخجله، فليعلم هو ومقلدوه أن تصحيحهم وتضعيفهم لغو في قانون أهل الحديث ولا اعتبار له، فليتوبوا إلى الله، فإن كان الرياء ساقهم إلى ذلك فالرياء من الكبائر.

ومما يثبت أن العلماء من أهل الحديث وغيرهم لم يكترثوا بشذوذ ابن تيمية من تحريم التوسل بالرسول بعد وفاته أن الحافظ ابن حجر العسقلاني توسل بالنبي في قصائده المسماة بالنيرات السبع، وكذلك شيخه زين الدين العراقي في ءاخر منظومته في تفسير مفردات القرءان، ولم يزل ذلك دأب العلماء السلف والخلف، ولم يتحاش ذلك إلا من فتن ببدعة ابن تيمية تلك البدعة الكبرى تحريمه التوسل بالنبي الذي ليس في حياته ولا في حضوره.

وإليك أيها المطالع مقتطفات من قصائد الحافظ التي سماها النيرات السبع وهي تتضمن التوسل بالنبي ويرى فيها قصده عند الشدة وسؤال الله به قال:

يا سيد الرسل الذي منهاجه

 

حاو كمال الفضل والتهذيب

 إلى أن قال:

فاشفع لمادحك الذي بك يتقي
فلأحمد بن علي الأثري في
قد صح أن ضناه زاد وذنبه

 

أهوال يوم الدين والتعذيب
مأهول مدحك نظم كل غريب
أصل السقام وأنت خير طبيب

ثم قال في قصيدة أخرى:

يا سيدي يا رسول الله قد شرفت

 

قصائدي بمديح فيك قد رصفا

 إلى أن قال:

بباب جودك عبد مذنب كلف
بكم توسل يرجو العفو عن زلل
وإن يكن نسبة يعزى إلى حجر

 

يا أحسن الناس وجها مشرقا وقفا
من خوفه جفنه الهامي لقد ذرفا
فطالما فاض عذبا طيبا وصفا

 ثم قال في قصيدة أخرى:

إصدح بمدح المصطفى واصدع به
واقصد له واسأل به تعظ الـمنى
وتعيش مهما عشت فيه سعيدا

 

قلب الحسود ولا تخف تفنيدا
وتعيش مهما عشت فيه سعيدا
لا بدع أن أضحى به مسعودا

ثم قال في قصيدة أخرى:

فما تبلغ الأشعار فيه ومدحه

 

به ناطق نص الكتاب وناقل

إلى أن قال:

ولي إن توسلت الهناء بمدحه

 

لأني مستجد هناك وسائل

 ثم قال في قصيدة أخرى:

فإن أحزن فمدحك لي سروري

 

وإن أقنط فحمدك لي رجائي

 ثم قال في قصيدة أخرى:

نبي براه الله أشرف خلقه
فرج نداه إنه الغيث في الندى

 

وأسماه إذ سماه في الذكر أحمدا
وخف من سطاه إنه الليث في العدا

 إلى أن قال:

حليم فقيس في الندي مجهل
فكم حمدت منه الفوارس صولة

 

كريم ودع ذكر ابن مامة في الندى
وعاد فكن العود أحمى وأحمدا

ثم قال في قصيدة أخرى:

وإن قنطت من العصيان نفس

 

فباب محمد باب الرجاء

 وقال الحافظ أبو الفتح محمد بن سيد الناس المتوفى سنة 734 الذي يقول الحافظ ابن حجر عنه: «شيخ شيوخنا» في قصيدة أولها:

 سر بالظلام بجذوة من أضلعي
وسر السرى بالسير لا متوانيا
وإذا حللت بطيبة فلك الهنا
واد يهيم به الفؤاد مقدس
فانشر به نشر الربيع تحيتي
واقرأ السلام على النبي فطالما

 

وإذا عدمت الورد حسبك أدمعي
واجف الكرى من بعد لين المضجع
فيما حللت من الجناب الممرع
كم لي لبعدي عنه أنه موجع
كما بث السقام تفجعي
حملته نسمات بان الأجرع

إلى أن قال:

لله قوم نورهم قبسوه من
فازوا برؤية خير من وطئ الثرى
وقل الأسير بما جنى متشفع

 

مشكاة أحمد ذي النسا المتضوع
شرفا فلذ بضريحه وتضرع
من أحمد الهادي بخير مشفع

 وذكر الحافظ السخاوي في الذيل على دول الإسلام قصيدة قرأها أمام قبر سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم جاء فيها ما نصه([164]):

أكرر تسليمي مدى الدهر إنه
وأهدي إلى القبر الشريف تحية
عسى تبلغ الآمال منه بنظرة

 

شفاء لقلبي من أليم فراقه
على قدر حالي في عظيم اشتياقه
إلي فإن يفعل بفوز ألاقه

وقال ابن الحاج المالكي المعروف بإنكاره للبدع في كتابه المدخل([165]) ما نصه: «فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، إذ إنها أعظم من الجميع، فليستبشر من زاره ويلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام من لم يزره، اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك ءامين يا رب العالمين ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم، ألم يسمع قول الله عز وجل: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64]. فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله توابا رحيما، لأن الله عز وجل منزه عن خلف الميعاد وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه، فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، نعوذ بالله من الحرمان». اهـ.

فائدة: والدليل على جواز مدح الرسول الإفرادي([166]) قول العباس: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال صلى الله عليه وسلم: «قل لا يفضض الله فاك» فقال:

من قبلها طبت في الظلال وفي

 

مستودع حين يخصف الورق

 قال الحافظ ابن حجر في الأمالي: «حديث حسن».

قال ابن الأثير ما نصه([167]): «أراد ظلال الجنة أي كنت طيبا في صلب ءادم حيث كان في الجنة. وقوله: من قبلها أي من قبل نزولك إلى الأرض فكنى عنها ولم يتقدم لها ذكر لبيان المعنى». اهـ. أما الجماعي فدليله حديث النسائي في السنن الكبرى([168]) من حديث أبي سلمة، عن عائشة قال: قالت عائشة: «دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال رسول الله: «يا حميراء([169]) أتحبين أن تنظري إليهم» فقلت: نعم، فقام بالباب وجئته فوضعت ذقني على عاتقه فأسندت وجهي إلى خده قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسبك»، فقلت: يا رسول الله لا تعجل، فقام لي ثم قال: «حسبك»، قلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: ومالي حب النظر إليهم ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه»، ذكره النسائي وهو حديث صحيح كما قال الحافظ أبو الحسن بن القطان في كتاب النظر([170])، وفي مسند أحمد حديث قريب من هذا أخرجه من حديث أنس([171]).

وروى ابن ماجه([172]) عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:

نحن جوار من بني النجار

 

يا حبذا محمد من جار

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله يعلم إني لأحبكن» قال الحافظ البوصيري([173]): «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات».

كذلك حديث الأشعريين([174]):

غدا نلقى الأحبة

 

محمدا وحزبه»

 انتهى كلام الإمام الحبشي.

([1]) انظر الكتاب (طبعة مؤسسة الريان سنة 1428هـ 2007م في ص144).

([2]) انظر: الكتاب (ص216).

([3]) التوسل والوسيلة (ص24).

([4]) الرد على المنطقيين (ص536).

([5]) التوسل والوسيلة (ص150).

([6]) الفتاوى الكبرى (1/351).

([7]) انظر: شفاء السقام في زيارة خير الأنام (ص160).

([8]) انظر: حاشية ابن حجر على شرح الإيضاح (ص489).

([9]) أي: بالجارحة والجزء.

([10]) وقد مر ما قاله الصفدي فيه من تشبيهه له في اللغة بالجوهري والأزهري اللذين هما أشهر أئمة اللغة.

([11]) البحر المحيط (1/23).

([12]) المصباح المنير (ص389).

([13]) الخدر مرض شبه التشنج وليس ما يسمى عند العامة التنميل.

([14]) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب تفسير القرءان: باب ومن سورة المؤمن، وابن حبان في صحيحه، انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (2/124).

([15]) أخرجه الترمذي في سننه بنحوه: كتاب الدعوات: باب في انتظار الفرج وغير ذلك، والطبراني في معجمه الكبير (10/125)، وقال العجلوني في كشف الخفا (1/239): «وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في بعض حواشيه». اهـ.

([16]) انظر: الكتاب (ص156).

([17]) انظر: الكتاب (ص158).

([18]) لا معنى للتردد الذي في ضمن كلام القاري لأن أحدا من المسلمين خواصهم وعوامهم لا يشك في كون زيارة قبر الرسول في السفر وفي غير السفر قربة إلى الله، فالصواب الجزم.

([19]) توفي ابن عقيل سنة 503هـ. وتوفي ابن تيمية سنة 728هـ.

([20]) أخرجه أبو يعلى في مسنده (6/147)، وانظر: كشف الأستار (3/100)، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/211): «ورجال أبي يعلى ثقات».

([21]) انظر: المعجم الكبير (9/17)، والمعجم الصغير (201).

([22]) فتح الباري (11/438).

([23]) فتح الباري (3/338).

([24]) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب المساجد والجماعات: باب المشي إلى الصلاة، وأحمد في مسنده (3/21)، والطبراني في الدعاء (2/900)، والبيهقي في الدعاء (1/47).

([25]) نتائج الأفكار (1/272).

([26]) المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح (ص471، 471).

([27]) الترغيب والترهيب (2/273).

([28]) المغني عن حمل الأسفار (1/289).

([29]) الإقبال بالوجه من الله تعالى ليس على ظاهره بل يؤول بمعنى الرضا عنه.

([30]) أي أن حديث بلال مضمونه أن الرسول كان إذا خرج يقول ذلك فهو حكاية عن فعله عليه السلام أي عن خروجه إلى المسجد، وأما حديث أبي سعيد فهو إخبار بفضل من يقول هذا الذكر إذا خرج إلى المسجد، وليس فيه نسبة الخروج إلى الرسول، فالأول الذي هو إسناده تالف، وأما الثاني فإسناده حسن كما فهم ذلك من قول الحافظ.

([31]) إتحاف السادة (المتقين) (5/89).

([32]) شفاء السقام (ص161).

([33]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (25/12)، وكتاب الدعاء (2/899)، وأورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (10/125) وعزاه للطبراني وقال: «وإسناده حسن».

([34]) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب (59).

([35]) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/383).

([36]) مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة (3/334) من حديث داود بن عطاء المدني عن زيد ابن أسلم عن ابن عمر. قال الذهبي في التلخيص: هو في جزء البانياسي بعلو، وصح نحوه من حديث أنس، فأما داود فمتروك. قلت: تابعه عليه هشام بن سعد أخرجه البلاذري من طريقه عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، انظر: الفتح (2/497).

([37]) فتح الباري (2/497).

([38]) انظر: الكتاب (1/595).

([39]) انظر: الكتاب (2/69).

([40]) انظر: الكتاب (2/456).

([41]) انظر: الكتاب (10/130).

([42]) قال الزبيدي: «قد تعقدت ساقاه من طول القيام في الصلاة، وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له القيامة غدا ما وجد متزايدا، رواه أبو نعيم في الحلية فقال: حدثنا الحسن بن على الوراق حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا محمد بن يزيد الآدمي حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض قال رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له غدا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة. وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطح ليضربه البرد وإذا كان في الصيف اضطجع داخل البيوت ليجد الحر والغم فلا ينام. رواه أبو نعيم في الحلية فقال: حدثنا عبد الله بن محمد ابن جعفر حدثنا جعفر الفريابي حدثنا أمية حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا سليمان بن سالم قال: كان صفوان بن سليم في الصيف يصلي بالليل في البيت فإذا كان في الشتاء صلى في السطح لئلا ينام، حدثنا أبو محمد بن حيان حدثنا عبد الرحمٰـن بن محمد بن إدريس حدثنا علي بن الحسن السنجاني حدثنا إسحـق بن محمد الفردي حدثنا مالك بن أنس قال: كان صفوان بن سليم يصلي في الشتاء في السطح وفي الصيف في بطن البيت يستيقظ بالحر والبرد حتى يصبح ثم يقول: هذا الجهد من صفوان وأنت أعلم به، وإنه لترم رجلاه حتى يعود مثل السقط من قيام الليل وتظهر فيها عروق خضر وإنه مات وهو ساجد، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن أحمد بن أيوب المقري حدثنا أبو بكر بن صدقة حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي حدثنا أبو غسان مالك بن إسمعيل قال سمعت سفيان بن عيينة يقول وأعانه على بعض الحديث أخوه محمد قال: أبي صفوان بن سليم أن لا يضع جنبه على الأرض حتى يلقى الله عز وجل، فلما حضره الموت وهو منتصب قالت له ابنته: يا أبت في هذه الحالة لو ألقيت نفسك قال: إذا يا بنية ما وفيت له بالقول، وزاد المزي في التهذيب من طريق سفيان أنه مكث على ذلك أكثر من ثلاثين سنة ومن طريق غيره أربعين سنة قال فلما حضرته الوفاة واشتد به النزع والعجز قالت ابنته: يا أبت لو وضعت جنبك فقال: يا بنية إذا ما وفيت لله عز وجل بالنذر والحلف فمات وإنه لجالس، قال سفيان فأخبرني الحفار الذي يحفر قبور أهل المدينة قال: حفرت قبر رجل فإذا أنا قد وقعت على قبر فوافيت جمجمة فإذا السجود قد أثر في عظام الجمجمة، فقلت لإنسان: قبر من هذا؟ فقال: أوما تدري، هذا قبر صفوان بن سليم، وكان يقول في دعائه: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي ينزع بذلك إلى ما ورد في الخبر: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه» اهـ.

([43]) انظر: طبقات الحفاظ (ص61).

([44]) العلل ومعرفة الرجال (1/163 ـ 164).

([45]) الإصابة في تمييز الصحابة (2/398).

([46]) تهذيب التهذيب (7/339).

([47]) رد المحتار على الدر المختار (5/274).

([48]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع: باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي، ومسلم في صحيحه: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال.

([49]) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (1/254).

([50]) حياة الأنبياء بعد وفاتهم رقم (15).

([51]) فتح الباري (6/487).

([52]) مقدمة فتح الباري (ص4).

([53]) عزاه السيوطي في الجامع الصغير (2/518) لابن عساكر والخطيب في تاريخه، انظر: تاريخ بغداد (6/137).

([54]) إتحاف السادة المتقين (10/365)، العاقبة (ص118)، فيض القدير (5/487).

([55]) فيض القدير (5/487).

([56]) فتح الباري (6/487).

([57]) المصدر السابق.

([58]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب من فضائل موسى عليه السلام.

([59]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال.

([60]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب المناسك: باب زيارة القبور.

([61]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب في فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، والنسائي في سننه: كتاب الجمعة: باب إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وابن خزيمة في صحيحه (3/118).

([62]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب المناسك: باب زيارة القبور.

([63]) انظر: كشف الأستار (1/397)، وقال الحافظ الهيثمي في المجمع (9/24): «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح».

([64]) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الجنائز: باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر.

([65]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها.

([66]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي: باب قتل أبي جهل.

([67]) رواه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم في صحيحه: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه.

([68]) رواه الترمذي في سننه: كتاب فضائل القرءان: باب ما جاء في فضل سورة الملك.

([69]) أورده السيوطي في الجامع الصغير (2/56) بنحوه وحسنه.

([70]) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (10/268).

([71]) إتحاف السادة المتقين (2/284).

([72]) انظر: الكتاب (2/135).

([73]) تاج العروس شرح القاموس (10/173، 174).

([74]) البداية والنهاية لابن كثير (7/91).

([75]) فتح الباري (2/495).

([76]) البداية والنهاية لابن كثير (7/90).

([77]) أي: تجول في البلد ليلا ليفتش أحوال البلد.

([78]) الذي عليه الحزن.

([79]) معناه: كيت وكيت.

([80]) كشاف القناع (2/68).

([81]) أخرجه الحاكم في المستدرك (4/515).

([82]) انظر: الكتاب (2/35).

([83]) كشاف القناع (2/150).

([84]) انظر: الكتاب (ص259).

([85]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/562).

([86]) انظر: الكتاب (4/1405).

([87]) انظر الكتاب (9/241).

([88]) وهذا استفهام إنكاري أي أيقوله؟

([89]) مصنف ابن أبي شيبة (3/450).

([90]) قطعة من المنبر مدورة على شكل رمانة.

([91]) أي: الملساء.

([92]) كشاف القناع (2/150).

([93]) العلل لأحمد بن حنبل (2/492).

([94]) انظر: الكتاب (ص367).

([95]) مناقب الإمام أحمد بن حنبل (ص296، 297، 298).

([96]) المصدر نفسه، (ص296، 297، 298).

([97]) مناقب الإمام أحمد بن حنبل (ص296، 297، 298).

([98]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوضوء: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.

([99]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحج: باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق والابتداء في الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق.

([100]) أخرجه أحمد في مسنده (4/42)، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (4/19): «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح».

([101]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوضوء: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.

([102]) صحيح مسلم: كتاب الحج: باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق، والابتداء في الحلق في الجانب الأيمن من رأس المحلوق.

([103]) سنن أبي داود، كتاب المناسك: باب الحلق والتقصير.

([104]) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب التاريخ: باب اجتماع الشجرتين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (2/618). وصححه وأقره الذهبي في تلخيصه.

([105]) انظر المطالب العالية (4/90) قال الشيخ المحدث حبيب الرحمٰـن الأعظمي في تعليقه على الحديث: كذا في الأصلين وفي الإتحاف: فما وجهته في وجه إلا فتح له، وفي الزوائد: فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصرة. قال البوصيري: رواه أبو يعلى بسند صحيح، وقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ورجالهما رجال الصحيح (9/349)، انظر مسند أبي يعلى (13/139).

([106]) انظر: البداية والنهاية (10/334).

([107]) أخرجه الإمام في مسنده (4/42) من حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الحافظ الهيثمي في المجمع (3/19) بعد عزوه لأحمد: «ورجاله رجال الصحيح».

([108]) صحيح مسلم: كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجال، وإباحته للنساء، وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع.

([109]) قال النووي في شرح مسلم (14/45): «وأما قولها: وفرجيها مكفوفين فكذا وقع في جميع النسخ وهما منصوبان بفعل محذوف أي ورأيت فرجيها مكفوفين».

([110]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (4/16) بنحوه، وأحمد في مسنده (5/67، 68) في حديث طويل.

([111]) مجمع الزوائد (9/408).

([112]) أخرجه أبو يعلى في سنده (6/211). وقال الحافظ الهيثمي في المجمع (9/325): «رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ثقة».

([113]) أخرجه أحمد في مسنده (5/422).

([114]) المعجم الكبير (4/189)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (4/515).

([115]) مجمع الزوائد (5/245).

([116]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (24/205، 206).

([117]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع: باب ذكر النساج.

([118]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب اللباس: باب القبة الحمراء من أدم.

([119]) مناقب الإمام أحمد بن حنبل (ص186، 187).

([120]) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: (2/282).

([121]) انظر: الكتاب (11/212).

([122]) انظر الكتاب (10/333).

([123]) انظر الكتاب (10/334).

([124]) الوافي بالوفيات (6/366، 367).

([125]) انظر: كشف الأستار (1/395) وقال في المجمع (3/48): «ورجاله موثقون».

([126]) انظر: الإتحاف (10/321).

([127]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم.

([128]) طرج التثريب في شرح التقريب (3/303).

([129]) انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (9/104).

([130]) انظر: صحيح البخاري: كتاب الصلاة: باب المساجد التي على طرق المدينة.

([131]) انظر إتحاف السادة (4/429).

([132]) فتح الباري (1/569).

([133]) فتاوي ولي الدين العراقي (ق/105)، مخطوط.

([134]) فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي (4/382).

([135]) أخرجه أحمد في مسنده (3/482).

([136]) أي: عاجزة عن السفر إلى مقصدها.

([137]) أي: إلى جهة.

([138]) جمع الحـرث الاستعاذة بالرسول مع الاستعاذة بالله وذلك لأن الله هو المستعاذ الحقيقي، وأما الرسول فمستعاذ به على معنى أنه سبب.

([139]) كشف الأستار (4/34)، شعب الإيمان (1/445)، مجمع الزوائد (10/132).

([140]) شعب الإيمان (6/128).

([141]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة: باب فضل السجود والحث عليه.

([142]) أخرجه ابن حبان في صحيحه انظر: الإحسان (2/53)، والحاكم في المستدرك (2/571، 572)، وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (10/170، 171) وقال: «رواه الطبراني، ورواه أبو يعلى ورجال أبي يعلى رجال الصحيح».

([143]) انظر: المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر العسقلاني (3/273، 274).

([144]) أخرجه أبو يعلى في مسنده (13/236، 237).

([145]) في شرح القاموس (2/192) ما نصه: طلحة الطلحات «في بعض حواشي نسخ الصحاح بخط من يوثق به الصواب طلحة بن عبد الله قال ابن بري ذكر ابن الأعرابي في طلحة الطلحات لأن أمه صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة زاد الأزهري: ابن عبد مناف قال: وأخوها أيضا طلحة بن الحارث فقد تكنفه هؤلاء الطلحات كما ترى ومثله في شرح أبيات الإيضاح وفي تاريخ ولاة خراسان لأبي الحسين على بن أحمد السلامي سمي به لأن أمه طلحة بنت أبي طلحة وفي الرياض النضرة أن أمه صفية بنت عبد الله بن عباد بن مالك بن ربيعة الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وقال ابن الأثير قيل أنه جمع بين مائة عربي وعربية بالمهر والعطاء الواسعين فولد لكل منهم ولد فسمي طلحة فأضيف إليهم وفي شواهد الرضي لأنه فاق في الجود خمسة أجواد اسم كل واحد منهم طلحة وهم طلحة الفياض، وطلحة الجود، وطلحة الدراهم، وطلحة الندى، وقيل كان في أجداده جماعة اسم كل طلحة كذا في شرح المفصل لابن الحاجب وفي كتاب الغرر لإبراهيم الوطواط الطلحات خمسة وهم طلحة بن عبيد الله التيمي وهو طلحة الفياض وطلحة بن عمر بن عبد الله بن معمر التيمي وهو طلحة الجود وطلحة بن عبد الله بن عوف الزهري ابن أخي عبد الرحمٰـن بن عوف وهو طلحة الندى وطلحة بن الحسن بن على بن أبي طالب وهو طلحة الخير وطلحة بن عبد الرحمٰـن بن أبي بكر ويسمى طلحة الدراهم وطلحة ابن عبد الله بن خلف الخزاعي وهو سادسهم المشهور بطلحة الطلحات ومثله كلام ابن بري وقبر طلحة الندى بالمدينة وقبر طلحة الطلحات بسجستان وفيه يقول ابن قيس الرقيات:

رحم الله أعظما دفنوها

 

بسجستان طلحة الطلحات».اهـ.

([146]) انظر: الكتاب (ص818).

([147]) أي: واحد من الأشراف من ذرية سيدنا علي رضي الله عنه.

([148]) الزنبيل هو وعاء يعمل من قصب يوضع فيه الخضرة (وهو السلة).

([149]) تاريخ بغداد (1/120).

([150]) تاريخ بغداد (1/122 – 125).

([151]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة: باب شرح السنة.

([152]) الوشل: بفتح الواو والشين الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة ولا يتصل قطره، ويطلق على القليل من الدمع.

([153]) انظر: المعيار المعرب (2/81، 82).

([154]) أخرجه أحمد في مسنده (6/7).

([155]) رواه البيهقي في السنن (4/70).

([156]) دفع شبه من شبه وتمرد (ص89).

([157]) صحيح ابن حبان، فصل في الموت وما يتعلق به من راحة المؤمن وبشراه وروحه وعمله والثناء عليه، انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (5/9).

([158]) صحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السمٰـوات وفرض الصلوات.

([159]) فتاوى ابن الصلاح (1/149).

([160]) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص72، 73).

([161]) الكلم الطيب (ص73).

([162]) تحفة الذاكرين (ص267).

([163]) مسند ابن الجعد (ص369).

([164]) وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام (2/777).

([165]) انظر: الكتاب (1/253).

([166]) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (5/268)، والحاكم في المستدرك (3/327)، والطبراني في المعجم الكبير (4/213).

([167]) النهاية في غريب الحديث (3/160)، لسان العرب (11/416).

([168]) السنن الكبرى (5/307، 308).

([169]) أي شديدة بياض الوجه مع حمرة فيه من شدة جماله.

([170]) النظر في أحكام النظر (ص360).

([171]) مسند أحمد (3/152).

([172]) سنن ابن ماجه: كتاب النكاح: باب الغناء والدف.

([173]) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (1/334).

([174]) مسند أحمد (3/105 و155).